- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4270
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة (الجزء الأول): أولويات الولايات المتحدة في العام الثاني
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
or see Part 1: Overview: Assessing the Gaza Ceasefire, Year One
على إدارة ترامب أن تستعد للدفع بحزمة من الإجراءات الملموسة فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، من توفير المساكن المؤقتة التي يحتاجها السكان بشدة إلى عقد اجتماعات رفيعة المستوى مع الوسطاء الإقليميين، مع تجنب أي خطوة توحي بالتخلي عن السلطة الفلسطينية.
يأتي هذا المرصد السياسي ضمن سلسلة يصدرها معهد واشنطن لتحليل المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وتقديم توصيات لصناع القرار في المرحلة المقبلة. اطلع على السلسلة كاملة.
حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للسلام ذات النقاط العشرين العام الماضي بدت شديدة الطموح في ظل الظروف القائمة. فلو طبقت كاملة لفتحت الطريق أمام تحويل قطاع غزة الذي أنهكته الحرب وتغيير الواقع بين الإسرائيليين والفلسطينيين في آن واحد. ولم يكن ذلك سهلا يوما، فالطموحات كبيرة والعقبات هائلة. لكن إدارة ترامب خطت الخطوة الحاسمة وأطلقت عملية التنفيذ، وهي تعمل منذ ذلك الحين على سد الفجوة بين الطموحات والنتائج المرجوة كما ورد في المقال التمهيدي لهذه السلسلة. فما الآليات التي اعتمدها المسؤولون الأمريكيون لتفعيل خطة النقاط العشرين؟ وما التحديات الجوهرية التي عليهم تجاوزها لتسريع التنفيذ وتحقيق أهداف الرئيس؟
حصيلة متفاوتة في التنسيق
جريا على عادة إدارة ترامب لم يُشكَّل فريق كبير يضم مختلف الوكالات الحكومية عند الإعلان عن خطة السلام لأول مرة. وتولى متابعة التنفيذ بدلا من ذلك فريق صغير شديد الحماس يرتبط بجاريد كوشنر، المبعوث الشخصي للرئيس وصهره.
وصُممت آليتان لتنفيذ العناصر الأساسية الواردة في النقاط العشرين. أولاهما مركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشأه الجيش الأمريكي ويديره من مدينة «كريات غات» جنوب إسرائيل، وقد تغير اسمه لاحقا إلى المركز الدولي لدعم غزة. ويضم المركز اليوم ممثلين عن أربع وعشرين دولة بينها مصر والأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة. وتتنوع مهامه بين تسهيل دخول الإغاثة الإنسانية ووضع خطط لإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة وإعداد خطوات لاستئناف التعليم والتجارة وسائر الأنشطة المدنية. كما يراقب وقف إطلاق النار ويشرف على كل ما يدخل غزة من مواد ويتولى إدارة الأزمات لاحتواء أي توتر بسرعة. وقد أراد الرئيس ترامب أن تكون هذه المهمة بقيادة عسكرية، وبدا أنه يثق بالقيادة المركزية الأمريكية أكثر من ثقته بالسلك الدبلوماسي الأمريكي.
وحققت هذه الآلية نجاحات مبكرة، لا سيما في استئناف المساعدات الإنسانية والنشاط التجاري. وتولت كل دولة ممثلة في مركز التنسيق المدني العسكري إعداد خطط عمل يديرها التكنوقراط الفلسطينيون في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، حتى تتمكن هذه اللجنة من مباشرة عملها فور وصولها إلى غزة.
لكن اللجنة لم تصل بعد وما زالت عالقة في القاهرة كما أوضح المقال التمهيدي. وصحيح أن أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة سيستفيدون جيدا من كل ما أُنجز من أعمال تحضيرية حتى الآن، غير أن الآمال التي بعثها مركز التنسيق المدني العسكري والمركز الدولي لدعم غزة في البداية تراجعت. ويعود ذلك أساسا إلى طول الوقت الذي تستغرقه السلطات لإدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة والشرطة الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية إلى غزة. فالحماسة والإحساس بالإلحاح اللذان لمسهما كاتبا المقال خلال زيارتهما مركز التنسيق المدني العسكري مطلع هذا العام خفتا بوضوح بسبب التأخر المستمر في نزع سلاح حركة حماس، وهو شرط مسبق لإعادة الإعمار وإقامة حكم جديد في غزة.
ولم تكن إدارة ترامب تعوّل على المركز الدولي لدعم غزة في عملية نزع السلاح، بل أسندت إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة قيادة الجهود الدبلوماسية لإقناع حماس بتسليم سلاحها. وقاوم قادة حماس هذه الفكرة أشهرا قبل أن يوافقوا في 30 تموز/يوليو على خريطة طريق تركز على التنفيذ لنزع السلاح وما يرتبط به من إجراءات. وجاء ذلك ثمرة جهود دؤوبة ومتناسقة بذلها الممثل السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف ومسؤولون من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.
إطلاق العملية في عام 2026 وما بعده
لا يُتوقع اتخاذ خطوات تنفيذية مهمة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لكن على إدارة ترامب أن تحدد من الآن كيف ستتعامل مع أصعب التحديات التي تطرحها خريطة طريق تموز/يوليو.
أولا، على المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب أن يثبتوا لشعوبهم أن هذه الآلية قادرة على تحقيق تقدم ملموس بعد الانتخابات الإسرائيلية بوقت قصير، حتى يقتنع الجميع بأن خريطة الطريق هي السبيل الوحيد الموثوق. فنزع السلاح الحقيقي عملية طويلة بطبيعتها، ولذلك ينبغي لمجلس السلام أن يبادر إلى مخاطبة الناس في كل الأطراف ويدعوهم إلى الصبر وأن يحقق في الوقت نفسه تقدما فعليا على الأرض. وسيطالب الإسرائيليون بنزع سلاح موثوق يقاس بحجم ما يصادر من أسلحة حماس وبتدمير البنية التحتية العسكرية للحركة. ولن يكون تبديد شكوكهم سهلا، لأن القضاء على دولة إسرائيل ظل جوهر مهمة حماس طوال عقود، منذ ميثاقها التأسيسي حتى هجومها الشنيع في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. لذلك لا تكفي مصادرة أسلحتها، بل يجب تدميرها علنا أو تعطيلها حتى لا تتمكن حماس ببساطة من استعادتها لاحقا.
أما الفلسطينيون والعرب فيحتاجون إلى ما يثبت أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدأت تصنع غزة مختلفة. فكلما طُهرت منطقة من أسلحة حماس وبنيتها التحتية وجب على اللجنة أن تسارع إلى إزالة الركام وإعادة الخدمات الأساسية وتوفير مساكن مؤقتة للمدنيين الذين يعيشون منذ سنوات في مخيمات خيام بائسة.
ثانيا، على واشنطن أن تضمن وفاء كل طرف بالتزاماته. وهذا يتطلب اهتماما متواصلا على أعلى المستويات في إدارة ترامب، بما في ذلك الرئيس نفسه. فعلى إسرائيل والوسطاء في مجلس السلام أن يروا أنه يتابع عن كثب ويحاسب كل طرف مهما كانت انشغالات السياسة الأمريكية في أماكن أخرى من المنطقة. وبعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية ينبغي للرئيس أن يُظهر للجميع عزمه على تنفيذ خطة السلام في غزة، وهي أبرز إنجازات سياسته الخارجية في ولايته الثانية.
ولأن الرئيس يميل إلى الدبلوماسية الشخصية فبإمكانه دعوة الأطراف الرئيسية إلى البيت الأبيض لتقييم ما تحقق وتحديد الأهداف المطلوبة خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة. وتشمل هذه الأطراف أعضاء مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى جانب قادة الدول المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، وهي ألبانيا وكوسوفو والمغرب وربما دول أخرى. وقبل الاجتماع ينبغي لفريق كوشنر أن يعمل مع الجهات المانحة للجنة الوطنية لإدارة غزة حتى تتمكن من إثبات أنها بدأت تحقق تقدما حين يجمع الرئيس الأطراف في واشنطن، ولو في حدها الأدنى بتوجيه شحنات المساكن الجاهزة إلى جانب المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع.
ويمكن أن يحدد اجتماع البيت الأبيض أيضا معايير الأداء التي ستحاسب على أساسها الحكومة الإسرائيلية المقبلة وحماس. وينبغي أن يخضع الوسطاء بدورهم لمعيار واحد، فمصر وقطر وتركيا لم تتردد حتى الآن في انتقاد إسرائيل لعدم التزامها ببنود خطة السلام لكنها لم تنتقد علنا قط عدم التزام حماس. وقد نصت خطة النقاط العشرين على أن هذه الدول الوسيطة يفترض أن تكون ضامنة لخطة ترامب، ولذلك على الرئيس ونظرائه في المجلس أن يحددوا بوضوح ودقة ما سيفعلونه لدفع التنفيذ في الأشهر المقبلة. وعلى واشنطن أن تكون مستعدة للضغط على الجميع، بما في ذلك إسرائيل كلما استدعت خطوة فلسطينية مؤكدة خطوة إسرائيلية مقابلة.
ثالثا، على إدارة ترامب ألا تتخلى عن السلطة الفلسطينية. فمع أن المسؤولين الأمريكيين تعاملوا مباشرة مع حماس في الأشهر الأخيرة، فإن السلطة الفلسطينية هي التي ستعود في النهاية إلى غزة وتتسلم المسؤولية من القيادة الانتقالية، بشرط أن تأخذ التزاماتها الإصلاحية على محمل الجد. فالنقطة التاسعة عشرة من خطة ترامب تنص على أنه “عندما يُنفذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة، قد تتهيأ أخيرا الظروف لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة”. لكن إصلاح السلطة الفلسطينية ما زال حتى الآن شعارا لا عملية فعلية. ولتغيير ذلك ينبغي للقادة العرب، ولا سيما في السعودية ومصر والأردن والإمارات والمغرب وقطر، أن يتحملوا مسؤولية أكبر في دفع السلطة الفلسطينية نحو الإصلاح.
ويمكن لإدارة ترامب أن تبني موقفا عربيا موحدا عبر اجتماعات مشتركة يعقدها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع نظرائه في المنطقة لعرض خطوات الإصلاح الملموسة المطلوب اتخاذها. ومن البدايات الجيدة مثلا أن تعتمد السلطة الفلسطينية آلية شفافة للاستثمار الأجنبي في الأراضي الفلسطينية، ما يضع حدا للرشاوى التي تتطلبها ممارسة الأعمال التجارية اليوم. ثم يعقد الوزير روبيو اجتماعات متابعة يعرض فيها جميع الأطراف ما أنجزه أو ما قصّر فيه. ومن شأن هذا الاهتمام الأمريكي الرفيع أن يؤكد أن الإدارة لا تعترف بحماس ممثلا جديدا للشعب الفلسطيني. فقد وصلت هذه الرسالة عن غير قصد حين التقى مسؤولون أمريكيون بقادة حماس في الوقت الذي حُرم فيه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أن إبداء الدعم للسلطة الفلسطينية يبعث برسالة واضحة بأن واشنطن تعارض أعضاء حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذين يسعون علنا إلى انهيار السلطة الفلسطينية.
خاتمة
على إدارة ترامب في المحصلة أن تذكّر إسرائيل بالمصلحة الثنائية المشتركة في التحرك سريعا بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر واختبار التزام حماس بخريطة طريق تموز/يوليو. ويعني ذلك السماح لعناصر الشرطة الفلسطينية القليلين الذين أتموا تدريبهم بالعودة إلى غزة، والسماح للدفعة التالية المؤلفة من 5000 مرشح للشرطة بالسفر إلى مصر للتدريب، وتسهيل نشر اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقوة الاستقرار الدولية. ولن تهدد أي من هذه الخطوات أمن إسرائيل تهديدا جديا، لأنها ستنفذ تدريجيا منطقة بعد أخرى، ولن يُطلب من الجيش الإسرائيلي الانسحاب من أي منطقة قبل التحقق من نزع سلاح حماس فيها. بل إن إطلاق هذه العمليات سيلقي العبء الدبلوماسي كاملا على حماس التي ما زالت تصريحاتها العلنية بشأن نزع السلاح الحقيقي غامضة.
وسيخسر أعضاء حماس الكثير، ناهيك عن سكان غزة، إن لم تفِ الحركة بالتزاماتها. فإذا واصلت التهرب من الفرص المتكررة للالتزام بنزع السلاح فالأرجح أن تمنح إدارة ترامب إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف عمليات عسكرية واسعة. وهذا الاحتمال ينبغي أن يدفع مصر وقطر وتركيا إلى مزيد من الضغط على حماس.
بعد عام على إعلانها لا تزال خطة ترامب تطرح تسلسلا قابلا للتطبيق يبدأ بنزع سلاح حماس على نحو يمكن التحقق منه، ثم تسلم الفلسطينيين الحكم والأمن، وإعادة الإعمار، ونشر قوة أمنية دولية، وانسحاب إسرائيلي تدريجي. فما ينقص الخطة ليس البنية بل المثابرة الأمريكية في تنفيذها.