- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4272
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة: كيف حافظت "حماس" على قبضتها على الحكم
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
or see Part 1: Overview: Assessing the Gaza Ceasefire, Year One
رغم تخليها عن السلطة الرسمية حافظت "حماس" على منظومات لامركزية للحكم والتمويل في غزة، وتسعى كذلك إلى توسيع نفوذها في الضفة الغربية.
يأتي هذا المرصد السياسي ضمن سلسلة يصدرها معهد واشنطن لتحليل المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وتقديم توصيات لصناع السياسات في المرحلة المقبلة. اطلع على السلسلة كاملة.
خلال العام الماضي أعادت "حماس" تنظيم صفوفها وما زالت تمارس سيطرة مدنية وسياسية فعلية في قطاع غزة، رغم تخليها عن السلطة الحكومية الرسمية ورغم ضعفها العسكري. ويحلل هذا المرصد السياسي كيف بنت الحركة حكومة لامركزية بحكم الأمر الواقع مكنتها من البقاء الطرف المهيمن في غزة، ومن التأثير بشكل متزايد في الساحة الفلسطينية الأوسع.
من السيطرة الرسمية إلى السيطرة غير الرسمية
أوجد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 واقعا جديدا في غزة. فـ"حماس" لم تعد تملك سلطة حكومية رسمية، لكنها لا تزال تمارس سيطرة على الأرض وإن كانت على أقل من 40 في المئة من مساحة القطاع. وقد ضعفت الحركة عسكريا إلى حد كبير، غير أنها تعوض ذلك عبر مؤسساتها السياسية والمدنية على وجه الخصوص.
وتحولت موافقة "حماس" على التخلي رسميا عن الحكم، وهي خطوة رأى فيها الغرب تنازلا، إلى ميزة لصالحها. فبدلا من حكومة مركزية منهكة باتت الحركة تدير هيكلا تنظيميا لامركزيا. ويقلل ذلك من انكشافها أمام الضغوط العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية والرقابة الدولية والمساءلة المباشرة عن الإخفاقات الإدارية والمدنية، ويتيح لها في الوقت ذاته الحفاظ على سيطرتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال شبكات النفوذ بدلا من المؤسسات الرسمية. وقد أصبح هذا الترتيب ممكنا أيضا لغياب أي سلطة حكومية بديلة في غزة، وهو ما يعزز انطباع السكان بأن "حماس" باقية.
وفي تموز/يوليو حلت "حماس" حكومتها رسميا ونقلت السلطة إلى هيئة فلسطينية من التكنوقراط تعرف باسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة". لكن كما ورد في المقالة التمهيدية لهذه السلسلة لم تتمكن اللجنة من الاضطلاع بهذه المسؤوليات لأن إسرائيل تصر على نزع سلاح "حماس" أولا.
وقد برزت فوارق واضحة بين المناطق التي تحتفظ فيها "حماس" بقدرة قوية على الحكم وتلك التي تآكلت فيها هذه القدرة. فبحسب شركة الرصد الإسرائيلية الخاصة "نيسابا" حافظت المناطق الوسطى في غزة على حد أدنى من الاستمرارية البيروقراطية والقدرة التشغيلية، بينما تعاني المناطق الشمالية والجنوبية من تشرذم جغرافي وانقطاع إداري وتصاعد حاد في النزاعات العشائرية والنشاط الإجرامي. ويكاد ينعدم في هذه المناطق أي حضور ظاهر لشرطة "حماس"، ما اضطر الحركة إلى الاعتماد على آليات إنفاذ سرية مثل "قوات الردع"، وهي وحدة سرية للردع والانضباط الداخلي تراقب المعارضة وتقمع النشاط الإجرامي وتعيد فرض سلطة "حماس" حيث انهار العمل الشرطي الرسمي.
وفي المناطق التي حافظت على مستويات أعلى من الحكم يواصل موظفون مدنيون محليون تابعون لـ"حماس" إدارة الخدمات الأساسية، ومنها مهام السجل السكاني وتوزيع المساعدات الإنسانية وإدارة البنية التحتية البلدية الأساسية وجباية محدودة للضرائب المحلية. غير أن هذه الأنشطة تقلصت بشكل كبير وبات التركيز منصبا في المقام الأول على الخدمات الضرورية.
إلى جانب ذلك تعمل في غزة وكالات تابعة للأمم المتحدة وعشرات المنظمات غير الحكومية الدولية التي تقدم المساعدات الغذائية والخدمات الطبية ودعم المياه والصرف الصحي والتنسيق اللوجستي. ومن أبرز هذه الجهات برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمة الصحة العالمية والهيئة الطبية الدولية ومنظمة "وورلد سنترال كيتشن".
وخلال الحرب رفضت إسرائيل رفضا قاطعا أي شكل من أشكال التنسيق المدني مع "حماس"، وتصدت بنشاط للمنظمات الإنسانية التي حاولت العمل مع الحركة. لكن هذه السياسة تغيرت خلال العام الماضي. فمع غياب سلطة حكم بديلة فاعلة ومنع إسرائيل أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، أصبحت "حماس" الطرف الرئيسي القادر على تأمين الوصول والحفاظ على الآليات الإدارية وقنوات التوزيع اللازمة لإيصال المساعدات الإنسانية. ونتيجة لذلك باتت المنظمات الدولية العاملة في غزة تنسق مع "حماس"، أحيانا عن علم وأحيانا بقبول إسرائيلي ضمني. وهكذا أصبح ما كان يعد في السابق عبئا غير مقبول ضرورة عملياتية.
نموذج "حماس" للحكم غير الرسمي
رغم أن "حماس" لم تعد تملك سلطة حكومية رسمية فإنها تواصل ممارسة السيطرة عبر آليات متنوعة:
النظام عبر الفوضى المدارة. يثير تصاعد الجريمة من قتل وسرقة ونهب وأنشطة مرتبطة بالمخدرات شعورا عميقا بانعدام الأمن لدى سكان غزة. ولا تتصدى "حماس" للجريمة بقدر ما تديرها. فبحسب تقارير حديثة للأمم المتحدة سمحت الحركة لمجموعات إجرامية معينة بالعمل في مناطق محددة بهدف إضعاف العشائر المنافسة وتقديم نفسها بوصفها الطرف الوحيد القادر على استعادة النظام. وهكذا تصبح الجريمة أداة للحكم إذ تصنع "حماس" فوضى مضبوطة ثم تعرض نظاما جزئيا وفق شروطها.
السيطرة الاقتصادية واستخدام الندرة أداة للحكم. أعادت "حماس" خلال العام الماضي تشكيل بنية إيراداتها بشكل كبير. فبحسب تحليل حديث لمعهد "ميتفيم" الإسرائيلي بات المصدر الرئيسي لدخل الحركة يأتي من سيطرتها المباشرة على استيراد مساعدات الطوارئ والبضائع التجارية التي تدخل غزة. وتفرض الحركة ضرائب باهظة على البضائع التي يدخلها التجار من القطاع الخاص، والتي تمثل ما بين 20 و30 في المئة من إجمالي الشحنات الداخلة إلى القطاع منذ وقف إطلاق النار. ولتوضيح حجم ذلك يدخل غزة يوميا ما بين 500 و600 شاحنة، وتتراوح نسبة الضريبة التي تفرضها "حماس" بين 15 و25 في المئة من قيمة البضائع، ويقدر متوسط الضريبة على الشاحنة الواحدة بأكثر من 15 ألف دولار. فضلا عن ذلك تستولي "حماس" على أجزاء من شحنات المساعدات الدولية الداخلة إلى غزة وتبيعها بأسعار مرتفعة في السوق، كما تجني أرباحا كبيرة من الوقود الذي تدخله منظمات الإغاثة لتلبية احتياجات خاصة ثم يعاد بيعه بأسعار مرتفعة. ويتجاوز إجمالي العائدات من هذه الأنشطة عدة ملايين من الدولارات يوميا.
وتدير "حماس" أيضا شبكة تهريب واسعة للسلع المحظورة ولا سيما السجائر ومواد مختلفة مزدوجة الاستخدام. وتفرض رسوما مرتفعة على التحويلات المالية التي تجرى عبر تطبيقات الدفع الرقمي المحلية، وقد تصل العمولات أحيانا إلى 40 في المئة. ولأن النقد بات سلعة نادرة في غزة بسبب انهيار الخدمات المصرفية والقيود المفروضة على تدفق العملة والاعتماد المتزايد على المدفوعات الرقمية، صار جزء كبير من المعاملات يتم عبر هذه التطبيقات المحلية، ما يتيح لـ"حماس" توسيع آليات تحصيل الرسوم وإحكام قبضتها على التدفقات المالية. وبالتوازي مع ذلك استأنفت "حماس" تحويل الأموال من شبكات خيرية دولية عبر آليات تقليدية مثل الحوالة، وهي آليات يصعب تتبعها إلكترونيا ويشغلها أنصار الحركة في الخارج.
وتتعزز هذه السيطرة الاقتصادية بالحكم المدني والمساعدات الدولية. إذ تواصل "حماس" دفع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين "الحكوميين" وتنظيم النشاط الاقتصادي في المناطق الخاضعة لسيطرتها وتشغيل آليات الشرطة وشبكات إنفاذ أخرى. وتخلق هذه الممارسات اعتمادا شعبيا مباشرا على هياكل حكمها وتعزز قبضتها الاقتصادية والمدنية. علاوة على ذلك تعتمد منظمات الإغاثة بشكل متزايد على وسطاء مرتبطين بـ"حماس" لتوزيع الغذاء والإمدادات الطبية ومواد الإيواء في المناطق التي لا توجد فيها سلطة بديلة. ويمكن هذا الاعتماد "حماس" من تحديد المجتمعات التي تتلقى المساعدات أولا والعشائر التي تحصل على الموارد الشحيحة والأطراف المحلية التي تكافأ أو تعاقب. وبذلك تصبح المساعدات الإنسانية جزءا من استراتيجية أوسع تتبعها "حماس" في توزيع الموارد، فتعمق اعتماد السكان عليها وتعزز نفوذها في الشؤون المدنية.
السيطرة الرقمية عبر إدارة افتراضية لامركزية. بعد انهيار أجزاء من البنية التحتية الحكومية في غزة طورت "حماس" منظومة حكم رقمي لامركزية تقوم على شبكات تواصل غير رسمية. فمن خلال مجموعات مغلقة على "تلغرام" و"واتساب" وقنوات توزيع مشفرة وآليات تنسيق عبر الإنترنت تدير الحركة الحياة المدنية دون حضور مادي دائم، معتمدة إلى حد كبير على خوف الناس لضمان امتثالهم. وتنسق هذه الشبكات دخول البضائع وجباية الضرائب والرسائل الموجهة إلى الجمهور وتسوية النزاعات العشائرية في المناطق التي تآكل فيها الحكم الظاهر.
اختراق المؤسسات المدنية دون سلطة رسمية. لم يعن التخلي عن السلطة الحكومية الرسمية التخلي عن السيطرة على المؤسسات الحكومية. فمن خلال زرع معينين موالين ووسطاء عشائريين داخل هذه المؤسسات تستطيع "حماس" التأثير في البلديات ولجان التخطيط وتوزيع المياه والكهرباء والتراخيص التجارية وغيرها. وفي قطاع التعليم الذي بات جزء كبير منه مرتجلا بسبب الحرب تؤثر الحركة في التعيينات والمحتوى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والوسطاء المحليين.
الانخراط السياسي مع الخصوم والشركاء. عقدت "حماس" مؤخرا سلسلة لقاءات في مصر مع فصائل فلسطينية مختلفة، أبرزها "تيار الإصلاح الديمقراطي" الذي يقوده محمد دحلان القيادي السابق في حركة "فتح". وكان الهدف بناء "تحالف وطني" استعدادا للانتخابات المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر للمجلس التشريعي الفلسطيني ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. وتبدو هذه التحالفات حتى الآن تكتيكية لا أيديولوجية، وتهدف إلى إيجاد حضور سياسي مستقل عن السلطة الفلسطينية. وعليه فإن هذه المباحثات تضعف السلطة الفلسطينية وتساعد "حماس" على الحفاظ على حضورها السياسي، وتقدم الحركة بوصفها طرفا لا غنى عنه في أي ترتيب سياسي فلسطيني مستقبلي.
توسيع النفوذ في الضفة الغربية
أصبحت التطورات الأخيرة في الضفة الغربية، من تصاعد عنف المستوطنين المتطرفين إلى مصادرة الأراضي والتغييرات العمرانية، أوراقا رابحة في يد "حماس" التي تقدم نفسها باستمرار بوصفها المدافع عن الفلسطينيين والممثل الحقيقي لـ"المقاومة" في مقابل السلطة الفلسطينية. وتتحول كل حادثة سريعا إلى مقاطع فيديو وبيانات وخطب ودعوات إلى التحرك تنتشر عبر الإنترنت وفي المساجد ومن خلال العشائر. إضافة إلى ذلك تعمل "حماس" على:
• بناء بنية تحتية دينية واجتماعية في الضفة الغربية (مساجد وجمعيات خيرية وحلقات دراسية وجامعات)؛
• استغلال أزمة الشرعية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، ولا سيما في الأماكن التي ينظر فيها إلى أجهزتها الأمنية على أنها تتعاون مع إسرائيل؛
• الربط بين سرديتين فلسطينيتين اتسع انتشارهما خلال العام الماضي هما "صمود غزة" و"الضفة الغربية تحت الهجوم".
الخلاصة
بعد عام على وقف إطلاق النار أعادت "حماس" تنظيم صفوفها وما زالت تمارس سيطرة مدنية فعلية في غزة. فقد أعادت بناء أدوات القوة الرئيسية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والرقمية، واعتمدت نموذج حكم لامركزي يمكنها من إدارة الحياة اليومية في القطاع دون حكومة رسمية. كما حافظت على اعتماد شعبي عميق عليها من خلال التحكم في الموارد الشحيحة وتطبيق أساليب إنفاذ متنوعة واختراق المؤسسات وتقديم نفسها بوصفها الطرف الوحيد القادر على توفير الخدمات الأساسية وحفظ النظام. وقد أتيح لها ذلك لأن غزة تفتقر إلى سلطة حكم بديلة فاعلة.
وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تأملان في وقف تفاقم هذه المشكلة في غزة وامتداد تداعياتها إلى الضفة الغربية، فلا بد من إنشاء هيكل حكم بديل حقيقي في القطاع يكون قادرا على تفكيك آليات سيطرة "حماس" وتقليص اعتماد السكان على الحركة. ويتطلب ذلك تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة وإنهاء اختراق "حماس" للمؤسسات المدنية وإنشاء آليات لتوزيع المساعدات والتنقل لا تعتمد على الحركة ونقل السكان من المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس" واتخاذ خطوات لتجفيف مصادر إيراداتها. كما يجب تقييم كل سياسة تجاه غزة بحسب أثرها في الساحة الفلسطينية الأوسع، ولا سيما في منع تجذر "حماس" في الضفة الغربية.