- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4269
ملخص تمهيدي: تقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
يستعرض مسؤولان أمريكيان سابقان رفيعا المستوى ما حققه وقف إطلاق النار - وما لم يحققه - خلال عامه الأول، مع التركيز على النفوذ الذي أتاحه اتفاق "خريطة الطريق" المبرم مع حركة "حماس" في 30 تموز/يوليو، ولم يُستغل على النحو الكافي.
يأتي هذا المقال مقدمةً لسلسلة خاصة يطلقها "معهد واشنطن"، تتناول المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وتوفر توصيات لصانعي السياسات بشأن الخطوات المقبلة. وستُنشر المساهمات الجديدة على الصفحة الرئيسية للسلسلة فور صدورها خلال هذا الأسبوع.
في 29 أيلول/سبتمبر 2025، كشف الرئيس ترامب عن خطته المؤلفة من عشرين نقطة لإنهاء حرب غزة. وبعد عشرة أيام، أعلن أن إسرائيل و"حماس" قد "وافقتا على المرحلة الأولى من الخطة". وبعد مرور عام، لا تزال الخطة تنطوي على وعود كبيرة، لكنها لا تزال بعيدة عن التنفيذ الكامل. وإذا نُفذت بالكامل، فقد تغير واقع قطاع غزة وتعيد الأمل في مستقبل مختلف للعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية. لكن في الوقت الحالي، تظل النقاط العشرون و"خريطة الطريق التنفيذيةلخطة السلام" ، التي تم التفاوض عليها مؤخراً، مجرد حبرأ على الورق إلى حد كبير. وإذا أراد الرئيس ترامب أن تنجح خطته، فسيتعين عليه استثمار قدر أكبر من رصيده السياسي والدبلوماسي.
إنجازات مبكرة، ثم مأزق
لا يمكن الحكم على خطة وقف إطلاق النار بمجرد قياس الفجوة بين ما وعدت به وما تحقق على أرض الواقع. فبعد وقت قصير من توقيعها ، عاد عشرون رهينة إسرائيلياً أحياء إلى ديارهم، كما أعيدت جثث ثمانية وعشرين رهينة آخرين. وأفرجت إسرائيل عن 250 سجيناً فلسطينياً محكوماً عليهم بالسجن المؤبد، و1,700 آخرين من سكان غزة اعتُقلوا بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. وزادت المساعدات الإنسانية إلى 4,200 شاحنة أسبوعياً. وانسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى "الخط الأصفر" الجديد، الذي يفصل بين المناطق الساحلية المكتظة بالسكان التي لا تزال تحت سيطرة "حماس"، وبقية قطاع غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، أُنشئ "مجلس السلام" (BoP) بقيادة الولايات المتحدة باعتباره الآلية الرئيسية للإشراف على تنفيذ بقية الخطة وتسريعها، بما في ذلك حشد التمويل لإعادة الإعمار، وتعبئة الدول للمساهمة في "قوة الاستقرار الدولية (ISF) " المقترحة، وضمان استقطاب أفراد الشرطة الفلسطينية وإخضاعهم للتدقيق الأمني والتدريب، ومساعدة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) " ذات الطابع التكنوقراطي على الانتقال إلى غزة وبدء تولي مهام الحكم. وكان الهدف من "مجلس السلام" أيضاً معالجة العقبات السياسية المختلفة التي قد تؤخر هذه المهام، وضمان تحقيق المعادلة الأساسية للخطة بما في ذلك نزع سلاح "حماس" مقابل إعادة إعمار غزة والانسحاب الإسرائيلي. وكان التسلسل واضحاً، إذ سيعمل المجلس على إقناع "حماس" بالوفاء بالتزاماتها وتسليم أسلحتها، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تفعيل المراحل الأخرى من الاتفاق.
وقد تحقق بعض هذه العناصر من الناحية الشكلية، لكن جوهرها لم يتحقق بعد. فقد بدأ التكنوقراط الفلسطينيون الخمسة عشر الذين يشكلون "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" في وضع خطط لإدارة غزة خلال الفترة الانتقالية. كما أقر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 "مجلس السلام"، وسلطته في الإشراف على "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، والخطة المكونة من عشرين نقطة، مما أضفى شرعية دولية على هذه الآليات. ثم قام “مجلس السلام " بتعيين نيكولاي ملادينوف - وهو دبلوماسي متمرس يعرف المنطقة وأطرافها الفاعلة ومشاكلها معرفة وثيقة - ممثلاً سامياً للعمل مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
وبمجرد وصول اللجنة التكنوقراطية إلى غزة، ستكون مهمتها الأولى استعادة الخدمات الأساسية والبدء في توفير مساكن مؤقتة تمهيداً لإعادة الإعمار الشاملة. ومع ذلك، لا يزال العديد من سكان غزة يعيشون في خيام موبوءة بالقوارض، وسط مياه الصرف الصحي والدمار. وما دامت عملية إعادة الإعمار الضرورية هذه بلا أفق زمني محدد، ولا توجد مؤشرات على تحسن كبير أو مواعيد واضحة لوصول "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" وبدء عملها، فلن تتمكن اللجنة من ترسيخ شرعيتها أو تقويض سيطرة "حماس". وفي 23 أيلول/سبتمبر، كشف "مجلس السلام" عن خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لدعم هذه العملية، وحدد لها جدولاً زمنياً يمتد ستة أشهر، يركز على توفير المأوى والمياه والمستشفيات والمدارس والكهرباء والطرق وفرص العمل. ومع ذلك، أقر المجلس أيضاً بحاجته إلى تمويل إضافي لتنفيذ هذه الخطة.
وتتضح الفجوة بين الطموح والواقع بشكل أكبر عند النظر إلى التحدي الأمني. ففي حين وافقت ألبانيا وكوسوفو والمغرب، وربما دول أخرى، على المساهمة في "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، لا تزال هذه القوة بعيدة عن الانتشار الفعلي في غزة. وبالمثل، يهدف المسؤولون إلى تشكيل قوة شرطة فلسطينية قوامها 16,000 فرد، يتم تدريبهم في مصر، لكن التنفيذ لا يزال متأخراً. وتدفع القاهرة بأنها لا تستطيع المضي في تدريب المزيد من الأفراد ما لم تضمن إسرائيل السماح لأفراد الشرطة الجدد بالعودة إلى غزة. وفي الوقت نفسه، لا يزال أعضاء "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" عالقين في مصر أيضاً - غير قادرين على دخول القطاع الذي يفترض أن يتولوا إدارته إلى أن يتم تدريب عدد كاف من أفراد الشرطة وتبدأ عملية نزع سلاح "حماس".
ونتيجة لذلك، لا تزال "حماس" الطرف الوحيد الذي يمارس مهام الحكم في غزة بعد مرور عام على وقف إطلاق النار. ولا يزال أعضاؤها مسلحين، وتسيطر الحركة على نحو 40 في المائة من قطاع غزة، فيما لا يزال معظم سكان القطاع يقيمون في المنطقة الخاضعة لسيطرتها بعد عمليات النزوح التي حدثت أثناء الحرب. ولا تستطيع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" أن تتولى الحكم بدلاً من "حماس" ما لم تتوافر لها الحماية الكافية؛ وهذا يتطلب قوة شرطة فلسطينية موثوقة تدعمها "قوة الاستقرار الدولية".
ويفسر هذا الترابط بين الخطوات المتتابعة بدقة حالة الشلل الحالية. فلا يمكن لـ"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" أن تحل محل "حماس" حتى يتوافر الأمن؛ ولا يمكن تحقيق الأمن حتى يتم نزع سلاح "حماس"؛ ولن يتم نزع السلاح حتى توضع آليات للتحقق من الامتثال وتحديد العواقب المترتبة على أي خرق؛ ولن يتم تمويل إعادة الإعمار حتى يتم التأكد من أن هذه الخطوات الأخرى قد بدأت بالفعل. والدرس المستفاد للمسؤولين الأمريكيين وحلفائهم واضح - لا يمكن تنفيذ عناصر خطة ترامب بشكل مستقل؛ بل يجب أن تمضي جميع مكوناتها ضمن عملية منسقة بعناية ومدعومة بنفوذ أمريكي متواصل.
خريطة الطريق الصادرة في تموز/يوليو: اختراق أم اتفاق على الورق؟
في 30 تموز/يوليو، بعد أشهر من المحادثات، أعلن "مجلس السلام" التوصل لاتفاق مع "حماس" بشأن "خريطة طريق" لتنفيذ خطة ترامب. وقد تفاوض على الخريطة ممثلون من أعضاء المجلس من الولايات المتحدة وتركيا ومصر وقطر، وهي تستند إلى المبدأ الأساسي القائل بأن إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يحدثا إلا بعد نزع سلاح "حماس. فمن الناحية العملية، لن تستثمر أي دولة مليارات الدولارات في إعادة إعمار غزة إذا ظل القطاع منطقة عسكرية معرضة بشدة للانفجار مجدداً.
وتتناول "خريطة الطريق" التحدي الشائك المتمثل في نزع السلاح من خلال تقسيم الجزء الخاضع لسيطرة "حماس" من قطاع غزة إلى خمس مناطق، على أن يبدأ التنفيذ في الشمال والجنوب ويتقدم نحو الوسط، وفق جدول زمني محدد لكل منطقة. ومن المقرر تسليم الأسلحة إلى الشرطة الفلسطينية المدعومة من "قوة الاستقرار الدولية"، في عملية تخضع لآلية تحقق لضمان الامتثال. وبعد ذلك، من المقرر أن تدخل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" وقوات إضافية من الشرطة الفلسطينية إلى المنطقة التي نُزعت منها الأسلحة، على أن تنسحب إسرائيل منها. وبعد نزع السلاح في المناطق الخمس جميعها، يُتوقع أن ينسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى شريط ضيق على أطراف قطاع غزة، مع تمركز "قوة الاستقرار الدولية" بين الأراضي التي تديرها "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ويهدف هذا النهج إلى جعل الامتثال قابلاً للقياس بدلاً من أن يظل مجرد تعهدات، بما يمكّن "مجلس السلام" من التحقق من وفاء "حماس" بالتزامها بتسليم أسلحتها منطقة تلو الأخرى - وهو شرط مسبق لانسحاب إسرائيل تدريجياً من كل منطقة. ولم يُحدد بعد النطاق الدقيق لكل مرحلة من مراحل إعادة الانتشار الإسرائيلية، إلا أن عمليات الانسحاب الأولية ستبدأ من المناطق الواقعة مباشرة خارج المراكز الحضرية الرئيسية في غزة، ثم تتقدم تدريجياً نحو المناطق الأقرب إلى الحدود مع إسرائيل. وبدلاً من المراهنة على نهج يقوم على مبدأ "الكل أو لا شيء"، يمكن للأطراف البناء على النجاح في المنطقة الأولى لتعزيز الثقة والزخم. كما ستكون أي انتهاكات واضحة وقابلة للرصد، مما يمنح واشنطن و"مجلس السلام" أساساً لتحديد المسؤولية بدلاً من الاكتفاء بمراقبة الأطراف وهي تتبادل الاتهامات. وتحقيقاً لهذه الغاية، يخطط المجلس لإنشاء لجنة تحقق دولية تتألف حصرياً من أعضاء "مجلس السلام"، وتتولى مراقبة عملية نزع السلاح والتحقق من الامتثال لها.
ويعد نزع السلاح ضرورياً ليس فقط لتمكين إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، بل أيضاً لمنع "حماس" من مواصلة ترهيب سكان غزة. كما يمثل الخطوة الأولى في عملية أوسع لنزع السلاح في القطاع، تشمل تدمير ما تبقى من شبكة الأنفاق ومستودعات الأسلحة ومنشآت إنتاج الأسلحة التابعة لـ"حماس".
وعلى الورق، وافق قادة "حماس" على مبدأ نزع السلاح بقبولهم "خريطة الطريق". وعزا بعض مسؤولي "مجلس السلام" هذا القرار إلى نجاح المفاوضين في تشكيل جبهة موحدة في مواجهة "حماس"، مما حال دون استغلال الحركة لأي خلافات بينهم.
وبينما تدرس الأطراف أفضل السبل لتنفيذ الخطة على أرض الواقع، ينبغي للمجلس أن يضمن بقاء جميع الأسلحة التي تُسلَّم بعيدةً عن متناول "حماس"، بحيث يتعذر عليها استعادتها. وإدراكاً للشكوك العميقة لدى إسرائيل بشأن نوايا "حماس"، أشار مسؤولو "مجلس السلام" إلى أن عملية نزع السلاح ستتضمن خطوات لجعل الأسلحة غير صالحة للاستخدام فور تسليمها.
كما أن التحديد الدقيق لفئات الأسلحة المشمولة بعملية نزع السلاح أمر بالغ الأهمية. وخلال المفاوضات، بدت "حماس" مستعدة لتسليم الأسلحة العسكرية الثقيلة، مثل الصواريخ وقذائف الهاون والرشاشات التي تحتاج الى طواقم تشغيل. ومع ذلك، أوضح المجلس أن عملية نزع السلاح الواردة في "خريطة الطريق" ستشمل أيضاً البنادق، مستنداً إلى قانون "السلطة الفلسطينية" الذي يحظر على الأفراد حيازة هذه الأسلحة. فالسماح لـ"حماس" بالاحتفاظ بالبنادق سيبقي أداة قوية في حوزتها لترهيب السكان وقمع منافسيها والسيطرة على توزيع المساعدات وعرقلة جهود "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" لبسط سلطتها. ومن ثم، فإن "مجلس السلام" محق في إصراره على ألا تقتصر عملية نزع السلاح على الأسلحة الثقيلة القادرة على استهداف إسرائيل.
لماذا لم تبدأ العملية بعد؟
لا تزال هناك تساؤلات جدية بشأن قابلية خطة نزع السلاح للتنفيذ. فالعديد من أسلحة "حماس" المتبقية مخبأة في الأنفاق؛ فهل ستقدم الحركة إلى المجلس خريطة كاملة لشبكة الأنفاق؟ وهل ستسلم بالفعل الجزء الأكبر من ترسانتها عندما يحين الوقت؟ وقد أبلغ المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر "حماس" بأن أي خرق للاتفاق سيوقف العملية ويؤدي إلى رد عسكري إسرائيلي. وهناك تعقيد آخر يتمثل في مطالبة "حماس" بأن تقوم السلطات أيضاً بمصادرة الأسلحة التي وزعتها إسرائيل على العشائر الفلسطينية المنافسة.
بالإضافة الى ذلك، لا تزال معضلة التسلسل المشار إليها آنفاً قائمة؛ فلا يمكن أن تبدأ عملية نزع السلاح دون وجود قوة شرطة فلسطينية مدعومة من "قوة الاستقرار الدولية". وقد وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على قيام مصر بتدريب دفعة أولى تضم 5,000 شرطي فلسطيني، وقد أكمل بعضهم التدريب بالفعل. ومع ذلك، لم تسمح حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لهؤلاء الخريجين الذين خضعوا للفحص الأمني بالعودة إلى غزة، كما لم تسمح لمرشحين جدد بالتوجه إلى مصر لتلقي التدريب.
وعندما أعلن الرئيس ترامب عن اتفاق 30 تموز/يوليو، قال إن إسرائيل راضية عنه، لكن سرعان ما تبين خلاف ذلك. فقد رفض نتنياهو "خريطة الطريق" علناً في 9 آب/أغسطس؛ إذ عارضتها قاعدته السياسية، ومع اقتراب الانتخابات، لم يكن مستعداً للظهور بمظهر المتساهل مع "حماس"، في ظل انعدام الثقة على نطاق واسع في استعداد الحركة الفعلي لنزع سلاحها. وبناءً على ذلك، أبلغ نتنياهو "مجلس السلام" بأنه لا يستطيع تيسير عملية تدريب الشرطة في الوقت الراهن، على ما يبدو خشية استغلال منافسيه من اليمين المتطرف هذه الخطوة ضده. ويبدو أن مسؤولي المجلس ينتظرون الآن إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر قبل البدء في تنفيذ الخطة.
ومع ذلك، أتاحت التأخيرات السابقة لإسرائيل ذرائع لعدم الوفاء بالتزاماتها. فعلى سبيل المثال، منذ الانسحاب الأولي لـ"جيش الدفاع الإسرائيلي" من أجزاء معينة من غزة، وسعت القوات الإسرائيلية نطاق سيطرتها من نحو نصف مساحة القطاع إلى أكثر من 60 في المئة. وإضافة إلى ذلك، كان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح معبر رفح، لكنها لم تفعل، كما منعت دخول بعض المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وفتح الطرق. كذلك، دفعت الاعتبارات الانتخابية إسرائيل إلى عرقلة مشاريع نصت عليها خطة ترامب، مثل زيادة المساعدات وأعمال البناء في المناطق الخارجة عن سيطرة "حماس" - ومن بينها مشروع إسكان ممول من الإمارات لإيواء 50,000 فلسطيني نازح بالقرب من رفح و"الخط الأصفر". علاوة على ذلك، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية بعد توقفها في أوائل آب/أغسطس، رغم أن "خريطة الطريق" الصادرة في 30 تموز/يوليو نصت على وقف جميع هذه العمليات.
وقد دفع ذلك ملادينوف إلى التعبير عن إحباطه خلال اجتماع "مجلس الأمن الدولي" في 26 آب/أغسطس، قائلاً: "بعد ثلاث سنوات من الحرب وعشرين عاماً من العمليات العسكرية، أسأل: هل ستمنع ضربة أخرى لمستودع ذخيرة تابع لـ"حماس" الحركة من إعادة التسلح أو إحكام قبضتها على غزة؟ لن تفعل. بل ستؤخر فحسب عملية نزع السلاح التي كان من الممكن أن تبدأ، وتعرقل الانتقال المدني اللازم لضمان عدم إعادة التسلح مستقبلاً." ومن وجهة نظره، تغفل إسرائيل الصورة الأكبر. فهو لم يكن يدعو الإسرائيليين إلى الثقة بـ"حماس"، بل كان يرى أن "خريطة الطريق" تتيح اختبار التزام الحركة، وربما نزع سلاح غزة، في حين لا تستطيع غارات "جيش الدفاع الإسرائيلي" تحقيق أي من هذين الهدفين.
وبالفعل، تكمن القيمة الأساسية لـ"خريطة الطريق" في استبدال الثقة بالتحقق، وربط الخطوات الإسرائيلية بأداء قابل للقياس من جانب "حماس". فمن خلال السماح بتدريب المزيد من أفراد الشرطة الفلسطينية ونشرهم في المنطقة الأولى المحددة في الخطة، تستطيع إسرائيل ضمان تلبية متطلباتها الأمنية، وفي الوقت نفسه إجبار "حماس" على الاختيار بين نزع سلاحها بصورة يمكن التحقق منها أو كشف نفسها بوصفها الطرف الذي يعرقل إعادة الإعمار. وستحتاج الشرطة إلى قدر من الدعم على الأقل من "قوة الاستقرار الدولية" في هذا الجهد، سواء لتعزيز قدراتها أو لردع "حماس"، رغم أن وحدات "قوة الاستقرار الدولية" لن تقاتل "حماس". وعندئذ، ستنسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى نطاق محدد داخل قطاع غزة مباشرة. ومع ذلك، فإن رفض نتنياهو حتى البدء بهذه العملية يهدر مكسباً دبلوماسياً محتملاً، ويبقي عبء تعطيل التقدم على عاتق إسرائيل، في حين ينبغي أن يقع على "حماس".