- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4190
سوريا ليست مستعدة لخوض حرب خارج حدودها
لا ينبغي أن يتمحور المعيار الأمريكي لقياس فاعلية التعاون حول مدى استعداد سوريا لمقاتلة وكلاء إيران في لبنان أو العراق، بل حول ما إذا كانت ماضية في تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر تأمين حدودها، والحد من تدفق الأسلحة والمقاتلين الإيرانيين، والانخراط في التنسيق السياسي مع دول الجوار.
أفاد تقرير نشرته وكالة رويترز في السابع عشر من آذار/مارس بأن واشنطن تمارس ضغوطاً على الرئيس السوري أحمد الشرع لبحث إمكانية نشر قوات سورية في لبنان بهدف المساهمة في نزع سلاح "حزب الله" - وهي مهمة أخفقت الدولة اللبنانية في إنجازها على مدار سنوات. وعلى الرغم من أن المبعوث الأمريكي توم باراك نفى هذه المزاعم على الفور، فإن هذه الواقعة سلطت الضوء على إشكالية محورية تعتري مسار العلاقة الثنائية المتبلورة بين البلدين: إذ تُبدي سوريا في عهد الشرع استعداداً للاضطلاع بدور الشريك في جهود احتواء النفوذ الإيراني وتعزيز الاستقرار الإقليمي، غير أنها لا تبدو مهيأة للتحول إلى قوة استطلاعية لمواجهة الفصائل المسلحة الموالية لإيران ونزع سلاحها خارج نطاق حدودها السيادية، سواء تعلّق الأمر بـ"حزب الله" في لبنان أو بالميليشيات الشيعية في العراق. وفي هذا السياق، تملك إدارة ترامب هامشاً واسعاً لتخفيف حدة هذا التوتر، وذلك من خلال الإقرار بالمحددات البنيوية والمؤسسية التي تحكم عمل الحكومة الناشئة في دمشق، فضلاً عن استكشاف مسارات بديلة لتعزيز التعاون في الملفات الأمنية الحيوية خلال الحرب مع إيران وما بعدها.
استجابة محسوبة للأزمة الإيرانية
اعتمدت دمشق حتى الآن مقاربة حذرة ومدروسة إزاء الحرب، إذ انحازت دبلوماسياً إلى جانب الدول العربية وواشنطن في إدانة التصرفات الإيرانية، وعززت أمن حدودها، وتجنبت التصعيد. بيد أنها أبقت في الوقت ذاته عيناً يقظة على إسرائيل، التي هاجمت قوات الحكومة السورية في الجنوب في 20 آذار/مارس دعماً لعناصر درزية، ووسعت عملياتها في لبنان المجاور. ويعكس هذا التوازن حذراً استراتيجياً من جهة، وواقع القيود الهيكلية التي تواجهها حكومة لا تزال في طور البناء والتأسيس من جهة أخرى.
على الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني سلسلة من الاتصالات مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وتركيا والعواصم الغربية فور اندلاع الأعمال العدائية في 28 شباط/فبراير - مع ملاحظة عدم إجرائه أي اتصال مع إسرائيل. كما أدانت وزارة الخارجية الهجمات الإيرانية على الدول العربية، معربةً عن تضامنها مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، وقطر، والكويت، والأردن.
وفي الأيام التالية، عزز الشرع هذه الرسالة عبر تواصله المباشر مع القادة الإقليميين، بما في ذلك إجراء اتصالات مع قادة دول الخليج والتنسيق مع المسؤولين في بغداد وحكومة إقليم كردستان. وبحلول 1 آذار/مارس، كانت سوريا قد انضمت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والأردن في إدانة الضربات الإيرانية "بأشد العبارات"، مما وضع دمشق بوضوح ضمن كتلة عربية ناشئة معارضة لإيران.
غير أن سوريا، في المقابل، التزمت بضبط وضعها العسكري وركّزت على تأمين أراضيها. ففي 3 آذار/مارس، أفادت التقارير بأنها نشرت آلاف الجنود والمركبات المدرعة ومنظومات صواريخ قصيرة المدى على الحدود مع لبنان والعراق. وأشار أحد التقارير إلى أن الوحدات المرسلة إلى الجبهة اللبنانية تضمنت عناصر أوزبكية وأويغورية من النخبة جرى دمجها في القوات المسلحة السورية خلال العام المنصرم، مما يسلط الضوء على التحولات في البنية القتالية للجيش واستمرار اعتماده على المقاتلين الأجانب، الذين قد يكون بعضهم مرتبطاً بأيديولوجيات متطرفة.
وقد حرص المسؤولون السوريون على تأطير عمليات الانتشار هذه بوصفها دفاعية بطبيعتها، إذ وصفها ضباط عسكريون بأنها جهود لمكافحة التسلل وتهريب المخدرات والأسلحة من قبل "حزب الله" وغيره من الميليشيات الشيعية. وفي 5 آذار/مارس، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن التعزيزات تستهدف تكثيف المراقبة وتسيير الدوريات عند المعابر الحدودية ومكافحة التهريب - لا الإعداد لعمليات هجومية. وبالمثل، جرى التقليل من أهمية تقارير نشر الصواريخ باعتبارها جزءاً من وضع ردعي أوسع، مع تأكيد المسؤولين أن الأراضي السورية لن تُستخدم كمنصة للمواجهة.
القيود العملية ومخاطر التصعيد
على الصعيد السياسي، كانت دمشق صريحة تماماً في انحيازها لأهداف الولايات المتحدة ضد "حزب الله"، وهو الميليشيا التي ساعدت نظام الأسد السابق في القمع الوحشي لعناصر المعارضة السورية إبان الحرب الأهلية، بمن فيهم جماعة الشرع السابقة "هيئة تحرير الشام". وفي 9 آذار/مارس، أكد الشرع علنياً دعم سوريا لجهود الرئيس اللبناني جوزيف عون في نزع سلاح "حزب الله". بيد أنه حذر أيضاً من أن التصعيد الإقليمي الأخير يشكّل "تهديدًا وجوديًا“ يطال استقرار الشرق الأوسط والاستقرار الاقتصادي العالمي على حد سواء.
يرتكز الموقف السياسي والعسكري الحذر للشرع على القيود العملية التي يفرضها واقع القطاع الأمني السوري المتغير. فالحكومة لا تزال في طور توحيد قواتها العسكرية وأجهزتها الأمنية الداخلية بعد سنوات من التشرذم والحرب الأهلية في ظل نظام الأسد. وعلى الرغم من الدمج الرسمي للفصائل المسلحة المعارضة سابقاً ضمن وزارة الدفاع، تشير التقارير والتحليلات إلى أن كثيراً من هذه الوحدات لا تزال تحتفظ بدرجة عالية من الاستقلالية، مما يُعيق جهود تركيز القيادة والسيطرة. كما أن دمج المقاتلين الأجانب في وحدات النخبة زاد من تعقيد التماسك المؤسسي، وأثار تساؤلات حول الانضباط والموثوقية في أي عملية عابرة للحدود.
كما تستمر التهديدات الأمنية الداخلية كذلك، إذ نفذت السلطات السورية في وقت سابق من هذا الشهر عمليات ضد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في دير الزور وبالقرب من دمشق، حيث اعتقلت عناصر وأحبطت هجمات كانت مخططة مسبقاً. وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، مما يزيد العبء على حكومة الشرع في مكافحة تنظيم "داعش".
تؤكد هذه المتطلبات الأمنية الداخلية المستمرة حقيقة أساسية: أن حكومةً لا تزال مشغولة بتأمين جبهتها الداخلية ليست في وضع يمكنها من فتح جبهة جديدة في لبنان أو العراق. بل إن أي تدخل سوري في لبنان سينطوي على مخاطر جسيمة في الظروف الراهنة - ليس على سوريا وحدها، بل أيضاً على الاستراتيجية الإقليمية لواشنطن:
- قد يتصاعد التدخل السوري بسرعة إلى ما يتجاوز المناوشات المحلية، ليستقطب شبكات التهديد الإيرانية الأخرى ويستفز ردود فعل انتقامية عبر سوريا والعراق وما وراءهما.
- قد يُؤجج التدخل السوري الديناميكيات الطائفية في لبنان وعموم بلاد الشام. إذ سيسارع "حزب الله" إلى التمسك بعباءة "المقاومة" وتصوير القوات السورية بوصفها حشداً من الجهاديين السنة الساعين إلى قتل المدنيين الشيعة، مما قد يحشد الدعم داخل قاعدته المجتمعية الأساسية ويزيد من اختلال التوازن الطائفي الهش أصلاً في لبنان.
- قد يُقوض التدخل السوري أيضاً شرعية الدولة اللبنانية في ظل تصاعد الضغوط عليها لنزع سلاح "حزب الله". ونظراً للاحتلال السوري القاسي الذي امتد ثلاثة عقود في لبنان إبان حقبة الأسد، فإن أي تدخل عسكري سوري جديد سيُنظر إليه على الأرجح باعتباره إكراهاً خارجياً لا قراراً سيادياً، مع احتمال كبير بأن يكون له نتائج عكسية.
وبدلاً من التفكير في عمل استطلاعي خارج الحدود، تشير تصرفات الحكومة السورية خلال الأزمة الراهنة إلى ترتيب مختلف للأولويات.
أولاً، تسعى دمشق إلى منع تداعيات الحرب من الامتداد إلى الداخل السوري - ومن هنا جاءت تعزيزاتها المتزايدة وعمليات المراقبة والدوريات على طول الحدود مع لبنان والعراق.
ثانياً، تهدف دمشق إلى الحفاظ على اصطفاف سياسي علني مع الدول العربية وواشنطن - وإن لم يشمل ذلك إسرائيل. فتواصلها الدبلوماسي وإدانتها المتواصلة للتصرفات الإيرانية يعكسان رغبةً في إعادة تموضع سوريا ضمن المنظومة الإقليمية بعد سنوات من كونها مجرد مركز لإيران وميليشياتها. وفي الوقت ذاته، أفادت التقارير بأن الشرع أبلغ مسؤولين لبنانيين بضرورة الحذر من محاولات إسرائيلية محتملة لخلق مشكلات بين الدول العربية، بما في ذلك من خلال عمليات عسكرية تدفع بـ"حزب الله" أو الميليشيات العراقية نحو الحدود السورية. بيد أنه من الجدير بالملاحظة أن دمشق يبدو أنها وافقت على - أو على الأقل لم تعترض علنياً على - الاستخدام الإسرائيلي المتكرر لمجالها الجوي لتنفيذ ضربات ضد إيران.
ثالثاً، تحرص دمشق على معالجة الضغوط الداخلية وإدارتها بحذر. فالحرب مع إيران تُخلّف بالفعل تداعيات اقتصادية، من قبيل اضطرابات في إمدادات الطاقة وتهافت استباقي على شراء الوقود. وفي غضون ذلك، عبر أكثر من 125,000 لاجئ سوري الحدود قادمين من لبنان خلال أيام معدودة، مما فرض أعباءً إضافية على الخدمات والموارد المحلية.
التداعيات على السياسة الأمريكية
يتوافق الموقف السوري في زمن الحرب مع الجهود الأمريكية الرامية إلى منع إيران من مواصلة زعزعة استقرار الشرق الأوسط. غير أن بإمكان المسؤولين الأمريكيين بذل المزيد لتحصين دمشق من تداعيات الصراع وتقريب الحكومة الجديدة من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. وتحديداً، ينبغي لواشنطن أن:
- تؤكد بوضوح أنها لا تتوقع تدخلاً عسكرياً سورياً في لبنان في الوقت الراهن. فحتى مجرد تصور وجود مثل هذه التوقعات قد يخلق حوافز خطيرة وحسابات خاطئة لدى مختلف الأطراف الفاعلة، مما قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات تهدد المصالح الأمريكية. ومن شأن موقف علني واضح لا لبس فيه بشأن هذه المسألة أن يساعد في توضيح التوقعات الإقليمية وتقليص مخاطر التصعيد.
- تدعم جهود سوريا في تأمين حدودها وتعزيز السيطرة عليها. تشير عمليات الانتشار الأخيرة إلى أن دمشق تركز بالفعل على منع التهريب والتسلل، ولذا ينبغي للولايات المتحدة تعزيز هذا النهج من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة التقنية والتنسيق مع السلطات في لبنان والعراق وغيرهما. ويُعدّ تعزيز ضبط الحدود وسيلة عملية لتقييد الشبكات اللوجستية لـ"حزب الله" دون إشعال فتيل صراع مفتوح. كما ينبغي لإدارة ترامب النظر في اتخاذ إجراءات أمريكية أكثر حزماً ضد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، لا سيما في ضوء الضربات الصاروخية العابرة للحدود التي استهدفت هذا الأسبوع قاعدة عسكرية في شمال شرق سوريا.
- تعمل على دمج سوريا في إطار إقليمي أوسع لاحتواء إيران. ويشمل ذلك التنسيق مع دول الخليج والشركاء الأوروبيين ولبنان خلال النزاع الحالي وبعده، بما يغطي قضايا مثل تدفقات اللاجئين ووصول المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار بعد الحرب. فالموقع الجغرافي لسوريا يجعلها نقطة محورية في أي استراتيجية إقليمية، حتى لو لم تكن طرفاً مقاتلاً في الخطوط الأمامية.
- تجنب إثقال العلاقة بمطالب تتجاوز قدرات سوريا. فالضغط على الدولة لتحمل مهام لا تستطيع إدامتها قد يُعرضها لخطر زعزعة الاستقرار، مما قد يفتح الباب أمام عودة تنظيم "داعش" ويُقوّض الأهداف الإقليمية الأوسع.
وفي سياق السعي نحو هذا التعاون، فإن المعيار الأمثل للسياسة الأمريكية لا يتمثل فيما إذا كانت سوريا ستدخل لبنان أو العراق لمقاتلة وكلاء إيران، بل فيما إذا كانت ستواصل اتخاذ خطوات تدعم الاستقرار الإقليمي، مثل تأمين حدودها، والحد من تدفق الأسلحة والمقاتلين الإيرانيين، والتنسيق السياسي مع لبنان ودول الجوار الأخرى، والحفاظ على مسافة من الأجندة العسكرية لطهران. وبحسب هذه المعايير، جاء سلوك سوريا منذ الثامن والعشرين من فبراير متوافقاً إلى حد كبير مع المصالح الأمريكية، إذ أدانت التصرفات الإيرانية، وعززت دفاعاتها الحدودية، وتجنبت أي إجراءات قد تؤدي إلى تصعيد الصراع.
ومن المؤكد أن هذا التوافق لا يزال هشاً ومشروطاً، فهو يعكس تقاطع مصالح أكثر من كونه تحالفاً رسمياً، وقد يتغير إذا تبدلت الديناميكيات الإقليمية. ومع ذلك، يظل هذا التطور ذا مغزى - ينبغي لواشنطن أن تسعى إلى ترسيخه لا تقويضه، خصوصاً مع نمو التحالف الناشئ مع دمشق.
قد تبدو فكرة تحويل سوريا في عهد الشرع إلى قوة بالوكالة ضد "حزب الله" مغرية من الناحية النظرية، لا سيما في ظل القيود الداخلية اللبنانية، لكنها من الناحية العملية مقاربة عالية المخاطر وذات عوائد محدودة. فحكومة سوريا ليست مؤهلة عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً للاضطلاع بهذا الدور في الوقت الراهن، وتشجيعها على ذلك قد يُعيق النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله. إن النهج الأكثر فاعلية هو التعامل مع سوريا كما هي، لا كما قد تتمنى واشنطن أن تكون: أي حكومة جديدة تركّز على إعادة بناء بلد مُنهَك، وتأمين حدوده، وإعادة الانفتاح بحذر على الشركاء الإقليميين، وتجنّب الانجرار إلى حرب آخذة في الاتساع.