- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4161
مصر تتأرجح بين السعودية والإمارات
لن تتمكن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً، لكن الدبلوماسية الأمريكية المدروسة في القضايا الاقتصادية والأمنية الإقليمية يمكن أن تمنح القادة المصريين المرونة الكافية لمواصلة استراتيجيتهم المتوازنة.
مصر تتأرجح بين السعودية والإمارات
لن تتمكن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً، لكن الدبلوماسية الأمريكية المدروسة في القضايا الاقتصادية والأمنية الإقليمية يمكن أن تمنح القادة المصريين المرونة الكافية لمواصلة استراتيجيتهم المتوازنة.
مع تفاقم التوترات بين السعودية والإمارات حول أجندات متضاربة في اليمن والسودان وأماكن أخرى، تدرك مصر أكثر من أي وقت مضى أن استقرارها الاقتصادي وأمنها القومي يعتمدان بشكل كبير على هذين الخصمين الخليجيين. قد يكون اختيار الانحياز إلى أحدهما أو الآخر مكلفاً، لكن تفاقم الخلاف بينهما يجعل من الصعب الحفاظ على الحياد التام. ومن ثم، يمكن فهم استراتيجية القاهرة الحالية على أنها نهج تقسيم مدروس، يقوم على تعزيز التقارب مع الإمارات العربية المتحدة فيما يتعلق بتدفقات السيولة والصفقات الاستثمارية الكبرى، وتعميق التنسيق مع المملكة العربية السعودية في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي. في كلتا الحالتين، تبدو مصر مصممة على الحفاظ على هامش من الاستقلال الاستراتيجي في ملفاتها الأساسية "الخطوط الحمراء ".
شبكات الإنقاذ الاقتصادية وتنويع المخاطر
إن البعد الاقتصادي للتنافس بين السعودية والإمارات لا يمثل مجرد طرح نظري بالنسبة إلى القاهرة، بل يشكل قضية وجودية حقيقية، إذ تعتمد مصر بدرجة كبيرة على البلدين بوصفهما داعمين ماليين رئيسيين، وإن كان ذلك عبر مسارات وأدوات مختلفة.
أصبحت الإمارات العربية المتحدة المصدر الرئيسي للسيولة السريعة للقاهرة. وقد أظهرت حزمة الاستثمارات لعام 2023 في رأس الحكمة، والتي تبلغ قيمتها حوالي 35 مليار دولار، كيف يمكن لأبوظبي ضخ العملة الأجنبية في مصر بسرعة، والمساعدة في استقرار الجنيه، وتمويل مشاريع البنية التحتية البارزة. وفي ظل الظروف المالية الحالية، لا تستطيع القاهرة تحمل نفور الجهة الوحيدة المستعدة لوضع مبالغ نقدية كبيرة على الطاولة دون سابق إنذار.
في المقابل، تُعد المملكة العربية السعودية الركيزة الاقتصادية الاستراتيجية لمصر، إذ يُنظر إلى رأس مالها على أنه أكثر طابعاً مؤسسياً، من خلال توفير المملكة ودائع طويلة الأجل لدى البنك المركزي، ومنتجات بترولية بشروط ميسّرة عبر ترتيبات مع أرامكو، إضافة إلى تحويلات مالية حيوية من أكثر من مليون عامل مصري، تسهم في دعم استقرار أسرهم.
علاوة على ذلك، بدلاً من الاختيار بين هذين النموذجين والوقوع في فخ الاعتماد المفرط على جهة واحدة من دول الخليج، عملت مصر على تنويع المخاطر. وتتطلب تلك الاستراتيجية السعي للحصول على استثمارات سعودية لموازنة النفوذ المتزايد للإمارات العربية المتحدة في الأصول عالية القيمة والمشاريع الساحلية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من المنافسة الهادئة بين الطرفين للحصول على شروط أفضل وتقييمات أعلى ومشاركة مستمرة.
وفى هذا السياق، تُبرز حلقة حديثة حول مفاوضات الموانئ هذا المنطق، ففي تشرين الثاني/نوفمبر، حصلت كيانات إماراتية مرتبطة بشركة ADQ على حصة أغلبية في شركة الإسكندرية لمناولة الحاويات والبضائع – إحدى أهم شركات تشغيل الحاويات في مصر - من خلال الاستحواذ على حصة 19.3 في المئة من الشركة السعودية المصرية للاستثمار. ومع ذلك، عندما تم تقديم عرض إضافي في كانون الأول/ديسمبر كان من شأنه رفع حصة الإمارات إلى حوالي 90 في المئة، رفضت الشركة القابضة المصرية بيع حصتها (35.4 في المئة). تظهر هذه التطورات أن القاهرة مستعدة لمنح حصص أغلبية للإماراتيين والسماح لأموال الخليج بالدخول والخروج من القطاعات الرئيسية، لكنها غير مستعدة للتنازل عن السيطرة شبه الكاملة على الأصول الاستراتيجية المرتبطة بقناة السويس.
ومن المثير للاهتمام أن إسرائيل أصبحت الآن جزءاً من هذه المعادلة أيضاً بعد الإعلان في كانون الأول/ديسمبر الماضي عن صفقة جديدة لتصدير الغاز الطبيعي مع القاهرة. ومن المتوقع أن تخدم الكميات الإسرائيلية الإضافية غرضاً مزدوجاً، يشمل تخفيف القيود على قطاعي توليد الطاقة والصناعة في مصر، مع تغذية مصانع التسييل التي تدر صادراتها إيرادات تشتد حاجة الحكومة إليها. ومع نمو هذه العلاقة في مجال الطاقة، ستتقاطع بشكل متزايد مع العروض الإماراتية والسعودية للحصول على حصص في الموانئ المصرية واللوجستيات والبنية التحتية ذات الصلة. عملياً، يعني هذا أن المنافسين الخليجيين باتوا يتنافسون الآن ليس فقط على النفوذ في الاقتصاد المحلي المصري، بل أيضاً على مواقع مرتبطة بالأصول الحيوية لمسارات التصدير الإسرائيلية ودور مصر كمركز إقليمي للغاز.
إدارة الاختلافات الخطيرة في السودان
هذا التوازن الخليجي أكثر صعوبة في السودان، حيث تنطوي التوترات بين أبوظبي والرياض على مخاطر أكبر ومخاطر أمنية وطنية أعلى بالنسبة للقاهرة. وفي هذا الصدد، تعتبر مصر القوات المسلحة السودانية شريكاً مؤسسياً لا غنى عنه في حماية حدودها الجنوبية وتأمين إمدادات المياه من نهر النيل. وتكمن غريزتها الاستراتيجية في دعم هيكل الدولة المركزية في الخرطوم – حتى لو كان غير مكتمل - بدلاً من المجازفة بتفككها على المدى الطويل.
في المقابل، اتُهمت الإمارات العربية المتحدة مراراً وتكراراً بدعم "قوات الدعم السريع" (RSF)، التي حققت نجاحات في ساحة المعركة ومكاسب إقليمية على حساب تماسك القوات المسلحة السودانية. ويبدو أن أبوظبي تعتبر القوات المسلحة السودانية وقادتها متساهلين للغاية تجاه العناصر الإسلامية وبقايا نظام البشير السابق، لذا فإن دعم "قوات الدعم السريع" يهدف جزئيّاً إلى منع عودة الإسلاميين بشكل كامل. ومع ذلك، ترى القاهرة هذا الدعم على أنه مصدر قلق أمني مباشر بسبب خطر ترسيخ "قوات الدعم السريع" كطرف مسلح بشدة وغير مقيد في السودان على المدى الطويل - طرف لا يشارك مصر أولوياتها بشأن الحدود وحقوق المياه أو مؤسسات الدولة.
بدلاً من مواجهة أبوظبي علناً، أوضحت القاهرة موقفها من خلال التمسك بمسارات الوساطة التي ترعاها السعودية. على سبيل المثال، في المحادثات التي عقدت تحت رعاية منصة جدة التي تدعمها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، اتفق المسؤولون المصريون والسعوديون بشكل عام على ضرورة الحفاظ على الهياكل الأساسية للدولة في السودان وتجنب الانهيار المؤسسي الكامل. ولا شك أن القاهرة تأمل في أن يمكّنها هذا النهج من التوافق مع الرياض بشأن النتيجة السياسية في السودان، مع تقليل الاحتكاك المباشر مع الإمارات العربية المتحدة إلى الحد الأدنى، حتى في الوقت الذي تدعم فيه دول الخليج جهات فاعلة ذات رؤى مختلفة للغاية على الأرض.
التوافق المصري-السعودي حول البحر الأحمر واليمن
تتفق مصر عموماً مع توجهات السعودية بشأن الأمن البحري الإقليمي، إذ يميل البلدان إلى إعطاء الأولوية لحماية الممر بين قناة السويس ومضيق باب المندب، والحفاظ على حرية الملاحة، ودعم الحكومات المركزية باعتبارها العمود الفقري للنظام الإقليمي. في المقابل، تساور القاهرة شكوك بشأن نمط الإمارات في بناء نفوذها من خلال الموانئ والجزر والوكلاء المحليين، كما هو واضح في جنوب اليمن والقرن الأفريقي. وفي هذا السياق، ترى مصر أن التعامل المفرط مع الجهات الفاعلة دون الدولة قد يحول حوض البحر الأحمر إلى خليط من مناطق نفوذ متنافسة، مما يعقد حساباتها المتعلقة بأمن قناة السويس والدفاع الساحلي.
ونتيجة لذلك، نسقت القاهرة بشكل أوثق مع الرياض بشأن القضايا المتعلقة بالبحر الأحمر واليمن، مؤكدة على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنب الصراع المفتوح بالوكالة. وفي الوقت نفسه، تحاول القاهرة تجنب المواجهة المباشرة للمواقف الإماراتية بشأن جزر أو موانئ معينة، مُفضلة العمل من خلال أطر أمنية إقليمية أوسع وآليات تعاون بحري بدلاً من النزاعات العامة الثنائية.
التحوط الاستراتيجي خارج الخليج
كما عملت مصر على توسيع خياراتها الخارجية لتجنب الوقوع في مأزق الاختيار بين السعودية والإمارات. وفي كانون الثاني/يناير 2024، انضمت مصر رسمياً إلى مجموعة "بريكس"، في خطوة لم تكن تهدف إلى الحصول على تمويل جديد بسرعة بقدر ما كانت تهدف إلى تذكير شركائها في الخليج والغرب بأن لديها بدائل أخرى. ومع ذلك، تدرك القاهرة أن هذه البدائل ذات قيمة محدودة، لذا كان تواصلها مع الصين وروسيا انتهازياً وتجارياً إلى حد كبير، حيث سعت إلى إبرام صفقات أسلحة ومشاريع بنية تحتية والحصول على دعم دبلوماسي بتكلفة سياسية منخفضة دون محاولة حقيقية لاستبدال دعم الولايات المتحدة أو دول الخليج.
في مكان آخر، حسنت مصر علاقاتها مع قطر بشكل كبير بعد سنوات من التوتر، مما فتح مصدراً آخر محتملاً للاستثمار وأظهر أنها ليست حبيسة أي معسكر خليجي واحد. كما أنها تعمل على تطبيع العلاقات مع تركيا والحفاظ على قناة اتصال فعالة مع إيران، مما يعزز ادعاءها بأنها قوة إقليمية ذات سياسة خارجية مستقلة وليست مجرد شريك صغير للسعوديين والإماراتيين.
هل ستضطر مصر إلى الاختيار؟
على الرغم من أن الضغوط الاقتصادية تجعل مصر بلا شك أكثر واقعية في تقديم تنازلات جوهرية لأحد منافسيها الخليجيين، فإن ذلك لا يترجم تلقائياً إلى تحالف سياسي مع أي من الطرفين. ومع ذلك، لا تزال القاهرة تخشى" سيناريو كابوسي "واحد يتمثل في مواجهة مباشرة أو انقطاع دبلوماسي عميق بين السعودية والإمارات يمتد إلى مجالات أمنية أساسية مثل البحر الأحمر أو نظام الجامعة العربية. في هذه الحالة، يبدو أن تاريخ مصر وجغرافيتها وأولوياتها في البحر الأحمر ستجبرها على الانحياز إلى الرياض، على الأقل على الورق.
ومع ذلك، من شأن العلاقة الشخصية الوثيقة بشكل استثنائي بين الرئيسين المصري والإماراتي أن تعقد أي افتراض بالتحالف التلقائي مع الرياض. فقد أمضى عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد العقد الماضي في التعاون الوثيق ضد جماعة الإخوان المسلمين وتبادل الزيارات رفيعة المستوى بشكل متكرر. وفي حالة اندلاع أزمة عميقة، قد تدفع هذه العلاقة الوثيقة بين الزعيمين القاهرة إلى الميل نحو الإمارات العربية المتحدة، حتى لو كانت مؤسسات الدولة المصرية تفضل مساراً أخر.
من جانبهم، تمتلك حكومتا الخليج أدوات للتعبير عن استيائهما إذا اعتقدتا أن القاهرة تميل أكثر من اللازم إلى الجانب الآخر، مثل إبطاء صرف الودائع، وتأخير شرائح الاستثمار البارزة، وتهدئة وسائل الإعلام والأنشطة النخبوية، أو تشديد القيود على العمال الوافدين بهدوء. هذا النوع من الإشارات الاقتصادية المدروسة هو أكثر احتمالاً بكثير من أي عقاب علني ودراماتيكي – جزئياً لأن كل زعيم خليجي يخشى دفع القاهرة بالكامل إلى المعسكر المقابل، ولكن أيضاً لأنهم يرون مصر" أكبر من أن تفشل "ولا يريدون المخاطرة بزعزعة استقرار لاعب مهم للغاية في الشرق الأوسط.
الآثار المترتبة على سياسة الولايات المتحدة
ما لم يحدث انقطاع أوسع بين السعودية والإمارات، فمن المرجح أن تواصل مصر نهجها المتمثل في مقايضة الوصول الاقتصادي الكبير بمساحة للتنفس السياسي، مستخدمة التنافس الخليجي نفسه كوسيلة ضغط للحفاظ على درجة معينة من الاستقلالية. وبناءً على ذلك، يجب على واشنطن اتخاذ خطوات لمنع المنافسة الخليجية من زعزعة استقرار مصر مع مراعاة المصالح الأمريكية الأوسع نطاقاً، بما في ذلك بيئة شحن مستقرة في البحر الأحمر، ودولة مصرية فعالة، ومساحة لمزيد من التنسيق العربي - الإسرائيلي حول قضايا مثل غزة في مرحلة ما بعد الحرب. ومن ثم، ينبغي على الولايات المتحدة:
- التعامل مع تحوط مصر على أنه إشارة قلق وليس مجرد انتهازية. يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يفهموا أن استراتيجية القاهرة لتنويع الشركاء وتجنب الخيارات الصعبة تعكس ضعفاً حقيقياً، وليس مجرد تكتيكات تفاوضية.
- تجنب التدخل في كل مبادرة إماراتية وسعودية في مصر. بدلاً من ذلك، يمكن لواشنطن استخدام الحوارات الاقتصادية رفيعة المستوى والأطر المرتبطة بصندوق النقد الدولي لتشجيع الأدوار التكميلية للدولتين الخليجيتين – على سبيل المثال، توجيه إحداهما نحو قطاعات مثل الموانئ واللوجستيات، والأخرى نحو مشاريع الطاقة والصناعة. وقد يساعد ذلك في تجنب وقوع القاهرة في حرب عروض لا طائل منها تغذي الخلافات بين كل طرف.
- تعزيز حوار منظم وهادئ حول السودان واليمن وأمن البحر الأحمر. يمكن أن تساهم المناقشات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين أبوظبي والقاهرة والرياض في منع تصلب مواقفهم المختلفة بشأن هذه القضايا وتحويلها إلى سياسات ومشاريع متنافسة تقوض الأهداف المشتركة.
- مراعاة الدور المتنامي لإسرائيل في اقتصاد الطاقة المصري. كما هو موضح أعلاه، فإن مصالح الإمارات والسعودية في الموانئ والبنية التحتية المصرية لها الآن آثار مباشرة على التعاون الإسرائيلي مع القاهرة في مجال الغاز، لذا يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يضعوا هذه الروابط في اعتبارهم عند تقييم الصفقات المحتملة.
في نهاية المطاف، لن تتمكن مصر من البقاء بمنأى تماماً عن الخصومات الخليجية. ولكن إذا مُنحت مساحة كافية لمواصلة استراتيجيتها التوازنية – القائمة على تنويع المخاطر والتحوط والاستقلالية المحدودة - فمن المرجح أن تظل شريكاً مستقراً لواشنطن بدلا من أن تكون ساحة أخرى تنتهي فيها المنافسة السعودية - الإماراتية إلى إفادة خصوم الولايات المتحدة.