- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4274
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة: الانتقال من الحرب إلى سيطرة أمنية مستدامة
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
or see Part 1: Overview: Assessing the Gaza Ceasefire, Year One
مسؤول إسرائيلي مخضرم في مجالي الاستخبارات والدفاع يقيّم الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ وقف إطلاق النار، ويقدم توصيات بشأن المرحلة المقبلة.
يأتي هذا المرصد السياسي ضمن سلسلة يصدرها معهد واشنطن لتحليل المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ويقدم توصيات لصناع القرار بشأن المرحلة المقبلة. اطلع على السلسلة كاملة.اطلع على السلسلة كاملة
شكّل وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي نهاية مرحلة الحرب المكثفة في قطاع غزة التي اندلعت عقب هجوم حركة "حماس" عام 2023، ومثّل تحولاً كبيراً في النهج العسكري الإسرائيلي. فبعد عامين من القتال المتواصل وإضعاف البنية التحتية العسكرية لـ"حماس" إلى حد بعيد، انتقل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مفهوم عملياتي مختلف. وفي غضون أيام، أعادت وحداته انتشارها على ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، بالتزامن مع إطلاق سراح آخر عشرين رهينة إسرائيلية على قيد الحياة.
وبعد مرور عام تقريباً، تواجه إسرائيل سؤالاً استراتيجياً جوهرياً: هل تمثل البنية الأمنية القائمة حالياً في غزة انتشاراً مؤقتاً لمرحلة ما بعد الحرب، أم أنها تشكل أساساً لتموضع طويل الأمد؟ وإذا كان هذا الانتشار مؤقتاً، فما الظروف التي قد تسمح للجيش الإسرائيلي بتقليص وجوده الميداني تدريجياً وإعادة الانتشار باتجاه إسرائيل؟
كما مثّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر انهياراً للمفهوم الأمني الذي اعتمدت عليه إسرائيل في غزة لسنوات. فقد أخفقت في آن واحد عناصر الردع والتفوق الاستخباري والحواجز التكنولوجية والتموضع الحدودي الثابت نسبياً، ما أفضى إلى كارثة استراتيجية وصدمة وطنية عميقة أصابت المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية على حد سواء. وسيحتاج التعافي من هذه الصدمة واستعادة الثقة بقدرة الدولة على حماية بلداتها الحدودية إلى وقت، لذا ستكون أي عودة سريعة إلى خطوط ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر صعبة، حتى لو تحسنت الأوضاع في غزة.
ومن ثم، يتمثل التحدي في الأشهر المقبلة وما بعدها في تحديد مقدار العمق الاستراتيجي الذي تحتاج إليه إسرائيل، وما إذا كان من الممكن في نهاية المطاف تحقيق الوظائف الأمنية الأساسية التي توفرها السيطرة الميدانية حالياً من خلال وجود عسكري أصغر بكثير. ولا يمكن النظر إلى هذه المسألة بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية. فالولايات المتحدة والسعودية، على وجه الخصوص، تمتلكان أدوات نفوذ اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية يمكن أن تمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة. وإذا قررتا استخدام هذا النفوذ، كأن تعرض السعودية التطبيع في إطار اتفاقيات أبراهام، فقد تغيران المعادلة الاستراتيجية جذرياً.
من حملة هجومية إلى سيطرة أمنية مستدامة
بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر 2025، تطورت الحملة الإسرائيلية من استهداف البنية التحتية العسكرية والحكومية لـ"حماس" بالقوة النارية والمناورات القتالية إلى حملة استنزاف مطولة تقوم على السيطرة الميدانية وعمليات المتابعة ضد ما تبقى من قدرات الحركة. غير أن وقف إطلاق النار شكّل تحولاً في العقيدة العسكرية. فبدلاً من المناورات الواسعة والمتواصلة، بدأ الجيش الإسرائيلي يركز على أربعة مبادئ مترابطة: أولها الدفاع المتقدم لخلق مسافة مادية تفصل القوات المعادية عن البلدات الإسرائيلية؛ وثانيها الحفاظ المستمر على التفوق الاستخباري لرصد التهديدات الناشئة قبل أن تتبلور؛ وثالثها حرية العمل العملياتي لمواصلة الضربات أو دخول المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف أخرى عند الضرورة؛ ورابعها الجهود الوقائية لضمان عجز "حماس" وغيرها من الجماعات المسلحة عن إعادة بناء القدرات العسكرية اللازمة لشن هجوم واسع آخر.
بعبارة أخرى، لم تعد إسرائيل تسعى إلى مجرد تدمير "حماس" عبر مناورة حاسمة، كما أنها لا تسعى إلى إدارة غزة أو تحمل المسؤولية عن سكانها المدنيين. بل تسعى إلى قدر كاف من السيطرة على البيئة المادية والمعلوماتية يحول دون ظهور تهديد عسكري استراتيجي، مع ترك الحكم المدني لآليات فلسطينية و/أو دولية. وعليه، لم يعد المقياس الحقيقي للنجاح هو عدد مقاتلي "حماس" الذين يُقتلون أو حجم ما يُدمّر من بنيتها التحتية، وإنما ما إذا كانت الحركة قادرة مجدداً على العمل كتنظيم عسكري متكامل يستطيع شن هجوم كبير آخر.
ويُعد "الخط الأصفر" التجسيد المادي لهذا المفهوم. فهو لم يُصمم ليكون حدوداً دولية، بل خط سيطرة عملياتياً يوفر المراقبة والإنذار المبكر وحماية البلدات الإسرائيلية الحدودية والاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة. ويقوم المنطق العسكري لهذا الخط على إبعاد هذه التهديدات عن إسرائيل وإطالة فترة الإنذار المتاحة لها. وبذلك، تحولت المساحة الواقعة على الجانب الإسرائيلي من الخط، والتي تشكل نحو 60 في المئة من أراضي غزة، من ساحة قتال مؤقتة إلى منطقة أمنية متقدمة. وتتسم هذه المنطقة بوجود عسكري ومراقبة وجمع للمعلومات الاستخبارية وأعمال هندسية وقدرات للرد السريع، فضلاً عن القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة النطاق من دون العودة فوراً إلى حجم المناورات التي شهدتها الحرب.
وعلى الجانب الآخر من الخط يقع الحيز المدني الرئيسي في غزة، حيث يتركز معظم السكان الفلسطينيين، وحيث يُفترض أن تتولى الحكم آليات فلسطينية و/أو دولية، لا إسرائيل. ومع ذلك، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة من حين إلى آخر إلى دخول هذا الحيز عسكرياً لضمان السيطرة الأمنية.
وهنا تنشأ مفارقة. فالأطراف الدولية ستواصل انتقاد إسرائيل بسبب إبقاء وجودها في غزة وتنفيذ عمليات عبر "الخط الأصفر". لكن هذه العمليات ضرورية في الوقت الراهن لمنع "حماس" من إعادة بناء قدراتها العسكرية، وكلما نجحت، ازدادت احتمالات أن تتمكن إسرائيل في نهاية المطاف من تقليص وجودها الميداني. أما إذا سُمح لـ"حماس" بإعادة بناء قدراتها، فقد تخلص إسرائيل إلى أن السيطرة الميدانية المتقدمة والدائمة أمر لا غنى عنه.
ولا شك في أن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر أعاد تشكيل التفكير الإسرائيلي طويل الأمد في هذه القضايا بصورة جذرية. فقبل ذلك التاريخ، كانت إسرائيل تسعى في الغالب إلى إدارة التهديد الصادر من غزة، أما الآن فتسعى إلى منع القطاع من أن يشكل مصدراً لتهديدات عسكرية استراتيجية. وينطلق هذا المفهوم الأمني الناشئ من أن المسافة تشكل في حد ذاتها عنصراً من عناصر الحماية الأمنية، لأن العمق الاستراتيجي يقلل احتمال أن يتحول اختراق تكتيكي محدود، على غرار هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فوراً إلى كارثة استراتيجية.
لكن للعمق الاستراتيجي أثمانه. فكلما توغلت القوات الإسرائيلية أكثر داخل غزة، ازدادت الأعباء العسكرية والمخاطر على الجنود، وارتفعت الكلفة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. بل إن إطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي قد تقوض الدعم السياسي الأمريكي للبنية الأمنية القائمة.
ورغم هذه الأثمان، يبدو مستبعداً أن تتخلى إسرائيل في وقت قريب عن أي جزء من العمق الاستراتيجي الذي اكتسبته حديثاً. غير أن تموضعها قد يتغير بسرعة إذا تبدلت الظروف السياسية أو الدبلوماسية، لا سيما إذا قدمت السعودية عرضاً جاداً للتطبيع مشروطاً بإعادة انتشار إسرائيلي واسعة خارج غزة. ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجي المحوري ليس ما إذا كانت إسرائيل تستفيد من العمق الاستراتيجي، وإنما مقدار الأرض التي تحتاج إليها لتحقيق هذه الفوائد، والظروف التي قد تجعلها مستعدة للانسحاب إلى خطوط جديدة. وبعبارة أخرى، إذا ظل "الخط الأصفر" ترتيباً أمنياً مؤقتاً، فقد يشكل أداة لبناء بنية أمنية مختلفة وتمهيد الطريق أمام إعادة انتشار مرحلية، منطقة تلو الأخرى، على النحو الوارد في المقالة التمهيدية لهذه السلسلة. أما إذا لم تتغير الأوضاع على الأرض واتسعت المنطقة العسكرية الإسرائيلية أو ازداد ترسخها، فقد يمثل ذلك تحولاً نحو عقيدة ميدانية أكثر ديمومة تجاه غزة.المقالة التمهيدية لهذه السلسلة
الاستعداد لإعادة انتشار مشروطة
ينبغي لإسرائيل أن تبدأ من الآن التخطيط لاحتمال إعادة الانتشار مستقبلاً، وقبل وقت طويل من أن تخلص إلى أن هذه الخطوة ممكنة سياسياً أو عسكرياً. فالانتظار حتى تشتد الضغوط الدبلوماسية أو السياسية سيضع إسرائيل وجيشها في موقع رد الفعل، في حين أن التخطيط المسبق سيمكنهما من تحديد الوظائف الأمنية التي توفرها المنطقة المتقدمة حالياً، والتي يجب إيجاد بدائل لها قبل أن يصبح التخلي عن الأرض آمناً.
وعلى وجه التحديد، يجب أن يحدد هذا التخطيط الخط الجغرافي القادر على توفير دفاع كاف، وقدرات الاستخبارات والمراقبة التي يمكن أن تعوض تقلص العمق الميداني، وقوات الرد السريع المطلوبة، والمؤشرات التي تستدعي العودة إلى تموضع أكثر تقدماً. والمبدأ هنا بسيط: حتى لو لم تستطع إسرائيل في الوقت الراهن الالتزام بتقليص وجودها الميداني، فبوسعها، بل يتعين عليها، أن تبدأ التخطيط لهذا السيناريو.
وعلاوة على ذلك، يجب أن تضع جميع الأطراف في حسبانها أن أي إعادة انتشار مستقبلية ستكون مرهونة بتحقق شروط معينة، لا بجدول زمني محدد. إذ يتعين أن تجتمع عدة شروط بمرور الوقت قبل أن تبدأ أي انسحابات إسرائيلية:
• ألا تعود "حماس" تمتلك منظومات الأسلحة أو القدرات التنظيمية واللوجستية والقيادية اللازمة لشن هجوم واسع. ويجب أيضاً تطبيق آليات فعالة لنزع سلاح حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية.
• أن تثبت سلطة حاكمة بديلة قدرتها على حفظ النظام الداخلي ومنع التنظيمات المسلحة من إعادة بناء قدراتها.
• أن تُطبق آليات فعالة لمنع دخول الأسلحة والجهات المعادية والمكونات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية إلى غزة.
• أن تحتفظ إسرائيل بقدر كاف من النفاذ الاستخباري يتيح لها رصد جهود إعادة بناء القدرات العسكرية قبل أن تتحول إلى تهديد عملياتي.
• أن تثبت الأطراف الدولية امتلاكها قدرة فعلية على إنفاذ ترتيبات ما بعد الحرب، لا مجرد إعلان استعدادها لذلك.
• أن تكون إسرائيل واثقة من قدرتها على الدفاع عن بلداتها الحدودية.
وإذا تعذر تحقيق هذه الشروط، فقد تخلص إسرائيل إلى أن استمرار السيطرة العسكرية المتقدمة يظل ضرورة.
تشرين الأول/أكتوبر 2026 – تشرين الأول/أكتوبر 2027: عام الاختبار
ينبغي التعامل مع العام المقبل بوصفه فترة للتقييم الاستراتيجي، لا مجرد استمرار للانتشار القائم. فبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2027، أو ربما قبل ذلك إذا توافرت الظروف المناسبة، يُفترض أن تكون إسرائيل قادرة على تقييم ما إذا كانت بنية ما بعد الحرب قد أحدثت تغييراً مستداماً. ومرة أخرى، ستتمثل الاختبارات الرئيسية في ما إذا كانت "حماس" قد مُنعت من إعادة بناء قوة عسكرية منظمة؛ وما إذا كانت بنية حاكمة بديلة قد أثبتت قدرتها على الصمود؛ وما إذا كانت السلطات واثقة من قدرتها على منع استخدام غزة منصة لشن هجمات عسكرية؛ وما إذا كان بمقدور إسرائيل الحفاظ على استخبارات موثوقة وحماية كافية لبلداتها الحدودية في ظل سيطرة ميدانية أقل اتساعاً. وسيؤثر أداء الآليات الدولية المكلفة بنزع السلاح والإنفاذ تأثيراً كبيراً في نتائج هذا الاختبار.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت الفوائد الأمنية التي يوفرها استمرار الوجود الإسرائيلي داخل غزة لا تزال تفوق ما يمكن تحقيقه من خلال انتشار أصغر يرتكز على المحيط الحدودي. فإذا أشارت الأدلة التي ستُجمع في الأشهر المقبلة إلى إمكانية الحفاظ على الوظائف الأمنية الأساسية بالسيطرة على مساحة أقل من الأرض، فعلى إسرائيل أن تبدأ انتقالاً تدريجياً نحو الدفاع عن المحيط الحدودي. وإن لم يكن الأمر كذلك، فقد يظل الإبقاء على وجود عسكري متقدم الخيار الأكثر حكمة، لا بوصفه منطقة عازلة اختيارية، بل مكوناً ضرورياً من مكونات الدفاع الوطني.
وحتى في سيناريو الانتقال، لن تعود إسرائيل ببساطة إلى النموذج الأمني الذي كان سائداً قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فأي دفاع مستقبلي عن المحيط الحدودي سيتطلب اختراقاً استخبارياً عميقاً، ومراقبة متواصلة، ودفاعات مادية متعددة الطبقات، وقوات رد سريع، وعقيدة واضحة للعمل الوقائي ضد التهديدات الناشئة، واستعداداً مثبتاً لتطبيق هذه العقيدة الجديدة بفاعلية من خلال قرارات مناسبة بشأن الانتشار وتخصيص الموارد. ومن شأن هذا النهج أن يعكس درساً آخر تعلمته إسرائيل بثمن باهظ من السابع من تشرين الأول/أكتوبر: أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الردع وحده، أو التفوق التكنولوجي، أو الدفاعات الحدودية الثابتة لحماية مواطنيها.