- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4219
الدور التركي المحدود في الحرب مع إيران
تستند وجهة نظر أنقرة إلى مبدأ تكافؤ القوة، إذ تولي اهتماماً بالغاً بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي أو الانزلاق إلى حالة من الفوضى، حتى وإن كانت نتائج الحرب ستخرج إلى حد كبير عن سيطرة تركيا.
وفي 22 أيار/مايو، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان لمناقشة قضايا متعددة من بينها مضيق هرمز والصراعات الإقليمية. وقد حرصت تركيا، بصفتها العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتاخم لحدود إيران، على تجنب التورط في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يوشك على دخول شهره الرابع.
وعلى الرغم من إطلاق إيران عدة صواريخ باتجاه الأراضي التركية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، تبنت أنقرة نهجاً محايداً، على غرار حلفاء آخرين في الحلف، مثل المملكة المتحدة التي استهدفت صواريخ إيرانية من قواعدها في قبرص. وبدلاً من الرد عسكرياً، انضمت تركيا إلى باكستان في السعي نحو إيجاد تسوية سياسية لإنهاء الحرب. وتتمحور الأسئلة الأعمق المتعلقة بالصراع حول دوافع السياسة التركية، بما في ذلك التداعيات على المديين القريب والبعيد على العلاقات مع واشنطن، وموقف أنقرة العام تجاه الشرق الأوسط.
تستند سياسات تركيا تجاه إيران أساساً إلى القرب الجغرافي وتوازن القوى التاريخي الراسخ بين البلدين. ويمكن إرجاع هذه التفاعلات الحالية إلى الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، باعتبارهما سلفي الدولتين التركية والإيرانية المعاصرتين، اللتين خاضتا حروباً غير حاسمة ومُنهكة بدأت في أواخر القرن الخامس عشر واستمرت 166 عاماً، وكادت أن تؤدي إلى إفلاس كلتا الإمبراطوريتين. وفي عام 1639، اتفقت الإمبراطوريتان على صيغة مبكرة لمبدأ "التدمير المتبادل المؤكد "، إذ وقعتا معاهدة سلام لترسيم حدودهما، كما التزمتا بميثاق غير مكتوب لعدم الاعتداء بهدف تفادي اندلاع حرب كبرى. ورغم اندلاع حروب لاحقة، استمر توازن القوى بينهما. وباستثناء تعديلات حدودية طفيفة خلال القرن العشرين، فإن الحدود التركية -الإيرانية الحالية تكاد تتطابق مع الحدود القائمة قبل أربعة قرون.
تركيا وعملية "الغضب الملحمي"
في القرن الحادي والعشرين، تجلّى توازن القوى بين تركيا وإيران بوضوح خلال الحرب الأهلية السورية؛ إذ دعمت أنقرة وطهران أطرافاً متصارعة، لكنهما تجنبتا، رغم ذلك، الانخراط في صراع مباشر. لذا، بدا لافتاً قيام إيران، في وقت سابق من هذا العام، بشن أربع هجمات صاروخية على محافظة أضنة التركية، التي تضم قنصلية أمريكية، إلى جانب قاعدة إنجرليك الجوية ومحطة جيهان النفطية، التي تزود إسرائيل بنحو 40 في المئة من احتياجاتها النفطية عبر خط أنابيب قادم من أذربيجان.
وربما سعت طهران من خلال هذه الهجمات إلى دفع تركيا وحلف الناتو نحو الرد بدافع حماية مصالحهما، بهدف الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. ومن جانبها، فضلت أنقرة إطلاق تحذيرات عامة شديدة اللهجة بدلاً من التصعيد العسكري، أبرزها تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أكد فيه أن تركيا ستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية أراضيها "بحزم ومن دون تردد". وقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد أن إيران امتنعت عن شن هجمات صاروخية إضافية ضد تركيا منذ 30 آذار/مارس.
النتائج الحربية التي ترغب أنقرة في تحقيقها
استثناء بعض واردات الغاز الطبيعي المُسال من قطر، لم تتأثر تركيا بشكل كبير بإغلاق مضيق هرمز، ومن غير المرجح أن تنضم إلى أي مهمة متعددة الجنسيات لإعادة فتح الممر المائي، على الأقل قبل التوصل إلى وقف أكثر استدامة لإطلاق النار. ومع ذلك، وحتى في حال عدم مشاركة تركيا في العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، فإنها لا تزال تسعى إلى تحقيق توازن بين هدفين رئيسيين فيما يتعلق بجارتها:
منع الانتشار النووي: لا ترغب تركيا في وجود إيران نووية على حدودها، لأن من شأن هذا التطور أن يُنهي أربعة قرون من توازن القوى بين الجانبين. وإذا ما امتلكت إيران هذا النوع من الردع، فقد تتراجع مراعاتها للمصالح الأمنية التي تحرص عليها أنقرة وتحالفاتها في الشرق الأوسط، بما في ذلك تلك المرتبطة بالحكومة السورية التي يقودها أعضاء سابقون في "هيئة تحرير الشام"، وحكومة إقليم شمال العراق بقيادة "الحزب الديمقراطي الكردستاني". وعوضاً عن ذلك، يُرجح أن تتخذ إيران النووية موقفاً أكثر تشدداً تجاه مصالح تركيا، مما يُقوّض النفوذ الإقليمي لأنقرة. ومن هذا المنطلق، يتمثل أحد الأهداف الجوهرية لتركيا في دعم المحادثات الرامية إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
رفض الفوضى: على الرغم من رغبة تركيا في كبح جماح الطموحات النووية الإيرانية، فإنها لا تريد أن يتحقق ذلك من خلال انهيار النظام أو تفكك الدولة، وهو السيناريو الذي تعتقد القيادة التركية أنه قد ينجم عن مثل هذا المسار. ويخشى صانعو القرار في تركيا بشدة من اندلاع الفوضى في دولة مجاورة بـالشرق الأوسط، في ظل ما تختزنه الذاكرة التركية عن التكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة للحروب الأهلية في العراق وسوريا.
وقد تتمثل التداعيات الأولى للفوضى في إيران في تدفق موجات جديدة من اللاجئين باتجاه الأراضي التركية، بما يعيد إلى الأذهان مشهد أزمة الملايين من اللاجئين السوريين الذين تدفقوا بعد عام 2011، والذين شكلوا عبئاً أثّر سلباً على شعبية الرئيس رجب طيب أردوغان داخلياً. وفي حين تصاعدت نبرة الحركات المناهضة للاجئين والمهاجرين داخل تركيا، أسهمت العودة الأخيرة لبعض اللاجئين إلى سوريا في تخفيف الضغوط عن موقف أردوغان إزاء هذه القضية.
ويواجه أردوغان تحدياً سياسياً يتعلق بإعادة انتخابه؛ إذ من المقرر حالياً إجراء الانتخابات في عام 2028، غير أن الرئيس، الذي تشارف ولايته على الانتهاء، قد يسعى إلى الدعوة لانتخابات مبكرة للاستفادة من ثغرة دستورية تتيح له الترشح لولاية جديدة. وفي هذا السياق، يدرك أردوغان جيداً المخاطر السياسية الفادحة التي قد يفرضها أي تدفق جديد للاجئين.
كما يخشى الرئيس رجب طيب أردوغان أن تؤدي الفوضى في إيران إلى تقويض إضافي للتعافي الاقتصادي الهش في تركيا، في أعقاب أزمة عام 2018 وما تبعها من اضطرابات، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على حظوظه الانتخابية. وقد تكبدت البلاد بالفعل خسائر في عائدات السياحة والاستثمار بسبب قربها من منطقة الصراع. وفي محاولة للحد من التداعيات الاقتصادية، لجأت وزارة الخزانة والمالية التركية إلى بيع كميات قياسية من العملات الأجنبية.
علاوة على ذلك، تعتمد تركيا على استيراد معظم احتياجاتها النفطية؛ إذ تُكبّد كل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر البرميل الاقتصاد التركي أعباء إضافية تُقدَّر بنحو 500 مليون دولار. وإذا انزلقت إيران إلى الفوضى، فإن التداعيات على تركيا قد تكون جسيمة لدرجة تجعل حتى الرئيس أردوغان، رغم ما يتمتع به من مزايا السلطة، يواجه صعوبة بالغة في الفوز بالانتخابات المقبلة.
مخاوف أنقرة الأمنية
أثارت الحرب مخاوف أمنية متزايدة لدى تركيا تجاه طرفين آخرين:
"حزب العمال الكردستاني " (PKK) تُجري أنقرة حالياً محادثات تهدف إلى إنهاء صراع امتد لعقود مع "حزب العمال الكردستاني " ، الذي تصنفه كل من تركيا والولايات المتحدة منظمةً إرهابية. وتهدف هذه المحادثات، التي أُطلق عليها اسم عملية "تركيا خالية من الإرهاب"، إلى تجريد "حزب العمال الكردستاني" وفروعه في الشرق الأوسط من السلاح، مقابل إصدار عفو عن مقاتلي الحزب وتعزيز الحضور السياسي لـ"حزب المساواة وديمقراطية الشعوب " (DEM) الموالي للأكراد. ويتمتع هذا الحزب بتأييد يتراوح بين 7 و10 في المئة من الناخبين الأتراك، ومن شأن هذه الكتلة التصويتية أن تُـسهم في دعم الرئيس أردوغان، الذي يحظى تحالفه الحاكم بتأييد يبلغ نحو 40 في المئة في استطلاعات الرأي، مما يعزز فرصه في الانتخابات المقبلة.
كما شكّلت التقارير التي برزت في مطلع الحرب، والتي أشارت إلى سعي إسرائيل نحو تسليح الفرع الإيراني لـ"حزب العمال الكردستاني"، المتمثل في "حزب الحياة الحرة في كردستان" (PJAK)، تهديداً مباشراً للاستراتيجية الداخلية لأنقرة. فمن شأن تسليح هذا التنظيم أن يفتح المجال أمام العناصر المتشددة داخل "حزب العمال الكردستاني"، التي تسعى إلى مواصلة الصراع المسلح ضد تركيا، للانتقال إلى الفرع المتمركز في إيران، مما سـيمنح "حزب العمال الكردستاني" زخماً جديداً ويقوض خطط أنقرة الرامية إلى نزع سلاحه. في الوقت الراهن، يبدو أن ترامب قد تراجع عن الخطط المُعلنة لدعم التمرد الكردي، ويُعزى ذلك بوضوح إلى اعتراضات أنقرة وتدخل الرئيس رجب طيب أردوغان شخصياً. ومع ذلك، في حال تجدد الصراع المباشر وأعادت واشنطن النظر في تسليح "حزب الحياة الحرة في كردستان"، فمن المرجح بدرجة كبيرة أن تتخلى أنقرة عن حيادها لتنحاز إلى الجانب الإيراني في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران.
إسرائيل. أسهمت التقارير التي تحدثت عن احتمال تواصل إسرائيل مع "حزب الحياة الحرة في كردستان "في تأجيج التوتر في العلاقات المتدهورة أصلاً بين أنقرة وتل أبيب. وقد يمتد التنافس الاستراتيجي بين البلدين إلى إيران، بعد أن تجلّى سابقاً في غزة، حيث تدعم تركيا "حركة حماس"، وفي سوريا، حيث تدعم إسرائيل فصائل درزية وغيرها من الجماعات. وبناءً على ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة مراقبة علاقات إسرائيل مع الجماعات الكردية الإيرانية لمنع حدوث مزيد من التدهور في العلاقات بين حليفَيها الإقليميين.
"الركيزة الثالثة" في الشرق الأوسط
يمكن توصيف سياسة تركيا تجاه الحرب مع إيران بأنها تتجاوز ثنائية الاستقطاب، إذ تنطلق من درجة متساوية من القلق تجاه كل من الجمهورية الإسلامية وإسرائيل. وعلى وجه التحديد، تبنّت أنقرة مقاربة استراتيجية جديدة رداً على الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت تركيا وحلفاءها في الخليج العربي، وتحديداً قطر والمملكة العربية السعودية، إلى جانب تصاعد المنافسة مع إسرائيل في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
يستند هذا النموذج الاستراتيجي الجديد إلى تعميق التعاون الأمني مع ثلاث دول تتشارك توجهاتها مع تركيا، وهي المملكة العربية السعودية ومصر وباكستان. وعلى الرغم من أن هذا التكتل الرباعي لا يُرجح أن يَحلّ محل التزام تركيا الراسخ تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإنه يعكس تبلور قطب ثالث في معادلات الشرق الأوسط، وكذلك في ديناميات جنوب آسيا، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط بين إسرائيل والهند من جهة، وبين تركيا وباكستان من جهة أخرى. ويتخذ هذا القطب مواقف متباينة الحدة تجاه كل من إيران وإسرائيل.
خاتمة
نظراً لرغبة تركيا في منع إيران من الحصول على السلاح النووي أو الانزلاق إلى الفوضى، يبدو أن أنقرة تتمتع بموقع مناسب للعب دور الوسيط في إنهاء الحرب. وتأخذ هذه الصيغة في الاعتبار أيضاً التوافق القوي بين أردوغان والرئيس ترامب. لكن تاريخ التنافس الثنائي بين البلدين سيجعل طهران غير راغبة في السماح لأنقرة بحصد فضل إنهاء الحرب. ولهذا السبب سارت تركيا على نهج باكستان، التي لم تُكلَّل جهودها بالنجاح حتى الآن في التوصل إلى تسوية سياسية. ولهذا أيضاً، فإن السيناريو الحالي لا يشبه تجربة الحرب السورية، عندما تصدَّرت تركيا المشهدَ في الملفات المرتبطة بالسياسة الأمريكية.