- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4276
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة (الجزء الرابع): التعامل مع الخلافات بين الوسطاء الإقليميين
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
or see Part 1: Chapeau: Assessing the Gaza Ceasefire, Year One
ما لم تحدد واشنطن مبادئ واضحة بشأن "حماس"، فإن تباين الرؤى الاستراتيجية التي تتبناها أنقرة والقاهرة والدوحة تجاه الحركة سيؤدي حتما إلى تآكل التعاون بينها، لا سيما مع دخول عملية التنفيذ مرحلة أكثر صعوبة.
يأتي هذا المرصد السياسي ضمن سلسلة يصدرها معهد واشنطن لتحليل المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وتقديم توصيات لصناع السياسات في المرحلة المقبلة. للاطلاع على السلسلة كاملة.
برزت خلال العام الماضي ثلاث دول بوصفها الوسطاء الرئيسيين في الشرق الأوسط بشأن غزة، وهي مصر وقطر وتركيا. فبعد أن أدت هذه الدول دورا محوريا في التوصل إلى وقف إطلاق النار وانضمت إلى "مجلس السلام"، تولت قيادة الجهود الرامية إلى تنفيذ الخطة ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب". وتقدم كل منها إسهاما فريدا في هذا الجهد، ولها جميعا مصلحة في دفع عملية التنفيذ قدما. غير أن رؤاها لـ"حماس" وعلاقاتها بها متباينة، بما في ذلك تصورات متناقضة تماما للدور الذي ينبغي أن تؤديه الحركة بعد انطلاق المراحل التالية من خطة ترامب.
وجاءت النتيجة متفاوتة. فمن جهة، ثمة تعاون تكتيكي فعال أسفر عن تقدم ملموس، مثل موافقة "حماس" على إطار لإخراج أسلحتها من الخدمة. ومن جهة أخرى، ثمة توترات متكررة بين الوسطاء تعقد العملية. أما المشاركة الأمريكية فكانت متقطعة وغير واضحة إزاء بعض القضايا الرئيسية. ومن دون موقف واضح وانخراط مستمر رفيع المستوى من جانب واشنطن، قد تصل هذه العملية الهشة إلى طريق مسدود أوتنهار، أو تفضي إلى نتيجة تدمج "حماس" في التيار السياسي السائد وتكافئها فعليا على الجرائم التي ارتكبتها في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كيف تنظر تركيا وقطر ومصر إلى المحادثات مع "حماس"
حافظت تركيا تحت قيادة الرئيس "رجب طيب أردوغان" على علاقات طويلة الأمد مع "الجناح السياسي" لـ"حماس"، علما بأن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان يتشارك مع الحركة أيديولوجيتها الإسلاموية. ففي عام 2006، استقبل أردوغان "خالد مشعل" الذي كان يرأس الحركة آنذاك، في خطوة خالفت الإجماع الدولي على مقاطعة "حماس" إثر فوزها في الانتخابات الفلسطينية التي جرت ذلك العام، وذلك بسبب رفضها نبذ الإرهاب أوالاعتراف بإسرائيل. وفي محطات أخرى على مر السنين، استضافت تركيا كبار قادة "حماس" وسمحت للحركة بالعمل على أراضيها، وأبقت على تواصل دبلوماسي مع قادتها وقدمت لها دعما دبلوماسيا في أوقات الضغط الدولي. وفي صيف هذا العام، اختار "خليل الحية"، الزعيم الجديد لـ"حماس"، تركيا وجهة لأول زيارة خارجية له، حيث استقبله وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان".
واللافت أن هذه العلاقة الوثيقة مكنت أنقرة أيضا من ممارسة نفوذ كبير على "حماس"، كان آخر مظاهره إقناع الحركة بقبول الاتفاقات المتعلقة بغزة. ومع ذلك، لم تصنف تركيا "حماس" قانونيا منظمة إرهابية حتى اليوم، بل يصف أردوغان أعضاءها مرارا بأنهم "مناضلون من أجل الحرية" ويشبههم بالفصائل القومية التي حاربت من أجل استقلال تركيا في القرن العشرين.
وعلى نحومماثل، كانت قطر من الدول القليلة التي تحدت مقاطعة "حماس" عام 2006، إذ تعاملت مع الحركة على أعلى المستويات الدبلوماسية. ففي عام 2012، زار أمير قطر آنذاك الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" غزة والتقى "إسماعيل هنية" الذي كان يشغل حينها منصب رئيس وزراء الحكومة التي تقودها "حماس" وأصبح لاحقا زعيما للحركة. وفي العام ذاته، بدأت قطر استضافة قيادة "حماس" في الدوحة بطلب من واشنطن بعد طرد الحركة من سوريا. وبين عامي 2018 و2023، نسقت قطر وإسرائيل تحويل مدفوعات شهرية إلى الحكومة التي تقودها "حماس" في غزة. ورغم أن الهدف من ذلك كان الحفاظ على عمل المؤسسات الحكومية في القطاع ومنع مزيد من عدم الاستقرار، فإنه عاد بالنفع السياسي على "حماس" ومكنها من استثمار مزيد من الموارد في تعزيز قدراتها الإرهابية.
وتنظر قطر إلى علاقتها بـ"حماس" باعتبارها جزءا من مساعيها الأوسع للاضطلاع بدور محوري في الوساطة الدولية. غير أن الدوحة تميل إلى تجاوز حدود دورها بوصفها وسيطا عبر تبني مواقف دبلوماسية داعمة للحركة، غالبا بالشراكة مع تركيا. فضلا عن ذلك، دأبت قناة "الجزيرة" الممولة قطريا على انتهاج خط تحريري مؤيد لـ"حماس". وقد شهدت علاقات الدوحة بالحركة توترا في بعض الأحيان، كان آخره حين رفضت "حماس" إدانة الهجمات الإيرانية على قطر ودول خليجية أخرى، لكنها لم تقترب قط من حد القطيعة. وعلى غرار تركيا، ترى الدوحة في هذه العلاقة وسيلة لممارسة النفوذ على "حماس"، بما في ذلك ما يتعلق بالمبادرات السياسية الأمريكية مثل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة.
في المقابل، ترى القاهرة في "حماس" تهديدا وتتعامل معها بوصفها منظمة إرهابية. ويستند هذا العداء إلى ثلاثة عوامل: أولا، نشأة "حماس" في كنف جماعة "الإخوان المسلمين" التي تعد الخصم اللدود لحكومات مصرية متعاقبة، واستمرار علاقاتها بها؛ ثانيا، ما ارتبط بذلك من أفعال وسياسات انتهجتها "حماس" وهددت أمن مصر، لا سيما في حقبة "الربيع العربي"؛ ثالثا، الموقف الرسمي للقاهرة القائل بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وبناء على ذلك، قصرت مصر تعاملها مع "حماس" على القنوات الاستخباراتية. ورغم هذه العلاقة العدائية، تتمتع مصر بنفوذ كبير على الحركة لأسباب عدة، منها الدور المحوري الذي تؤديه القاهرة في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، واختراقها الاستخباراتي الاستثنائي لغزة، وعلاقاتها الراسخة مع إسرائيل، إضافة إلى واقع جغرافي يجعل مصر المنفذ الوحيد غير الإسرائيلي للدخول إلى غزة والخروج منها.
وقد أدت هذه الرؤى المتباينة بين حين وآخر إلى صدامات بين أنقرة والدوحة والقاهرة بشأن السياسة تجاه غزة. وتجلى ذلك بأوضح صوره خلال الحرب بين إسرائيل و"حماس" عام 2014، حين سعت قطر وتركيا إلى توجيه واشنطن نحووقف لإطلاق النار بشروط أكثر ملاءمة للحركة. ورأت القاهرة في هذه المساعي محاولة لا لتقوية "حماس" فحسب، بل لتهميش مصر أيضا، سواء في الدبلوماسية الإقليمية عموما أوفي ملف غزة الذي تعده القاهرة قضية أمن قومي من الدرجة الأولى وانفردت بإدارته خلال الأزمات السابقة. ومنذ ذلك الحين، عادت العلاقات بين الدول الثلاث إلى طبيعتها إلى حد كبير، لكن خلافاتها العميقة بشأن "حماس" لا تزال قائمة، ولا تزال مصر حذرة دائما من أي خطوات قد تهمشها في ملف غزة.
تقارب تكتيكي وتباعد استراتيجي
للوسطاء الثلاثة مصلحة مشتركة في نجاح المراحل الأولى من الخطة ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس ترامب. فجميعهم يرون في عدم الاستقرار في غزة محركا رئيسيا لعدم الاستقرار الإقليمي، ولدى شعوبهم جميعا تعاطف عميق مع معاناة الفلسطينيين. علاوة على ذلك، لكل منهم مصالحه الخاصة. فبالنسبة لمصر، يشكل عدم الاستقرار في غزة تهديدا مباشرا لحدودها وأمنها القومي. وبالنسبة لقطر، من شأن النجاح في غزة أن يعزز مكانتها بوصفها لاعبا دبلوماسيا. أما تركيا، فسيعزز النجاح موقعها في الدبلوماسية الإقليمية ولدى الرأي العام العربي. كما يرى الثلاثة في الخطة الأمريكية سبيلا لتعزيز علاقاتهم مع واشنطن وإبراز قيمتهم في هذه العلاقة.
وبناء على ذلك، عمل الوسطاء عن كثب في العام الماضي على دفع وقف إطلاق النار قدما وضمان الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، ثم عادوا للعمل معا في صيف هذا العام للضغط على "حماس" كي تلتزم بإخراج أسلحتها من الخدمة. وقد اتسمت هذه الجهود بتنسيق جيد حرم "حماس" من القدرة على اللعب على التناقضات بين الأطراف الثلاثة.
غير أن الخلافات الجوهرية بين الوسطاء لا تزال قائمة تحت سطح هذا التعاون، وتتعلق بالدور الذي ستؤديه "حماس" على المدى البعيد في الحياة السياسية الفلسطينية المشروعة. وبطبيعة الحال، ليست الفكرة التي تطرحها تركيا وقطر عن تحول الحركة إلى حزب سياسي بالجديدة. فبعد فوز "حماس" في انتخابات 2006، اشترطت اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) للتعامل مع الحركة أن تنبذ الإرهاب وتعترف بإسرائيل وتقبل الاتفاقات السابقة. وكان الهدف من هذه الشروط التي عرفت بـ"مبادئ الرباعية" ضمان ألا تجني "حماس" ثمار الاعتراف الدولي من دون أن تغير سلوكها وأيديولوجيتها الأساسية تغييرا جذريا. واليوم، تقتضي هذه المبادئ من "حماس" ليس فقط إخراج أسلحتها في غزة من الخدمة، بل أيضا نبذ الإرهاب من حيث المبدأ ونزع سلاحها في الضفة الغربية. ويوضح استمرار قادة "حماس" في الدفاع عن مجزرة 7 تشرين الأول/أكتوبر مدى أهمية هذه الشروط.
إلا أن أنقرة تجاهلت مبادئ الرباعية طويلا في تعاملها مع "حماس"، ودفعت نحونتائج تكرس الحركة حزبا سياسيا شرعيا من دون أن تتغير جوهريا. وتعارض القاهرة هذه الفكرة بشدة، وهوموقف قد ينبع من معارضة مصر لجميع الأحزاب السياسية المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين"، أومن مخاوفها إزاء الهوية الإرهابية لـ"حماس"، أومن قناعتها بأن استمرار مشاركة الحركة في السياسة الفلسطينية وصفة لعدم استقرار دائم.
وستترتب على هذه الخلافات بطبيعة الحال تداعيات عملية على مسار التنفيذ الحالي، إذ إن طول مدته وتعقيده سيفرضان حتما على الوسطاء الثلاثة احتواء الأزمات واتخاذ قرارات صعبة في نزاعات معقدة، بما فيها النزاعات بينهم. ورغم أنهم أظهروا تماسكا لافتا حتى الآن، ستأتي أوقات يسعى فيها كل منهم إلى توجيه العملية بما يخدم تفضيلاته الخاصة. وإذا استرشدنا بالتجارب السابقة، فمن المرجح أن تركز مصر على تقليص التنازلات المقدمة لـ"حماس" إلى أدنى حد، واللجوء إلى الضغط عند الضرورة، وعرقلة السياسات التي قد تسهم في دمج الحركة في التيار السائد. في المقابل، يرجح أن تكون تركيا وقطر أكثر تقبلا لمواقف "حماس" وأكثر استعدادا لعرض حلول وسط عليها، وأن تكونا أكثر حرصا على السياسات التي تنتهي بالاعتراف بـ"حماس" فاعلا سياسيا ودبلوماسيا شرعيا، لا سيما في حالة تركيا.
الدور الأمريكي
رغم انخراط واشنطن المهم في مسارات عمل مختلفة لتنفيذ وقف إطلاق النار، لا تزال المشاركة الأمريكية رفيعة المستوى متقطعة. غير أن انخراطا أمريكيا أعمق أمر لا غنى عنه، لا سيما في التعامل مع إسرائيل. فعلى أرض الواقع، أدى تكرار عدم استعداد الحكومة الإسرائيلية للوفاء بالتزاماتها إلى تعزيز الموقف التفاوضي لـ"حماس" وتقليص قدرة الوسطاء على الضغط عليها (خاصة في حالة مصر)، كما رسخ نهجا يقوم على تقديم الحوافز لمنظمة إرهابية لم تبد أي ندم.
والواقع أن إدارة ترامب بعثت برسائل متضاربة بشأن دور "حماس". فالموقف الأمريكي الرسمي لا يزال راسخا في مبادئ الرباعية، إذ يتوقع من "حماس" ليس فقط إخراج أسلحتها في غزة من الخدمة، بل القيام بالمثل في الضفة الغربية وسائر مناطق نشاطها، إلى جانب نبذ الإرهاب على المستوى الأيديولوجي. لكن في الوقت نفسه، أوجد تواصل الإدارة المباشر والمتكرر مع "حماس" انطباعا بأن واشنطن تبدي مرونة إزاء دمج الحركة في التيار السياسي السائد على المدى البعيد، ولا سيما اللقاءات التي جمعت قادة الحركة بمسؤولين كبار مثل "جاريد كوشنر" والمبعوث الأمريكي الخاص "ستيف ويتكوف".
ولتبديد هذه الانطباعات، ينبغي للإدارة أن تعلن موقفا واضحا يستند إلى مبادئ الرباعية ويحدد الشروط التي يمكن بموجبها قبول "حماس" حزبا سياسيا. وينبغي للمسؤولين الأمريكيين بعد ذلك الامتناع عن أي تواصل إضافي مع الحركة إلى أن تستوفي هذه الشروط، حتى وإن كان ذلك مستبعدا. كما أن تحديد هذا الموقف سيساعد الإدارة على الاستعداد للحظات الحتمية التي ينهار فيها التوافق التكتيكي بين الوسطاء الثلاثة بسبب خلافاتهم الاستراتيجية.