- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4278
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة (الجزء الخامس): قراءة من القدس
Part of a series: One Year After the Gaza Ceasefire
or see Part 1: Chapeau: Assessing the Gaza Ceasefire, Year One
رغم أن أي حكومة إسرائيلية جديدة تنبثق عن انتخابات هذا الشهر ستتمتع بهامش أوسع للتعاون مع إدارة ترامب في تنفيذ خطة غزة، فإن المخاوف العميقة التي أعربت عنها إسرائيل بشأن "خارطة الطريق" ستظل قائمة، ما يستدعي جهوداً دبلوماسية منسقة ورفيعة المستوى مع "مجلس السلام".
يأتي هذا المرصد السياسي ضمن سلسلة يصدرها معهد واشنطن لتحليل المخاطر والفرص في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وتقديم توصيات لصناع القرار في المرحلة المقبلة. اطلع على السلسلة كاملة.
ينظر الإسرائيليون عموماً إلى خطة إدارة ترامب لإزالة التهديد الذي تمثله حركة "حماس" وإرساء الاستقرار في قطاع غزة باعتبارها رهاناً طويل الأمد تبدو فرص نجاحه ضئيلة. ومع ذلك، يدركون أنها الخيار الوحيد المتاح، وأنها ستظل على الأرجح كذلك بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في وقت لاحق من هذا الشهر. فما أبرز المصالح التي تراهن عليها إسرائيل في هذا المسار؟ وكيف يمكن أن تتعامل حكومتها الجديدة مع هذه القضايا في ظل مساعي الولايات المتحدة وأطراف أخرى إلى تسريع تنفيذ المراحل المقبلة من الخطة؟
عام من اختبار حدود الخطة
أدى إطلاق خطة ترامب العام الماضي، وإنشاء "مجلس السلام" ذراعاً تنفيذية لها، إلى تولي الولايات المتحدة قيادة ملف غزة، فيما انتقلت إسرائيل إلى دور ثانوي، وإن ظل بالغ الأهمية. وجاء هذا التحول نتيجة إخفاق إسرائيل في تحقيق أهدافها كاملة في غزة بعد عامين من القتال العنيف الذي أعقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فقد منيت "حماس" بهزيمة عسكرية، لكنها احتفظت بقدرتها على الحكم وطورت قنوات لاستعادة عافيتها.
حددت خطة ترامب صراحة أهداف إسرائيل في غزة: إطلاق سراح جميع الرهائن (وهو ما تحقق في المرحلة الأولى)، ونزع سلاح "حماس" وإبعادها عن السلطة، وضمان ألا تستخدم غزة مجدداً منصة لتهديد إسرائيل. وقدمت الخطة مساراً يغلب عليه الطابع السياسي لتحقيق هذه الأهداف العصية على التحقق، من دون توفير آليات لإنفاذها على الأرض. غير أن إسرائيل لا تعتقد أن هذا النهج سينجح في التعامل مع تنظيم إسلاموي عنيف مثل "حماس". ولذلك، سعت خلال العام الماضي إلى اختبار حدود الخطة قدر الإمكان، فأبقت الضغط الميداني المتواصل على الحركة، واشترطت نزع سلاحها قبل أي إعادة إعمار، وتعمدت إبطاء تنفيذ الجوانب السياسية من الخطة.
ووسعت إسرائيل أيضاً نطاق سيطرتها الفعلية في غزة من نحو 53 في المئة من مساحة القطاع (المنطقة التي حددها "الخط الأصفر" لوقف إطلاق النار العام الماضي) إلى نحو 64 في المئة (المنطقة التي يحددها "الخط البرتقالي" الأحدث). ولا تزال "حماس" تسيطر على المساحة المتبقية، حيث تعيش الغالبية العظمى من سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة. وواصلت إسرائيل استهداف كبار العناصر الإرهابية والبنية التحتية العسكرية في تلك المنطقة، ما أعاق مساعي "حماس" إلى استعادة سيطرتها على الحكم واسترجاع بعض قدراتها العسكرية، من دون أن يوقفها تماماً.
في غضون ذلك، أتاح التعاون الإسرائيلي في إيصال المساعدات تحسناً ملموساً في الأوضاع الإنسانية. لكن مع بقاء غزة أنقاضاً، تفاقمت مشكلات الصرف الصحي والنظافة العامة، فيما يواجه السكان نقصاً حاداً في أماكن الإيواء الملائمة مع اقتراب الشتاء. وكما أوضحت المقالة الافتتاحية لهذه السلسلة، تأخر تفعيل الهيئات التنفيذية المنصوص عليها في خطة ترامب: فلم تدخل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" القطاع بعد بسبب مخاوف أمنية؛ وتوقف تدريب الشرطة الفلسطينية لأن إسرائيل لم تتعهد بالسماح تلقائياً للمتدربين الذين اجتازوا التدقيق الأمني بالعودة إلى غزة؛ ولا تزال "قوة الاستقرار الدولية" في مراحل تأسيسها الأولى. وفي 26 تموز/يوليو، وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على نشر أولي محدود للغاية يضم 200 جندي من القوة الدولية ينتمون إلى "دول صديقة". غير أن إسرائيل رفضت مقترحات لإشراك قوات تركية، باعتبار تركيا دولة غير صديقة.
مخاوف القدس من خارطة الطريق
لإقناع "حماس" بقبول خارطة طريق التنفيذ المعلنة في تموز/يوليو، ولو ظاهرياً، لجأ "مجلس السلام" إلى مزيج من الضغوط السياسية الناعمة التي مارسها الوسطاء الإقليميون (مصر وقطر وتركيا)، والانخراط الأمريكي المباشر، وحوافز أخرى. وأثار هذا النهج مخاوف متعددة لدى إسرائيل.
بالنسبة إلى إسرائيل، يعد نزع سلاح "حماس" وسائر التنظيمات الإرهابية في غزة المهمة الأهم، لكنه أيضاً تحد بالغ الصعوبة. فقد رسخت الحركة قدراتها العسكرية في القطاع بعمق على مدى سنوات، وأنشأت شبكات أنفاق متطورة تمتد مئات الأميال، إلى جانب مشروعات ضخمة أخرى للتسلح. وفي ضوء الصدمة الوطنية التي خلفها هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تصر إسرائيل اليوم على أن يكون نزع السلاح شاملاً لجميع الجهات والقدرات، وكاملاً، وقابلاً للتحقق، ودائماً.
يرى معظم الإسرائيليين أن نزع السلاح فعلياً يتطلب أن يظل تهديد موثوق بعملية واسعة النطاق يشنها "جيش الدفاع الإسرائيلي" مسلطاً على "حماس"، إذ تمسكت الحركة بوضوح بعقيدتها القتالية، وبذلت خلال العام الماضي جهوداً ظاهرة لإعادة بناء جناحها العسكري وإعادة التسلح. لكن إسرائيل تدرك أن الولايات المتحدة لن تمنح على الأرجح الضوء الأخضر لتوسيع استخدام الخيار العسكري في المستقبل المنظور. وفي أفضل الأحوال، تقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن أشكالاً أخرى من الضغط قد تدفع "حماس" إلى التخلي عن بعض قدراتها العسكرية الثقيلة، مع الاحتفاظ بأسلحة أخرى. وفي جميع الأحوال، ستسعى الحركة إلى كسب الوقت للتملص من نزع سلاحها أطول فترة ممكنة.
وخلال المشاورات المستمرة مع الحكومة الأمريكية و"مجلس السلام" منذ تموز/يوليو، أثارت إسرائيل سلسلة من التساؤلات والاعتراضات بشأن خطط نزع سلاح "حماس" وإبعادها عن السلطة:
• بما أن الشرطة الفلسطينية و"قوة الاستقرار الدولية" لم تصمما لنزع سلاح "حماس" بالقوة، فكيف سيضمن "مجلس السلام" الامتثال الكامل في غياب أدوات الإنفاذ اللازمة على الأرض؟ وما العواقب التي ستترتب على عدم الامتثال؟
• تدعو خارطة الطريق إلى "تفكيك" القدرات العسكرية لـ"حماس" وبنيتها التحتية، وتسليم أسلحتها الثقيلة إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" لتخزينها. لكن إسرائيل تطالب بتدمير جميع هذه الأسلحة ومكونات البنية التحتية أو إخراجها فعلياً من غزة، لضمان عدم تمكن "حماس" من الوصول إليها مجدداً. وقد أبلغ "مجلس السلام" إسرائيل أن هذه القدرات ستصبح بالفعل "غير قابلة للاستخدام"، لكن لم يتضح بعد كيف سيحدث ذلك ومتى.
• تمنح طبيعة الخطة وبطء تنفيذها "حماس" وقتاً ومساحة أكبر مما ينبغي لإعادة تنظيم صفوفها. وتقدر السلطات الإسرائيلية عدد مسلحي الحركة حالياً بنحو 30 ألفاً، وهو عدد آخذ في الازدياد.
• تنص خارطة الطريق على نزع مرحلي للسلاح، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى نطاق أمني قرب الحدود التي كانت قائمة قبل الحرب. لكن إسرائيل تصر على ألا ينفذ جيشها أي إعادة انتشار إضافية قبل استكمال نزع السلاح بصورة كاملة وقابلة للتحقق، باستثناء التراجع عن التوسع المحدود الذي نفذه خلال الأشهر الأخيرة، أي العودة من "الخط البرتقالي" إلى "الخط الأصفر". ولم يتفق بعد على الترتيب الدقيق لمراحل الانسحاب الإسرائيلي.
• طلب "مجلس السلام" من إسرائيل حصر ضرباتها في غزة بالتهديدات "الوشيكة". لكن إسرائيل، استناداً إلى عقيدتها الوقائية التي تبنتها بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أصرت على استهداف التهديدات "الناشئة" أيضاً، وفسرت هذا الوصف تفسيراً واسعاً. وفي الأسابيع الأخيرة، وبموافقة أمريكية ضمنية، كثفت استهداف كبار القادة العسكريين في "حماس" (إذ قتلت ثلاثة من قادة ألويتها الخمسة)، إلى جانب أشخاص شاركوا في مجزرة السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
• تبدو "حماس" مستعدة للقبول بخطط إقامة حكومة بديلة في غزة، إذ تدرك بلا شك عبء حكم منطقة دمرت بهذا القدر من دون امتلاك الوسائل اللازمة لإدارتها. لكن إسرائيل، التي أخفقت في إيجاد بديل لـ"حماس"، تخشى ظهور "نموذج حزب الله" في القطاع، بحيث يواصل مسلحو الحركة التحكم في القرارات من وراء الستار بدعم من الموالين لها في الجهاز الإداري، حتى لو تولت جهات أخرى القيادة الرسمية. ويزيد من هذا القلق ما توحي به خارطة الطريق من احتمال السماح لـ"حماس" بالاحتفاظ بأسلحة شخصية خفيفة. فقد أثبتت الحركة مراراً أن الأسلحة الخفيفة تكفيها لفرض سيطرتها داخلياً. ومع ذلك، تكتفي خارطة الطريق بالنص على أن الأسلحة الشخصية "ستخضع لأحكام القوانين الفلسطينية ذات الصلة"، بينما أشار "مجلس السلام" بصورة منفصلة إلى أنه سيطرح برنامجاً لإعادة شراء هذه الأسلحة.
• وتفيد تقارير أيضاً أن الوسطاء الإقليميين وعدوا "حماس" بالسماح لها بخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وإن كان ذلك باسم مستعار وضمن ائتلاف، إذا وافقت على مبدأ تفكيك "جناحها العسكري" والتخلي عن حكم غزة. ولم تخف قطر وتركيا يوماً رغبتهما في إضفاء الشرعية على "حماس" بوصفها طرفاً سياسياً. لكن إسرائيل ترفض هذا السيناريو في ضوء الدروس القاسية التي استخلصتها من السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومن فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية عام 2006.
التداعيات الانتخابية في إسرائيل
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لم يقدم أي من الأحزاب الرئيسية المتنافسة استراتيجية جديدة بشأن غزة. بل حالت الحسابات الانتخابية دون إبداء الحكومة الحالية مرونة في تنفيذ خطة ترامب، ما دفع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى القول إن "الانتخابات المجنونة" في إسرائيل تجعل مسؤوليها "غير عقلانيين بعض الشيء".
ورغم أن غزة ليست الجبهة الأهم أو الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى إسرائيل، التي ينصب اهتمامها بدرجة أكبر على إيران ولبنان، فمن المرجح أن تتبنى أي حكومة جديدة الأولويات التالية:
• التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، بما يستلزم العمل ضمن إطار خطة ترامب.
• التمسك باستمرار حرية إسرائيل في التحرك لمواجهة التهديدات.
• جعل نزع سلاح "حماس" الشرط الذي تتوقف عليه جميع العناصر الأخرى في الخطة.
• شريطة تحقيق ما سبق، إبداء قدر أكبر من المرونة في المسائل الرئيسية المتعلقة بالتنفيذ، ولا سيما تسريع تشكيل الشرطة الفلسطينية و"قوة الاستقرار الدولية" ونشرهما، وحسم تفاصيل إعادة الانتشار الإسرائيلي على مراحل، والمضي قدماً في حلول الإسكان والأنشطة التجارية وغيرها من البرامج المدنية.
• التعاون مع "مجلس السلام" في تنفيذ مشروعات تجريبية لإعادة الإعمار ("مناطق آمنة") في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة، بهدف مساعدة السكان المنكوبين ومنحهم أملاً في المستقبل، والضغط على "حماس" عبر تشجيع سكان غزة على الانتقال من المناطق التي تسيطر عليها الحركة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ومن ثم، فإن إحدى المسائل المهمة القليلة التي تتوقف على نتائج هذه الانتخابات هي ما إذا كان الناخبون سيختارون قادة مستعدين للنظر في السماح للسلطة الفلسطينية بالاضطلاع بدور متنام في غزة.
الخلاصة
رغم أجواء التشكيك السائدة، فالحقيقة أن "حماس" ضعفت بدرجة كبيرة عسكرياً ومالياً وسياسياً. ووفقاً لاستطلاعات رأي حديثة، تراجع التأييد الشعبي الفلسطيني للحركة ولـ"الكفاح المسلح" الذي تمثله تراجعاً ملحوظاً.
لذلك، وبعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، يفترض أن تتمكن واشنطن والقدس من استغلال هذا الضعف وإعادة الزخم إلى خطة ترامب، من خلال إعطاء ملف غزة الأولوية وتسريع وتيرة التنفيذ. ولتحقيق هذه الأهداف على أفضل وجه، ينبغي اتخاذ الإجراءات التالية:
• استخدام جميع أدوات الضغط المتاحة إلى أقصى حد، بما في ذلك إبقاء الخيار العسكري الإسرائيلي مطروحاً، صراحة أو ضمناً.
• تسريع نشر الهيئات المعنية بتنفيذ الخطة على الأرض.
• البدء بإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة في أقرب وقت ممكن، مع اشتراط نزع سلاح "حماس" فعلياً قبل أي إعادة إعمار في المناطق التي تسيطر عليها الحركة. وينبغي أن يكون ذلك أيضاً شرطاً مسبقاً لأي إعادة انتشار إسرائيلية.
• تشديد الضغط المالي على "حماس"، مع التركيز على منعها من استغلال المساعدات الواردة لملء خزائنها.
• الضغط على قطر وتركيا لعدم إتاحة أي سبيل أمام "حماس" للتهرب من نزع السلاح الفعلي، وتجنب مكافأة الحركة سياسياً.
• تسريع تنفيذ الحلول الإنسانية، مع التركيز على إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير أماكن الإيواء الملائمة.
أما بشأن القضايا السياسية الأطول أمداً، فسيكون من الصعب سياسياً على أي حكومة إسرائيلية في المستقبل المنظور تأييد الطموح الأمريكي إلى رسم مسار يفضي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية. وفي الوقت الراهن، ينبغي إيلاء اهتمام أكبر لإصلاح السلطة الفلسطينية إصلاحاً حقيقياً، بما يمكنها من الاضطلاع بدور في غزة ويعزز هذا الدور. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي لجميع الأطراف تجنب إضفاء الشرعية السياسية على "حماس"، سواء بمساعدتها على المشاركة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة أو بالتخطيط لمزيد من التواصل الأمريكي المباشر مع مسؤوليها.
وأخيراً، ينبغي أن تتكامل جهود نزع السلاح ونزع الشرعية مع جهود مكافحة التطرف، ولا سيما البرامج الرامية إلى توعية سكان غزة بمخاطر التطرف الإسلاموي وخطاب الكراهية. فقد ظلت هذه البرامج حلقة أساسية مفقودة في غزة لفترة طويلة، ومن شأن المضي في تنفيذها أن يبعث برسالة مفادها أن القدس وواشنطن تمتلكان من الحكمة الاستراتيجية والصبر والمثابرة ما يكفي لكسب هذا الرهان الطويل الأمد.