- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4268
ديناميات العلاقات بين واشنطن وطهران وراء حالة الجمود
قد يتعرض المفاوضون الأمريكيون لضغوط من أجل التوصل إلى اتفاق، لكن ينبغي ألا يغفلوا عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه القادة في طهران، وأن يوظفوها لتعزيز موقفهم التفاوضي.
في 23 أيلول/سبتمبر، في اليوم التالي للمحادثات المطولة التي جرت بوساطة قطرية بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اتهمت وكالة أنباء "تسنيم" - التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني" عراقجي بالتفاوض دون تفويض، وطالبت باعتذار رسمي. كما شن المتشددون الإيرانيون هجوماً على عراقجي، إذ وصف إبراهيم رضائي، المتحدث باسم "لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية" في "مجلس الشورى"، هذا الاتصال بأنه "اجتماع غير قانوني" و"علامة ضعف".
لا يوجد صانع قرار واضح في إيران
لطالما كانت الصراعات الداخلية جزءاً من سياسة طهران، لكن غياب سلطة عليا تفصل بين الأطراف المتنافسة يشكل تطوراً جديداً. فمنذ وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، تفتقر البلاد إلى شخصية تملك الكلمة الفصل وتستطيع منح المفاوضين تفويضاً حاسماً. ولم يضطلع مجتبى خامنئي بهذا الدور منذ توليه القيادة. ولم تتناول رسائله العامة هذا الأسبوع سوى العام الدراسي الجديد وتقديم التعازي بوفاة أحد كبار آيات الله. وفي حين أصر الرئيس مسعود بيزشكيان على أن مجتبى خامنئي وافق على مقترح السلام الإيراني الممتد لسبعة أيام، إلا أن المرشد الأعلى لم يعلق رسمياً على العرض. وربما يتجنب نفي ذلك علناً، أو يفضل التزام الصمت لتجنب كشف حدود سلطته. وفي كلتا الحالتين، لا يمكن توقع أن يقدم مجتبى خامنئي دعماً حاسماً لأي اتفاق.
وفي حين يواصل العديد من القادة الإيرانيين استخدام خطاب حاد، أظهرت طهران أنها يمكن أن تتأثر بالتهديد بشن هجمات عليها. واللافت أن إيران لم تشن أي هجمات على إسرائيل منذ 8 حزيران/يونيو - وكانت تلك أول هجمات من نوعها منذ 5 نيسان/أبريل - على الرغم من العمليات الإسرائيلية المستمرة ضد "حزب الله" و"حماس". في آب/أغسطس، حذرت إيران واشنطن من أنها سترد بقوة إذا هاجمت إسرائيل مخابئ "حزب الله" على سلسلة تلال علي الطاهر في جنوب لبنان، لكنها لم تتخذ أي إجراء عندما داهمت إسرائيل تلك المخابئ، رغم وجود ضباط من "الحرس الثوري الإيراني" فيها.
تدهور الاقتصاد الإيراني
على الرغم من أن الحصار الأمريكي كان فعالاً للغاية في منع تصدير شحنات جديدة من النفط الإيراني بحراً، فإن تقليص عائدات إيران النفطية سيستغرق وقتاً. فمن جهة، حققت إيران عائدات من تصدير حوالي 60 مليون برميل
بقيمة تقارب 6 مليارات دولار خلال الشهر الذي أعقب رفع الحصار في حزيران/يونيو. ومن جهة أخرى، كانت قد خزنت عشرات الملايين من البراميل على سفن خارج مضيق هرمز أو على اليابسة في الصين، غير أن هذه الكمية تراجعت الآن إلى 15 مليون برميل، تنفد هذه المخزونات قريباً. وبالنظر إلى أن مدفوعات النفط المشحون لا تسدد عادة إلا بعد فترة قد تصل إلى شهرين من مغادرة السفينة محطة التصدير، فستستمر إيران حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر في تسجيل مدفوعات مبيعات النفط المخزن خارج المضيق - على الرغم من أن الوصول إلى تلك الأموال قد يكون صعباً. ولكن كما أشار وزير الخزانة سكوت بيسنت مؤخراً، فإن إيران تشعر بلا شك بالضغط.
وإلى جانب مواصلة الحصار، وهو أكثر الإجراءات الأمريكية فعالية حتى الآن، تستخدم الإدارة أدوات أخرى لزيادة الضغوط الاقتصادية على إيران. ومن الواضح أن التهديد الذي أصدرته "وزارة الخزانة" في 8 أيلول/سبتمبر بفرض عواقب وخيمة على الجهات التي تتعاون مع شركات الطيران التي تخدم إيران قد أحدث تأثيراً كبيراً. وقد حظرت بعض دول المنطقة - أذربيجان وجورجيا وعمان وتركمانستان والإمارات العربية المتحدة - الرحلات الجوية القادمة من إيران، على الرغم من أن الرحلات إلى الخارج لا تزال ممكنة إلى روسيا (عبر بحر قزوين) والصين (عبر أفغانستان)، كما لا يزال بإمكان بعض شركات الطيران تسيير رحلات إلى تركيا وإلى المواقع الدينية في العراق بموافقة الولايات المتحدة. وقد هدد القادة الإيرانيون بالانتقام/ حيث صرح محمد مخبر، مستشار المرشد الأعلى، في 25 أيلول/سبتمبر: "إذا لم تتمكن إيران من الطيران والحصول على خدمات المطارات، فلن تتمتع أي دولة في المنطقة بهذه الإمكانية أيضاً". وفي تعليق مماثل خلال مقابلة أجريت في 23 أيلول/سبتمبر، قال أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" (SNSC) النافذ، محسن رضائي: "لن تشهد مطاراتهم أي رحلات جوية". لكن إيران لم تتخذ أي خطوات حتى الآن. بل إن "المجلس الأعلى للأمن القومي" نفى التقارير التي أفادت بأن هجمات عسكرية على المطارات المجاورة كانت قيد الدراسة.
ومع ذلك، لم تتخذ إيران سوى خطوات متواضعة للغاية لمواجهة الحصار الأمريكي. فقد وصل حوالي 30 في المئة من واردات إيران البالغة 42 مليون طن لعام 2024 عن طريق البر، لكن الإجراءات البيروقراطية المرهقة حالت دون زيادة هذه الأرقام، إلى جانب المعوقات اللوجستية الناجمة عن الاعتماد على الشاحنات بدلاً من السفن إذ يمكن للسفينة الواحدة أن تنقل حمولة تعادل ما يصل إلى ثلاثة آلاف شاحنة. كما لا يتجاوز عدد الشاحنات التي تعبر يومياً المعبر الرئيسي بين إيران وباكستان 40 شاحنة، في حين تصطف نحو 700 شاحنة في انتظار العبور. وعند المعبر الرئيسي مع تركيا، يصل عدد الشاحنات المنتظرة إلى نحو 3,700 شاحنة، وقد يستمر انتظارها عشرين يوماً أو أكثر. وبالمثل، يمكن لإيران التخفيف بسهولة من نقص البنزين الناجم عن توقف الواردات. ويتطلب شراء البنزين في إيران استخدام بطاقات تصدر لأصحاب السيارات، مما يجعل تقنين الاستهلاك أمراً سهلاً من الناحية الفنية، ولا يستلزم حتى رفع الأسعار. لكن الحكومة تخشى اندلاع احتجاجات مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد عام 2019. وتشمل الإجراءات الطفيفة التي اتخذها النظام مضاعفة سعر الجالون الواحد إلى 17 سنتاً أمريكياً بعد استنفاد الحصة الشهرية المخصصة البالغة 29 جالوناً، والتي تباع بسعر شبه مجاني، والوعد بتحسين إمدادات الغاز الطبيعي المضغوط، الذي يمكن للعديد من السيارات الإيرانية استخدامه كوقود بديل، رغم عدم استقرار إمداداته.
توصيات للسياسة الأمريكية
يمكن لإدارة ترامب أن تستغل ما تتمتع به من أفضلية في مواجهة إيران من خلال اتباع عدة إرشادات:
الشتاء يضاعف الضغوط على طهران. ستتفاقم أزمة نقص الطاقة بشكل كبير إذا كان الشتاء قاسياً في إيران. ففي الشتاء الماضي، قطعت إيران إمدادات الغاز الطبيعي عن كثير من المستخدمين التجاريين، وفرضت انقطاعات طويلة للكهرباء، وهي انقطاعات تستمر ساعتين يومياً في طهران حتى في الفصول الأخرى. وبوسع واشنطن أن تتحلى بالصبر. إذ لا يبدو أن طهران تقتنع بالحجة القائلة، وهي حجة صحيحة، بأنها قد تحصل على صفقة أفضل من الرئيس ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
تحديد سبل زيادة الضغط. حققت القيود المفروضة على شركات الطيران الإيرانية نجاحاً غير متوقع، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التعاون غير المتوقع من جانب دول المنطقة. وكان مفتاح نجاح هذه الإجراءات هو الدبلوماسية الأمريكية النشطة التي سعت إلى إقناع الحكومات والشركات الإقليمية بأن واشنطن جادة في موقفها. ويتمثل التحدي الآن في التوصل إلى تدابير إضافية من هذا القبيل. إذ يتطلب كل خيار - مثل تشديد القيود على استخدام الدولار الأمريكي في المعاملات مع إيران (على سبيل المثال، عبر العراق) أو الضغط على الموانئ لمنع استقبال السفن التي تخدم إيران - إنفاذاً فعالاً، وسيكون تحقيق ذلك أسهل إذا أبدت الحكومات الأخرى استعداداً للتعاون. ويجب أن يصاحب كل إجراء وضع خطط لمواجهة أي انتقام إيراني محتمل، مثل شن هجمات على المطارات الإقليمية.
عدم التسليم بالرفض الإيراني. لقد غيرت إيران مراراً مواقف كانت قد وصفتها سابقاً بأنها خطوط حمراء لا يمكن التراجع عنها. فعلى سبيل المثال، أصر النظام على أنه لن يجري محادثات مع الولايات المتحدة ما دام يتعرض للهجوم. وفي مقابلته التلفزيونية يوم 23 أيلول/سبتمبر، أعلن رضائي أن "الدبلوماسية الإيرانية الجديدة لن تعود إلى الماضي"، وأنه إلى أن تنفذ واشنطن شروط إيران، "لن يفتح مضيق هرمز ولن تكون هناك أي مفاوضات". لكن في غضون أيام، أجرت إيران محادثات مع الولايات المتحدة عبر وسطاء خلال أعمال "الجمعية العامة للأمم المتحدة". ورغم إصراره في البداية على أن تلك المحادثات لم تكن "مفاوضات"، أشار عراقجي في 27 أيلول/سبتمبر إلى أن "إيران مستعدة للدبلوماسية".
الضغط من أجل إجراء محادثات مباشرة. سيكون أحد الاختبارات المهمة لنوايا طهران هو مدى استعدادها لقبول إجراء محادثات مباشرة مع واشنطن. فالمفاوضات غير المباشرة لها سجل سيئ. في الفترة 2021-2022، أدى رفض إيران الجلوس مع الولايات المتحدة إلى إطالة أمد المحادثات التي أدارتها أوروبا. وفي المقابل، لم يتحقق الاتفاق النووي لعام 2015 إلا بعد أن حلت المحادثات الثنائية محل صيغة "مجموعة 5+1" التي ضمت أوروبا وروسيا والصين. ومن ثم، ينبغي لواشنطن أن توضح لجميع الوسطاء أنها، رغم تقديرها لجهودهم، لا تتوقع إحراز تقدم حقيقي ما لم تجلس واشنطن وطهران معاً إلى طاولة واحدة.
الموافقة الإيرانية لا تعني الالتزام. نظراً إلى الصراعات السياسية الداخلية في إيران، من المتوقع أن تسعى بعض الأطراف هناك إلى تعزيز مكانتها السياسية الداخلية من خلال تخريب أي اتفاق. وكلما توصلت واشنطن إلى اتفاق، يجب أن تكون لديها خطة للتعامل مع أي عدم امتثال من جانب إيران. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تتضمن هذه الخطة فرض تكاليف على إيران تتجاوز حجم الضرر الذي ألحقه عدم امتثالها بالمصالح الأمريكية، بدلاً من الاكتفاء برد مماثل. ولا يلزم أن تقتصر هذه التكاليف على الخيارات العسكرية، بل يمكن أن تشمل أدوات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية، مع الحفاظ على خيارات عسكرية متناسبة مع طبيعة أي خرق وتصعيد محتمل.
تعزيز المصداقية مع الحفاظ على عنصر المفاجأة. لقد أسهمت مصداقية إسرائيل في ردع إيران عن مهاجمة البلاد، حتى في الوقت الذي واصلت فيه الجمهورية الإسلامية استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. أما إدارة ترامب، فقد تأرجحت بين التهديدات الشديدة والمواقف المهادنة - وقد لاحظت طهران ذلك، كما يتضح من تصريح عراقجي الذي قال فيه "نحن ننتظر أن تنقل الآراء النهائية عبر الوسطاء". ويكمن التحدي في تعزيز مصداقية الولايات المتحدة، مع إبقاء تحركاتها صعبة التوقع.
أما بالنسبة لإيران، فإن الجمع بين عدم القدرة على التنبؤ وانعدام المصداقية ينطبق عليها بدرجة كبيرة، ويتجلى ذلك في التهديدات المتكررة التي لم تنفذها، وفشلها في الالتزام بتعهداتها المعلنة، مثل فتح المضيق عقب مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو. وقد صرح السفير الأمريكي لدى "الأمم المتحدة" مايكل والتز بأن "الرئيس ببساطة غير واثق من أن الإيرانيين يتصرفون بحسن نية"، معتبراً أن موقف الرئيس يعكس "منطقاً سليماً".
من المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة سلسلة من المناورات المتبادلة، رغم أن كلا الطرفين قادر تماماً على إحداث مفاجأة قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية (ما يُعرف بـ"مفاجأة أكتوبر"). وقد يستفيد كلا الطرفين من إظهار إحراز تقدم، حتى لو كان الاتفاق محدوداً ومؤقتاً - وحتى لو أثار مثل هذا الاتفاق شكوكاً عميقة لدى الرأي العام الأمريكي والإيراني. كما يظل احتمال حدوث مفاجأة سلبية قائماً، سواء في صورة هجمات إلكترونية إيرانية أو تصعيد على جبهة أخرى. وبشكل عام، ينبغي للفريق الأمريكي أن يدرك أنه مهما كانت الضغوط التي يواجهها، فإن المسؤولين الإيرانيين يشعرون بدورهم بالقلق من أن الوقت لا يصب في مصلحتهم.