- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4178
كيف سيكون شكل القيادة إذا أصبح مجتبى خامنئي مرشداً أعلى؟
بحكم علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري، قد يسعى نجل خامنئي إلى خيارات استراتيجية متطرفة.
أفادت صحيفة نيويورك تايمز ووسائل إعلام أخرى هذا الأسبوع بأن السلطات الإيرانية تميل إلى تسمية مجتبى خامنئي خلفاً لوالده المرشد الراحل، مع احتمال أن تُقرّ مجلسُ خبراء القيادة هذا الاختيارَ خلال اجتماعاتها الإلكترونية الجارية. وأيُّ قرار من هذا القبيل محاطٌ بغموض كثيف في الظروف الراهنة؛ إذ اضطرّ المجلس إلى الاجتماع عن بُعد بعد تعرّض مقارّه في طهران وقم للقصف، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن أي مرشد أعلى جديد «سيكون هدفاً لا لبس فيه للاغتيال»، محذراً من أن الجيش تلقّى تعليمات «بالتحضير والتصرف بكل الوسائل لتنفيذ المهمة». وقد أثبتت إسرائيل استعدادها لاستهداف قادة الأعداء وخلفائهم في تتابع سريع، كما تجلّى في مسار حزب الله نحو أيلول/سبتمبر 2024. ومع ذلك، قد تُهمل الجمهورية الإسلامية اعتبارات الحذر وتُسرّع في إتمام العملية بدلاً من الانتظار حتى نهاية النزاع للإعلان عن مرشد جديد. وبصرف النظر عن المآل، يبقى التقييم الدقيق لطبيعة المرشد الأعلى الذي سيكونه مجتبى خامنئي إن تمكّن من تثبيت موقعه والنجاة بحياته أمراً جديراً بالعناية.
مجتبى قائداً سياسياً للنظام؟
نظراً لصلاته العائلية وصغر سنّه النسبي (56 عاماً)، سيبدأ مجتبى من موقع يُؤهّله للاستيلاء السريع على مقاليد الأمور وتوظيف أكثر من 5,000 موظف في الطاقم الشخصي لوالده ومكتبه بكفاءة. فضلاً عن طيف واسع من المستشارين والخبراء، كان لعلي خامنئي ممثلون في كل مقاطعة ووزارة حكومية، وفي كثير من المدن ووحدات الحرس الثوري الإسلامي. وقد احتلّ مجتبى منذ أمد بعيد مكانة محورية في مكتب المرشد الأعلى، إذ يُدّعي بعض المراقبين أنه كثيراً ما أثّر في إمكانية الوصول إلى والده بل وتحكّم فيها. وقد آثر العمل في الظل حتى حين سعى إلى التأثير في قرارات مصيرية، بعضها انتهى نهاية وخيمة، كسعيه لإيصال محمود أحمدي نجاد إلى كرسي الرئاسة عام 2005.
في المقابل، سيجد المرشّحون المحتملون الآخرون أنفسهم أمام ضرورة استيعاب آليات عمل المرشد الأعلى من الصفر. فقد احتاج علي خامنئي نفسه إلى سنوات عدة في منصبه قبل أن يفرض حضوره بوصفه صوتاً مؤثراً في صنع القرار داخل النظام، ومدةً أطول من ذلك حتى يُحكم قبضته على الحكومة والمؤسسات الثورية. غير أن هذه الروافع باتت راسخة منذ عقود، مما يُهيّئ لمجتبى ممارسة جانب كبير من صلاحيات والده بشكل شبه فوري.
مجتبى قائداً عاماً للقوات المسلحة؟
تجري هذه الخلافة في لحظة استثنائية من أزمة النظام: حرب تخوضها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، واغتيال مباغت للمرشد السابق، وإن اختِير مجتبى، فسيكون ذلك انتقالاً غير مسبوق للسلطة داخل الأسرة الواحدة—الأول من نوعه في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وهو انتقال بالغ الحساسية في ضوء أيديولوجية النظام وموروثه التاريخي، ناهيك عن تاريخ البلاد قبل ثورة 1979. وبحكم خلفية مجتبى، ستمتد تداعيات هذه الخلافة لتطال المؤسسة العسكرية في العمق.
في سياق مسيرته الطويلة بوصفه صانع نفوذ من وراء الستار في مكتب المرشد الأعلى، رسّخ مجتبى حضوره في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والدينية الإيرانية، وبنى روابط عميقة مع شبكات الحرس الثوري. كما أدار بصورة غير مباشرة شبكةً واسعة لغسيل الأموال والاستثمار في الخارج، تموّل جزئياً عمليات الحرس الثوري. وفي مذكرة مسرّبة نُشرت منذ سنوات، أشاد أمير علي حاجيزادة—القائد الراحل لقوة الفضاء في الحرس الثوري—بمعرفة مجتبى العسكرية ودعمه الشامل للمنظمة، بما شمل توفير تمويل إضافي لمشاريع الصواريخ والمسيّرات.
تشكّلت التجربة العسكرية الأولى لمجتبى في رحاب حرب إيران والعراق؛ ففي مرحلة المراهقة، خدم في الفيلق 27 للحرس الثوري، في أدوار غير قتالية في معظمها، بيد أنها كانت كافية لتنشأ عنها صلاتٌ وطيدة مع رفاقه في «كتيبة حبيب» الصغيرة، وكثير منهم باتوا يشغلون مناصب رفيعة في الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية والحكومة. وتلك العلاقات التي نسجتها الحرب لا تزال تمثّل ركيزة قاعدته النفوذية حتى اليوم. ولذلك، فإن سلطته إن تولّى منصب المرشد الأعلى ستعتمد على الأرجح على صون التماسك داخل الحرس الثوري والحفاظ على شبكة علاقاته خلف الكواليس، أكثر من اعتمادها على المشروعية الدينية الواسعة.
ثمة بُعد شخصي آخر لا يمكن إغفاله عند استشراف قرارات مجتبى المستقبلية، هو الطابع الصادم لخلافته؛ فوفقاً لتقارير متعددة، أودت الضربةُ العسكرية التي اغتالت والده بحياة أمه وزوجته وشقيقته وصهره في آنٍ واحد. وقد يدفعه ذلك إلى النظر إلى التهديدات الأمنية الخارجية من زاوية وجودية حادة، ويُرسّخ اهتمامه بمنظومة القوة الدولتية وصمودها، ويجعله أقلّ استعداداً من والده للانفتاح على التسوية مع الولايات المتحدة. وعلى المدى القريب تحديداً، قد تحرّكه دوافع انتقامية متشحة بأيديولوجية الجمهورية الإسلامية القائمة على المواجهة الوجودية مع أمريكا وإسرائيل.
في الآن ذاته، قد تكون ولايته هشّة في أساسها؛ إذ إن خلافةً وراثيةً تُفرض في ظروف الحرب مرشّحةٌ لإشعال منافسات داخلية في النظام وتفجير السخط الشعبي على المؤسسة الدينية. صحيح أن مجتبى يفتقر إلى أوراق اعتماد لاهوتية رفيعة، لكن هذا العائق لم يحل دون وصول والده إلى قمة السلطة بعد تعديل الدستور عام 1989 لتخفيف شروط تولّي المنصب. وفي مواجهة هذه التحديات وسواها، سيسعى مجتبى على الأرجح إلى تعزيز قبضته بسرعة عبر إحكام السيطرة على القوات المسلحة، وإجراء تطهيرات للولاء في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتمتين الدور المحوري للحرس الثوري في إدارة الحكم والاقتصاد.
التداعيات السياسية
لم يجامل الرئيس ترامب في التعليق على مشاورات الخلافة الإيرانية واحتمال صعود مجتبى. ففي مقابلة أُجريت معه في وقت سابق اليوم مع موقع أكسيوس، صرّح بقوله: «إنهم يضيعون وقتهم. نجل خامنئي شخصية هامشية. لا بد أن أكون طرفاً في القرار، كما حدث مع ديلسي [رودريغيز] في فنزويلا... نجل خامنئي مرفوض بالنسبة لي. نريد شخصاً يُرسي الانسجام والسلام في إيران.»
بصرف النظر عما إذا كانت تصريحات الرئيس ستنعكس على السياسة الأمريكية في هذه المسألة، فإن المخاطر الاستراتيجية لصعود مجتبى إلى السلطة واضحة المعالم: فتحت وطأة ضغوط شخصية وسياسية شديدة، وبتأثير الحرس الثوري القوي، قد يلجأ إلى خيارات متطرفة لاستعادة الردع في الخارج وتحصين الشرعية في الداخل. وتبعاً لحالة القدرات الإيرانية المتآكلة تدريجياً، قد تشمل هذه الخيارات توسيع ضربات الصواريخ البالستية (بما فيها استهداف دول الخليج)، وتصعيد توظيف الوكلاء في الحرب، وتكثيف القمع الداخلي لاحتواء الانتفاضات، وتسريع الأنشطة النووية السرية، واستكشاف قنوات اقتناء غير نظامية للقدرات الصاروخية والنووية على المدى البعيد.
بوصفه القائد العام الجديد للقوات المسلحة، سيتبنّى مجتبى على الأرجح استراتيجية «التوطيد التحدّي»—أي الارتكاز على الحرس الثوري، والتركيز على العمق الاستراتيجي عبر القوة القسرية، واستخدام الصواريخ والأدوات غير المتماثلة أداةً للتدليل على الصمود. وعلى المدى المتوسط، قد يُجمع مجتبى والحرس الثوري على ضرورة الإسراع في امتلاك أسلحة نووية درءاً للهجمات الأمريكية والإسرائيلية المستقبلية. وسواء استقرّ هذا النهجُ النظامَ أم عجّل بتفككه، فإنه سيُعيد رسم ملامح المرحلة التالية من الصراع. وإن انهار النظام، فسيحاول مجتبى على الأرجح العمل مع العناصر الموالية المتبقية في الحرس الثوري والباسيج لخوض حرب عصابات تُعطّل مساعي الشعب الإيراني في إعادة بناء وطنه.