- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4293
على واشنطن أن تكسر حلقة التكرار في اليمن
أدى زحف الحوثيين السريع نحو ساحل البحر الأحمر في اليمن وهجماتهم الموجعة على المملكة العربية السعودية إلى فتح جبهة جديدة في حرب إقليمية آخذة في التوسع، لكن المسؤولين الأمريكيين لا يزالون يعتمدون على مقاربات عفا عليها الزمن حين يتعلق الأمر بكيفية الرد.
بعد أكثر من أربع سنوات من الهدوء النسبي، عادت الحرب بين السعودية والحوثيين، وبصورة أخطر. نشأ الصراع في الأصل عندما استولى الحوثيون في عام 2014 على العاصمة اليمنية وطردوا الحكومة المعترف بها دولياً. وبعد تدخل تحالف بقيادة السعودية في عام 2015 لإعادة الحكومة إلى السلطة ومنع الجماعة من إحكام سيطرتها، أعقبت ذلك سنوات من القتال العنيف. وقد خفضت الهدنة التي أبرمت في عام 2022 الهجمات عبر الحدود بشكل حاد، لكنها لم تحل الصراع ولم تفكك القدرات العسكرية للحوثيين. ثم تصاعدت التوترات في عام 2026، واستؤنف القتال بعد أن قصفت القوات السعودية مدرج مطار صنعاء في 13 تموز/يوليو لمنع عودة طائرة إيرانية تقل وفداً من الحوثيين. وردت الجماعة بحصار السفن السعودية في البحر الأحمر، وضرب البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة في المملكة (بما في ذلك مطار الرياض)، والتوغل عبر الحدود، والاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية على طول الساحل الغربي.
وفي المقابل، تعتمد واشنطن الاستراتيجية الدفاعية نفسها تقريباً التي استخدمتها قبل عقد من الزمن والتي تشمل تزويد السعوديين بأنظمة الدفاع الجوي، والمعلومات الاستخباراتية، والمساعدة اللوجستية، وتوفير المشورة العسكرية، والمساعدة في حماية البنية التحتية الحيوية. لكن التهديد تغير- فقد أصبح الحوثيون أكثر قدرة وطموحاً، وتتعرض الدفاعات والمخزونات السعودية لضغوط أكبر، كما بات الصراع مرتبطاً بحرب إقليمية أوسع نطاقاً مع إيران.
لا شك أن على الولايات المتحدة أن تواصل مساعدة الرياض في الدفاع عن أراضيها وشعبها. لكن عليها ألا تخلط بين حزمة المساعدات العسكرية المألوفة التي تقدمها وبين استراتيجية لحل الصراع في اليمن. فقد باتت مصالح الولايات المتحدة في هذا الصراع أضيق نطاقاً، إذ تقتصر على حماية الأفراد الأمريكيين وحركة الملاحة التجارية، ومنع الهجمات على المدنيين السعوديين والبنية التحتية الحيوية، والحيلولة دون استمرار اليمن جبهة رئيسية أخرى في الحرب مع إيران. وقد طلبت الرياض من واشنطن شن ضربات هجومية ضد أهداف الحوثيين، لكن إدارة ترامب رفضت ذلك حتى الآن. وهو ضبط للنفس له ما يبرره - لا لأنه ينبغي ترك السعودية تتلقى الهجمات وحدها، بل لأن مثل هذه المشاركة المباشرة من شأنها توسيع نطاق الالتزام العسكري الأمريكي دون معالجة الخلافات السياسية التي تغذي الصراع. كما أن جولة جديدة من الضربات الأمريكية لن تكفي للقضاء على ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة المتناثرة التي يمتلكها الحوثيون. لذا، ينبغي لواشنطن أن تفصل بين تقديم المساعدة الدفاعية القوية ودعم حملة هجومية مفتوحة الأجل، مستخدمة مزيجاً من الدبلوماسية والضغط الموجه لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
سياسة تدار بقوة الدفع الذاتي
كما ذكرنا أعلاه، شمل الدعم الأمريكي للسعوديين منذ عام 2015 برامج تدريبية واستشارية، ودفاعاً جوياً وصاروخياً، ومساعدة في مجال الاستخبارات وتحديد الأهداف، ومساعدة في الصيانة، وجهوداً للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين. وقد جرى ذلك بفضل صفقات بيع أنظمة الدفاع الصاروخي، وأجهزة الرادار، والطائرات، والذخائر، وخدمات الصيانة. ومع وجود عقود دفاعية سارية تزيد قيمتها على 129 مليار دولار، تظل المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر متلقي المعدات الدفاعية الأمريكية عبر برامج المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS) والمبيعات التجارية المباشرة (DCS). وإضافة إلى ذلك، نشر الجيش الأمريكي بعض بطاريات الدفاع الجوي الخاصة به، وطائرات وقوات بحرية وأفراداً في المملكة في الفترة من 2015 إلى 2021. ثم قلص لاحقاً أنواعاً معينة من الدعم العملياتي المباشر أو أنهاها، بما في ذلك التزويد بالوقود جواً لعمليات التحالف في عام 2018 وعمليات نشر أمريكية أخرى بعد عام 2021. ومع ذلك، لم تتوقف المساعدة العسكرية، حتى مع تركيز واشنطن بشكل أكبر على الدبلوماسية.
والجدير بالذكر أن المساهمات الأمريكية لم تكن دفاعية فحسب، بل زودت واشنطن التحالف أيضاً بمعلومات استخباراتية وصور أقمار صناعية ومعلومات استهدافية حول تحركات الحوثيين العسكرية ومواقع إطلاق الصواريخ التابعة لهم وعمليات نقل الأسلحة الإيرانية وشبكات إعادة الإمداد، وغير ذلك. وكان الهدف من هذا الدعم جزئياً مساعدة السعوديين على تقليل الخسائر في صفوف المدنيين - لا سيما في السنوات الأولى من الصراع، عندما كان التحالف يعتمد بشكل كبير على القوة الجوية، ولم يدفع إلا بعدد قليل من القوات البرية، وكثيراً ما كان ينفذ طلعاته على ارتفاعات جعلت ضرباته أقل فعالية وأكثر فتكاً بالمدنيين. لكن سياسة واشنطن ربطت الولايات المتحدة أيضاً بشكل أوثق بالحملة التي تقودها السعودية، ومن ثم بالانتقادات الدولية الموجهة إليها. ورغم أن المساعدة الأمريكية أسهمت في تحسين الأداء العسكري للتحالف، فإنها لم تفض إلى بلورة استراتيجية سياسية لإنهاء الحرب .
بعد تولي إدارة بايدن مقاليد الحكم وتحويل النهج الأمريكي نحو الدبلوماسية بشكل أكبر، بدأت هدنة هشة في نيسان/أبريل 2022. وانتهت هذه الهدنة رسمياً بعد ستة أشهر، لكن الأطراف تجنبت العودة إلى الهجمات عبر الحدود، ما أظهر أن من الممكن الحد من العنف من خلال الدبلوماسية، وضبط النفس المتبادل، والتنازلات المحدودة (مثل السماح باستيراد الوقود عبر ميناء الحديدة وتسيير الرحلات الجوية التجارية من مطار صنعاء). ومع ذلك، لم تحل الهدنة الصراع السياسي ولم تقض على القدرات العسكرية للحوثيين.
وحين اندلعت حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، سعى الحوثيون إلى إظهار تضامنهم مع حركة "حماس" المتحالفة مع إيران من خلال إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل وتصعيد هجماتهم على السفن في البحر الأحمر بشكل كبير. فردت إدارة بايدن بشن غارات جوية ضد الجماعة في كانون الثاني/يناير 2024. وبعد عام، نفذت إدارة ترامب عملية «رف رايدر» (Rough Rider) في اليمن في الفترة من آذار/مارس إلى أيار/مايو 2025، وأنهت الحملة مقابل اتفاق توسطت فيه عُمان لوقف هجمات الحوثيين على السفن الأمريكية - على الرغم من أن الجماعة واصلت ضرب أهداف أخرى في المنطقة. وبحلول أيلول/سبتمبر، دفعت الهجمات المستمرة إسرائيل إلى استهداف البنية التحتية للحوثيين، بما في ذلك ميناء الحديدة. وفي الوقت نفسه، تصدع التحالف الذي تقوده السعودية في كانون الأول/ديسمبر بعد أن شن "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات هجوماً على قوات الحكومة اليمنية، ما أحدث شرخاً بين الرياض وأبو ظبي وأدى إلى انسحاب القوات الإماراتية.
واليوم، يبدو أن المشهد نفسه يتكرر: تتجدد المواجهات، وتقدم الولايات المتحدة دعماً عسكرياً، ويتحمل الحوثيون الضربات ويتكيفون معها، فيما تظل جذور الصراع دون معالجة. وفي الأسابيع الأخيرة، سرعت واشنطن عمليات تسليم الأسلحة، ونشرت مستشارين للمساعدة في مجال الاستخبارات وتحديد الأهداف، واستأنفت دعم التزويد بالوقود، وأرسلت بطارية صواريخ باتريوت أخرى لحماية منشآت الطاقة في المملكة.
لكن هذا النهج لا يمكنه حل الصراع، وقد لا يكفي حتى لتهدئة الوضع في ظل الظروف الاستراتيجية المتغيرة المذكورة أعلاه، ومن أبرزها إنهاك التحالف السعودي وتفكك صفوفه واستنزاف مخزوناته من الأسلحة، وتزايد قوة الحوثيين وصلابتهم بفضل استمرار الإمدادات الإيرانية واستفادتهم من الخبرات الميدانية الإيرانية والروسية المكتسبة في صراعات أخرى، فضلاً عن اضطراب المشهد الإقليمي نتيجة تعثر الولايات المتحدة وشركائها في إدارة صراعات متعددة.
كيف يمكن لواشنطن أن تساعد في كسر هذه الحلقة
ينبغي للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية إدراك أن الصراع في اليمن لا يمكن حله بالقوة، وأن توسيع الحملة قد يثير رداً انتقامياً أشد من الحوثيين، ويستنزف الموارد الشحيحة، ويربط الملف اليمني بشكل أوثق بالأزمة الإيرانية. لذلك، ينبغي لواشنطن أن تحصر مساعداتها العسكرية في الدعم الدفاعي، وأن تعتمد على الدبلوماسية كأداة رئيسية للتعامل مع الصراع، مع إعطاء أولوية أقل لهزيمة الحوثيين، والتركيز بدلاً من ذلك على الأهداف المحددة المذكورة أعلاه، وفي مقدمتها حماية المدنيين السعوديين والأفراد الأمريكيين، وضمان بقاء الممرات المائية الرئيسية مفتوحة أمام الملاحة، وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات . وإذا طلبت المملكة العربية السعودية مزيداً من الدعم، فيجب أن يكون سياسياً لا عسكرياً.
يجب أن يكون الهدف الأكثر إلحاحاً هو تغيير حسابات الأطراف. يجب رفع الكلفة الدبلوماسية والمالية التي يتحملها الحوثيون جراء هجماتهم على المملكة العربية السعودية وحركة الملاحة التجارية، وزيادة صعوبة حصولهم على إمدادات الأسلحة من إيران . غير أن هذه الضغوط يجب أن تقترن بحوافز مناسبة، في إطار سياسة "العصا والجزرة"، على النحو الموضح أدناه . ومن جانبها، يجب أن تدرك الرياض أن الولايات المتحدة لن تدعم هجوماً مفتوحاً. ويجب إقناع الطرفين بأن ضبط النفس والمفاوضات أجدى من التصعيد المستمر. وعلى واشنطن أن تعطي الأولوية لهذه الجهود على النحو التالي - مع تنفيذ بعضها بالتوازي - وأن تنسق قدر الإمكان مع عُمان، والشركاء الإقليميين الآخرين، والأمم المتحدة، والحكومات الأوروبية الرئيسية:
- مساعدة المملكة العربية السعودية على حماية المواقع المدنية ومنشآت الطاقة المعرضة للخطر من خلال تسريع تسليم صواريخ الاعتراض، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وتكنولوجيا الإنذار المبكر. كما ينبغي لواشنطن مساعدة المملكة في إصلاح البنية التحتية المتضررة وتنسيق عمليات الانتشار الدفاعي مع الشركاء الأوروبيين والإقليميين، بما في ذلك تعاون محدود النطاق مع إسرائيل.
- بذل المزيد من الجهود لعرقلة عمليات نقل الأسلحة الإيرانية من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ عمليات اعتراض بحرية، وفرض عقوبات موجهة على الشبكات المالية للحوثيين، وعزل الجماعة دبلوماسياً.
- إبقاء الموانئ اليمنية مفتوحة أمام المساعدات الإنسانية، وجعل ذلك شرطاً محورياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه البلاد.
- الضغط على الرياض للتمييز بين العمليات الدفاعية الفورية والعاجلة وبين حملة هجومية مفتوحة تهدف إلى هزيمة الحوثيين.
- الضغط من أجل وقف يمكن التحقق منه لهجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، يقابله تقييد سعودي للعمليات الهجومية بما يتجاوز ما هو ضروري لتلبية الاحتياجات الدفاعية الفورية للمملكة وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى اليمن. ويمكن لعُمان والأمم المتحدة المساعدة في التوسط في اتفاق بشأن هذه الخطوات ومراقبة تنفيذه، كما فعلتا في عام 2022. ولتشجيع الحوثيين على ضبط النفس، يجب عرض تخفيف العقوبات عليهم في حال توقف الهجمات، إلى جانب إمكانية السماح بدخول البضائع التجارية عبر الموانئ والمشاركة في المحادثات السياسية.
- مع تراجع التصعيد، يجب التمهيد لعقد مفاوضات أوسع نطاقاً تتناول نقاط الخلاف الرئيسية بين الحوثيين والحكومة اليمنية والفصائل المحلية الأخرى، بما في ذلك الوصول طويل الأمد إلى الموانئ، والإيرادات، والرواتب، والأسرى، والأسلحة، والأراضي، والمؤسسات السياسية. والهدف هو إرساء ترتيب أمني خاضع للرقابة وعملية سياسية شاملة تضم جميع الفصائل الرئيسية في البلاد. والأهم أن تقدم جميع الأطراف ضمانات بأنها لن تستغل هذه المفاوضات لمجرد كسب الوقت استعداداً لهجمات مستقبلية.
- مساعدة المملكة العربية السعودية تدريجياً على إجراء تحسينات دائمة على دفاعاتها الجوية والصاروخية وتحصين بنيتها التحتية الحيوية، ما قد يجعل المملكة أكثر اكتفاءً ذاتياً في حال اندلاع أعمال عدائية مستقبلاً.
الخيار الذي يواجه واشنطن ليس بين التخلي عن المملكة العربية السعودية وشن حرب أخرى في اليمن - بل بين استخدام الدعم العسكري كغاية في حد ذاته، واستخدام مساعدة دفاعية محدودة لدعم استراتيجية سياسية مفصلة.