- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4262
تأسيس بعثة فعالة للتدريب والتجهيز في لبنان بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"
ينبغي للسلطات ألا تنظر إلى انتهاء مهمة "اليونيفيل" باعتبارها مقدمة لفراغ أمني، بل فرصة لإنشاء آلية انتقالية قابلة للتطبيق بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة شركاء عرب وأوروبيين ودوليين، بهدف مساعدة لبنان في نهاية المطاف على ممارسة سيادته الكاملة على أراضيه دون دعم من قوات أجنبية.
تستضيف فرنسا هذا الأسبوع اجتماعاً متعدد الأطراف لتقييم احتياجات "القوات المسلحة اللبنانية" (LAF) وتنسيق الدعم الدولي الرامي إلى تعزيز قدراتها. كما يوفر هذا الاجتماع فرصة جيدة للبدء في سد فجوة حاسمة في النهج الدولي. ففي العام الماضي، مددت السلطات ولاية "قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" (اليونيفيل) للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، وبعد ذلك ستبدأ عملية انسحاب منظمة. وعند الإعلان عن هذا القرار، حدد "مجلس الأمن" صراحةً الهدف الاستراتيجي لفترة ما بعد "اليونيفيل": جعل الحكومة اللبنانية "المزود الوحيد للأمن في جنوب لبنان". ومع ذلك، لم يتم تحديد الآلية اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
وفي الوقت نفسه، شهدت الأشهر الأخيرة نشوء فرصة دبلوماسية استثنائية بين إسرائيل ولبنان، إذ تحولت الجهود الرامية إلى معالجة الوضع الأمني العاجل إلى قناة مباشرة لإجراء محادثات أوسع نطاقاً. وقد جرت بالفعل سبع جولات من المناقشات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، ومن المتوقع عقد جولات أخرى. وبلغت العملية مرحلة مهمة أخرى في 26 حزيران/يونيو، عندما وقعت الحكومتان أهم اتفاق ثنائي بينهمامنذ عقود. إن وجود قناة اتصال مباشرة ومستدامة وإمكانية التقدم نحو اتفاق أوسع نطاقاً يخلقان فرصة لم تتح لإسرائيل ولبنان منذ أكثر من أربعين عاماً. ولا يقتصر هدف إطار عمل حزيران/يونيو على مجرد تحقيق الاستقرار في الوضع الحالي فحسب، بل يهدف أيضاً إلى إرساء الأساس لاتفاق شامل للسلام والأمن. وتربط شروطه بين إعادة الانتشار التدريجي للقوات الإسرائيلية ونشر قوات "الجيش اللبناني" في المناطق التي كانت محتلة سابقاً، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية (ولا سيما "حزب الله") وتفكيك مؤسساتها العسكرية والمدنية، واستعادة السيادة اللبنانية الكاملة.
ولم تتح هذه الفرصة بفضل العملية الدبلوماسية فحسب، بل أيضاً بفضل التغيير الجذري في البيئة الاستراتيجية للبنان. فقد تم أضعاف "حزب الله" بشكل ملحوظ، ويقود الحكومة الآن رئيس ونائب رئيس مستعدان لتحمل المخاطر السياسية من أجل استعادة السيادة الحقيقية، بطرق لم تكن ممكنة عندما كان "حزب الله" يمارس سيطرة خانقة على الدولة.
هذه الفرصة حقيقية، لكنها هشة - فنجاح المساعي الدبلوماسية سيعتمد على عوامل عديدة، مثل حرمان "حزب الله" من الوصول إلى أموال إعادة الإعمار وطرد الضباط العسكريين الإيرانيين الذين وجهوا عمليات الحزبخلال السنوات الثلاث الماضية من الحرب. ويعد تغيير الواقع الأمني في الجنوب خطوة أولى حاسمة في هذه العملية.
إعادة تصور النموذج الأمني
ينبغي النظر إلى انتهاء ولاية "قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" اليونيفيل) الوشيك في هذا السياق. فهذا لا يعني أن المجتمع الدولي ينسحب من لبنان - بل ينبغي النظر إليه كفرصة لاستبدال نموذج أمني غير ملائم للواقع الحالي بآلية دولية جديدة ومركزة ومؤقتة. والأمر الحاسم هو أن الغرض من هذه الآلية ليس مجرد مراقبة التطورات في الجنوب، بل المساعدة في تغييرها.
على مدى ما يقرب من خمسة عقود، سعت "اليونيفيل" إلى لعب دور في تحقيق الاستقرار هناك، لكن فعاليتها كانت محدودة. ورغم أنها أبقت قنوات الاتصال مفتوحة بين الجانبين وحافظت على وجود دولي، فإنها فشلت في منع "حزب الله" من بناء بنية تحتية عسكرية واسعة النطاق وتطوير قدرات عسكرية في جميع أنحاء الجنوب. لم تكن الحرب الأخيرة هي التي أوجدت أوجه القصور هذه؛ بل كشفت مدى عدم كفاية النموذج الحالي على مدى سنوات عديدة. وبدلاً من محاولة الحفاظ على قوة "اليونيفيل" أو تكرارها، تتمثل المهمة الآن في إنشاء آلية دولية انتقالية تركز على نقل المسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية وبناء قدرات "القوات المسلحة اللبنانية" على ممارستها.
عند صياغة هذا النموذج الجديد، يجب على صانعي القرار ألا يخلطوا بين ثلاث وظائف متميزة: التنسيق بين إسرائيل و"القوات المسلحة اللبنانية"، وهي مهمة يؤديها حالياً ضباط أمريكيون؛ ومهمة التدريب والتجهيز التي ستعقب انتهاء مهمة "اليونيفيل" والمقترحة أدناه؛ والتحقق من التنفيذ، وهي مهمة تشكل موضوع نقاش مكثف بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني لكنها لا تزال غير محددة حتى الآن. لا ينبغي أن يتطلب التحقق قوة دولية كبيرة أخرى أو انتشارات واسعة النطاق في جميع أنحاء الجنوب. بل ينبغي أن يتم من خلال آلية مهنية صغيرة نسبياً تعتمد في المقام الأول على معلومات استخباراتية دقيقة من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب زيارات موجهة للتحقق من التقدم المحرز على الأرض.
لسنوات طويلة، ظل المشكل الأساسي دون تغيير: فإلى جانب الدولة اللبنانية، ظل "حزب الله" يعمل كمنظمة إرهابية مسلحة في الجنوب وأجزاء أخرى من البلاد، ويمتلك قدراته العسكرية الخاصة، وأنظمة أسلحته، وبنيته التحتية، ونظام القيادة والسيطرة الخاص به خارج نطاق سلطة الدولة. وإذا استمر هذا الواقع، فلن يتمكن أي وجود دولي أبداً من تعزيز السيادة اللبنانية الحقيقية. ومن ثم، لم يعد مجرد مراقبة الوضع الأمني كافياً.
وفى هذا السياق، صارت الحاجة إلى نهج مختلف أكثر إلحاحاً في أعقاب الحرب الأخيرة، التي غيرت الوضع على الأرض، وتوازن القوى مع "حزب الله"، والمبدأ الأساسي الذي تستند إليه العقيدة الأمنية الإسرائيلية. ففي حقبة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، لم تعد القدس راغبة في الاكتفاء بإدارة الوضع من أجل منع الحرب - بل هي عازمة الآن على القيام بكل ما هو ضروري لمنع "حزب الله" من إعادة بناء القدرات العابرة للحدود التي قد تمكنه من مفاجأة إسرائيل أو تهديدها في المستقبل. وبالتالي، فإنها لن تنسحب فوراً إلى الحدود وتترك فراغاً أمنياً بناءً على مجرد وعود بأن السلطات اللبنانية أو الدولية ستملأه في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن الوجود الإسرائيلي الدائم غير مرغوب فيه أيضاً، لأنه من شأنه أن يديم التوتر، ويضعف الدولة اللبنانية، ويمنح "حزب الله" ذريعة لإعادة بناء نفسه كقوة "مقاومة". لذلك، من مصلحة إسرائيل دعم نهج يسمح بإعادة الانتشار دون خلق فراغ - أي انتقال تدريجي تبني خلاله "القوات المسلحة اللبنانية" القدرات اللازمة لتولي المسؤولية من القوات الإسرائيلية والدولية.
من يجب أن يساعد - ومن يدفع
ينبغي أن تقود واشنطن هذا الجهد من خلال تعيين قائد أمريكي لقيادة آلية الانتقال والتنسيق بين الدول المشاركة. ومن شأن إضافة ضابط رفيع المستوى من المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أن يضفي على هذا الجهد بعداً عربياً ملموساً دون الحاجة إلى وجود عملياتي كبير من دول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة المساهمة بالخبرة العسكرية والتدريب والمعدات لوحدات "القوات المسلحة اللبنانية" التي خضعت للتدقيق، في حين يمكن لـ"الاتحاد الأوروبي" ودول الخليج واليابان والجهات المانحة الأخرى توفير تمويل وموارد إضافية.
وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، يجب تغيير نموذج التمويل العام. ينفق المجتمع الدولي حالياً حوالي نصف مليار دولار سنوياًعلى "اليونيفيل". ومع انتهاء ولاية القوة، ينبغي إعادة توجيه موارد مماثلة من الحفاظ على وجود دولي كبير إلى بناء قدرات لبنانية قادرة على أن تحل محل هذا الوجود. لكن هذا لا يعني مجرد تحويل ميزانية "اليونيفيل" إلى حسابات "القوات المسلحة اللبنانية". فما إذا كانت الموارد ستدار من خلال إطار عمل قائم تابع لـ"الأمم المتحدة" أو آلية جديدة هو أمر أقل أهمية من ضمان أن تمول هذه الموارد طاقماً متعدد الجنسيات أصغر بكثير، وأن توجه إلى وحدات مختارة من "القوات المسلحة اللبنانية" على مراحل (انظر أدناه).
لن يكفي التوظيف ودعم الرواتب وحدهما؛ بل يجب أن تكون الأولوية هي البدء في بناء وحدات عملياتية ذات قدرات حقيقية من خلال مساعدتها في مجالات التدريب، والمعدات، والاستخبارات، والهندسة، واللوجستيات، والتنقل، والنشر السريع، والقيادة والسيطرة
. وينبغي أن يكون الهدف الأولي هو إنشاء عدة وحدات عالية الجودة تابعة لـ"القوات المسلحة اللبنانية" تكون قادرة على التصرف بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة - بما في ذلك المعلومات الإسرائيلية المقدمة مباشرة أو عبر الولايات المتحدة - من أجل تحديد مواقع صواريخ "حزب الله" بعيدة المدى وصواريخه المتطورة وغيرها من الأسلحة ذات الأهمية الاستراتيجية وتأمينها. وإذا لزم الأمر، يجب أن تكون هذه القوات مستعدة وقادرة على الانتصار في مواجهات محدودة ومحلية مع "حزب الله". ويمكن تدريب هذه الوحدات المختارة في "مركز الملك عبد الله الثاني لتدريب العمليات الخاصة" في الأردن، بتمويل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و/أو شركاء آخرين.
ثلاث مراحل
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان لدى القادة اللبنانيين الحاليين الإرادة السياسية لمواجهة تحدي "حزب الله" بشكل كامل، لكن بناء القدرات العملياتية لـ"القوات المسلحة اللبنانية" سيمنع على الأقل بيروت من استخدام أوجه القصور العسكرية كذريعة للتقاعس عن العمل. ومع ذلك، يجب ربط الدعم الدولي بأداء قابل للقياس من جانب "القوات المسلحة اللبنانية"، بحيث يؤدي اتخاذ إجراءات فعالة على الأرض إلى توفير المزيد من التدريب والمعدات والتمويل على ثلاث مراحل:
- ينبغي أن تركز المرحلة الأولى على بناء قدرات وحدات مختارة من "القوات المسلحة اللبنانية"، ورسم خريطة شاملة للبنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله" في الجنوب، وإعداد خطة منظمة للنشر التدريجي لـ"القوات المسلحة اللبنانية" هناك لإزالة هذه البنية التحتية. وينبغي أن تتضمن هذه الخطة عملية منهجية لتفكيك المواقع التي يمكن أن تستخدمها الجماعات المسلحة لشن هجمات، ونقل الأسلحة إلى سيطرة الدولة، وتفكيك القدرات العسكرية لـ"حزب الله" بوسائل أخرى.
- وينبغي أن توسع المرحلة الثانية مسؤوليات "القوات المسلحة اللبنانية" مع تحقيق المعايير المتفق عليها. وهذا لا يعني نشراً مكثفاً لـ"القوات المسلحة اللبنانية" في كل أنحاء الجنوب. فمع انسحاب "جيش الدفاع الإسرائيلي" من مواقعه، ينبغي أن تتقدم الوحدات اللبنانية القادرة لتحل محله، مستفيدة من العمل الكبير الذي أنجزه "جيش الدفاع الإسرائيلي" بالفعل لتفكيك مواقع "حزب الله".
- وينبغي أن تستكمل المرحلة الثالثة نقل المسؤولية الأمنية إلى "القوات المسلحة اللبنانية" في الوقت الذي تقلص فيه الآلية الدولية وجودها تدريجياً.
ولا ينبغي ربط هذا التقدم بأي جدول زمني تعسفي؛ بل يجب أن يستند إلى مدى نجاح "القوات المسلحة اللبنانية" في تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في استعادة احتكار الدولة للسلاح من خلال نزع سلاح الجهات المسلحة غير الحكومية وتفكيكها.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للآلية الدولية الجديدة أن تنشر قوات أجنبية في جميع أنحاء جنوب لبنان، بل يجب أن تقتصر على القيام بدور محدد يركز على التدريب والتجهيز ودعم التنفيذ. ويشمل ذلك وضع خطة عمل منظمة ومتابعتها، وتنسيق تدريب "القوات المسلحة اللبنانية" ونشرها، والإشراف على التنفيذ طوال فترة الانتقال. والفكرة ليست إنشاء "قوة شرطة" دولية أخرى داخل لبنان والاكتفاء بالإبلاغ عن الانتهاكات، بل تهيئة الظروف التي يمكن في ظلها لـ"القوات المسلحة اللبنانية" أن تصبح القوة الأمنية الوحيدة في الجنوب وأن تضع حداً لهذه الانتهاكات بنفسها.
أما بالنسبة لـ"الخط الأزرق" الذي حددته "الأمم المتحدة"، فسيظل نقطة مرجعية أساسية في تشكيل المناقشات الإسرائيلية-اللبنانية ومنع الاحتكاك، لكنه لا يمكن أن يشكل المفهوم الأمني بأكمله في مرحلة ما بعد "اليونيفيل". ولا تكمن المسألة ببساطة في ما إذا كان طرف أو آخر يتجاوز ذلك الخط، بل في من يسيطر فعلياً على الأراضي الواقعة على الجانب اللبناني من الخط، وما إذا كان سيسمح لجماعة مسلحة غير تابعة للدولة بإدامة خطر الحرب من خلال تخزين الأسلحة وإقامة البنية التحتية العسكرية على مقربة شديدة من الحدود.
كما ينبغي أن تحدد خطة الانتقال مستقبل منشآت "اليونيفيل" في لبنان. فقد يتم نقل بعضها إلى "القوات المسلحة اللبنانية"، واستخدام البعض الآخر مؤقتاً من قبل الآلية الجديدة، وقد لا تكون هناك حاجة إلى بعضها بعد الآن. وينبغي أن تنبثق هذه القرارات عن خطة نشر "القوات المسلحة اللبنانية"، مع التركيز على منع حدوث فجوة بين رحيل "اليونيفيل" والسيطرة الفعالة للدولة اللبنانية.
بالنسبة للقدس، سيمكن النموذج الجديد "جيش الدفاع الإسرائيلي" من الانسحاب التدريجي من لبنان، وسيحسن آفاق الأمن على المدى الطويل للمجتمعات الإسرائيلية في الشمال. أما بالنسبة لبيروت، فإن تعزيز ونشر "القوات المسلحة اللبنانية" لن يقتصر على تلبية مصلحة إسرائيلية أو مطلب أمريكي فحسب - بل سيوفر فرصة تاريخية لممارسة سيادة حقيقية، وهو أمر ضروري للانتعاش السياسي والاقتصادي للبنان. أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن إنهاء مهمة "اليونيفيل" سيتيح للمسؤولين فرصة لإعادة توجيه الموارد والخبرة المتراكمة على مدى عقود نحو أهداف أفضل: دولة لبنانية أقوى، وجيش لبناني قادر على السيطرة على الجنوب، و"حزب الله" غير قادر على إعادة بناء قدراته العسكرية، وإسرائيل قادرة على الانسحاب دون ترك فراغ أمني.
كانت "اليونيفيل" حلاً لعصر مختلف. ويمكن لـ"القوات المسلحة اللبنانية" المعززة، المدعومة مؤقتاً بآلية دولية موثوقة لبناء القدرات، أن تكون بمثابة جسر نحو حقبة جديدة - حقبة تتطور فيها القنوات الدبلوماسية الناشئة بين إسرائيل ولبنان إلى اتفاق شامل للسلام والأمن.