- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4237
زيارة العراق يمكن أن تُساعد في تشكيل مستقبل الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية
على الرغم من الأولويات الملحّة الأخرى والنهاية الوشيكة لمهمة التحالف، تُمثّل زيارة الزيدي فرصةً حيويةً لضمان حصول بغداد على الدعم المستهدف الذي تحتاجه لمنع عودة تنظيم الدولة في وقت تتلاطم فيه الاضطرابات المحلية والإقليمية.
عشية زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن الأسبوع القادم، شنّت القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سلسلة من العمليات ضد أهداف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ومنذ هزيمته الميدانية في العراق قبل عقد من الزمن، تراجع حضور التنظيم بشكل ملحوظ، ولم يعد يشكّل تهديداً وجودياً للبلاد. غير أن بقاياه تزدهر في بيئات الفوضى، وقد يسعى إلى إعادة بناء صفوفه وقدراته عبر استغلال ديناميكيات جديدة – من بينها: نقل 5700 معتقل تابع لداعش إلى العراق، والاضطرابات الإقليمية التي تُولّدها الصراعات المرتبطة بـإيران وميليشياتها الوكيلة، وأجندة انتهاء عملية العزم الراسخ (OIR)، المهمة الأمريكية لمكافحة داعش، المقرر إنهاؤها في سبتمبر المقبل بعد سنوات من التفاوض.
صحيح أن مستقبل الحرب على التنظيم لن يكون البند الأول في لقاء الزيدي بالرئيس ترامب، إذ تمتلئ أجندة الزعيمين بأولويات أخرى كتعزيز فرص الاستثمار (لا سيما في قطاع الطاقة)، وإيجاد مسار للتعامل مع الميليشيات المدعومة إيرانياً والنفوذ الإيراني في العراق، وتحسين العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان. بيد أنه، في ضوء الانتصارات المكلفة التي تحققت والحاجة الملحّة إلى صونها، ينبغي أن تكون هذه الزيارة فرصة للتصدي لهذا التهديد المتجذر ورسم معالم المرحلة القادمة من الحرب على التنظيم.
تطور التهديد الذي يمثّله تنظيم الدولة في العراق
أفرزت حرب 2003 على العراق – عن غير قصد – فراغات أمنية استثمرتها جماعات جهادية، في مقدمتها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، السليف المباشر لداعش، الذي حوّل الانقسامات الطائفية المحلية إلى قضية عابرة للحدود. استثمرت آلة الدعاية الجهادية هذه الانشقاقات لاستهداف السنّة الساخطين وبناء قواعد شعبية نمت بشكل متسارع في أعقاب اندلاع الحرب السورية عام 2011. وفيما كانت المعارك تشتعل، أدارت الحكومة العراقية شبكة من السجون لاحتجاز الجهاديين الموقوفين، الذين بادلوا ذلك باستهداف تلك المنشآت. في الفترة بين 2012 و2013، أطلق التنظيم حملة "كسر الأسوار" أفضت إلى تحرير مئات المقاتلين، وأسهمت في نهاية المطاف في إعادة بناء قيادته وانبعاثه وامتداده إلى سوريا.
وعقب هزيمته الميدانية في العراق عام 2017، خرج التنظيم منهَكاً، وهو كذلك حتى اليوم؛ إذ لم يُعلن سوى عن هجومَين في العراق منذ مطلع 2026، وفق ما أعلنه التنظيم نفسه، مقارنةً بأكثر من ألف هجوم في عام 2021 وحده. ومع ذلك، أتاح له التحوّل نحو نموذج الخلايا النائمة الاستمرار في العمل لسنوات رغم تصاعد الضغوط، مما يُعزز صورته ويُخيف السكان المحليين ويُمكّنه من استغلال ثغرات الأمن ودعم أنشطته عبر الحدود في سوريا.
ولا يزال التحدي قائماً أمام بغداد في ما يخص إعادة أكثر من 23، 000 مواطن عراقي كانوا محتجزين في مخيمات تابعة للتنظيم شمال شرق سوريا منذ 2021، في ظل عقبات تمويلية وأمنية ولوجستية، بينما يُوظّف التنظيم دعايته للاستهداف المستمر لهذه الفئات.
عوامل قد تصبّ في مصلحة تنظيم الدولة الإسلامية
على الرغم من قدراته المتبقية وطموحاته في الانبعاث، لا تعمل خلايا التنظيم في السياق ذاته الذي أفضى إلى صعوده عام 2014: فالحكومات العراقية المتعاقبة خاضت الحرب ضده إلى جانب شركاء دوليين، وتبدو الحكومة السورية الجديدة مستعدة للانخراط في هذا المسار، فيما لا يرغب المدنيون الذين عاشوا تحت حكم التنظيم في تكرار تلك التجربة. ومع ذلك، ثمة ثلاثة متغيرات راهنة قد تُعيد الريح إلى أشرعته:
الاضطرابات الإقليمية المرتبطة بإيران وميليشياتها قد تُهيّئ البيئة لعودة التنظيم. في مواجهة سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من العراق قبل عقد، نشأت ميليشيات عراقية عديدة أُسِّست لصدّ موجة الزحف، كثير منها بـدعم إيراني مباشر. وبعد اندلاع حرب غزة 2023، شنّت بعض هذه الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً – والمصنّفة أمريكياً منظمات إرهابية – سلسلة من الهجمات ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية. وفعلت الشيء ذاته إثر الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في فبراير الماضي.
وقد ردّت واشنطن بأساليب متعددة، من شنّ غارات جوية إلى تعليق شحنات الدولار إلى العراق وتجميد برامج التعاون الأمني، وإن كانت بعض هذه البرامج المجمّدة كانت موجّهة لمحاربة التنظيم أصلاً، مما أسهم في توسّع الفراغات الأمنية التي يستغلها ببراعة. ويُضاف إلى ذلك أن مسيرة الميليشيات ستتشكّل في ضوء تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الزيدي الذي كسب موافقة واشنطن وطهران معاً، وكلٌّ منهما تسعى إلى توجيه البوصلة البغدادية نحو مصالحها.
سجل العراق في المحاكمات السريعة ومعدلات الإدانة المرتفعة أثقل كاهل منظومته السجنية المعروفة تاريخياً بأنها بيئة حاضنة للتطرف. في عام 2025، أشار وزير العدل العراقي إلى أن السجون كانت تعمل بضعف طاقتها الاستيعابية، فأصدرت الحكومة عفواً طال أكثر من 35، 000 سجين بينهم عدد من المحكوم عليهم بجرائم إرهابية. غير أن كثيراً من المنشآت لا تزال تعاني من الاكتظاظ، وزاد نقل نحو 5، 700 معتقل تابع للتنظيم من سوريا من تعقيد المشهد. جاءت هذه النقلات في أعقاب اختراقات في المنشآت السورية خلال التحولات المضطربة التي شهدها الشمال الشرقي مع استلام الحكومة الجديدة في دمشق زمام الأمور، وتظل المخاوف الأمنية قائمة رغم إتمام عمليات النقل، نظراً لاحتمال وقوع عمليات فرار في العراق ذاتها إذا تدهورت الأوضاع. وفي نشرته من "النبأ" إصدار أبريل، ندّد التنظيم بعمليات الاعتقال العراقية وصفها بالطابع الطائفي، ومحمّلاً الميليشيات المدعومة إيرانياً المسؤولية، فيما سقطت صواريخ هذه الميليشيات في مواقع مجاورة لبعض السجون في مناسبات عدة.
عملية العزم الراسخ على موعد مع الانتهاء في سبتمبر، حاملةً معها الوجود العسكري الأمريكي في العراق الفيدرالي. منذ إعلان الولايات المتحدة نهاية مهمتها القتالية المنفردة في العراق عام 2021، تقلّص وجودها العسكري تقلصاً حاداً؛ ففي مطلع 2025 لم يتبقَّ سوى 2، 500 جندي أمريكي لمهمة "التدريب والمساعدة والتمكين"، مقارنةً بـ5، 000 في عام 2017. ورغم ذلك، ظلّ العراق يستهدف خلايا التنظيم بدعم أمريكي مستمر: فقد فكّك خلية وأوقف قائداً في فبراير الماضي، واعتقل تسعة من عناصره في السليمانية خلال مايو، ونفّذ ضربات جوية على معاقله في الأنبار في يونيو.
ولا يقتصر التهديد على العمليات الإرهابية. ففي العام الجاري، موّلت وزارة الخارجية منظمات دولية تدعم مرافق الاحتجاز العراقية، فضلاً عن الإدارة المخيمية في مرفق الأمل لإعادة الاندماج (المعروف سابقاً بجدة– 1)، كما رصدت مساعدات محتملة لدعم بغداد في "احتجاز المعتقلين التابعين للتنظيم والتحقيق معهم وملاحقتهم قضائياً". وقد وُظِّف صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة داعش (CTEF) لدعم عمليات النقل الأخيرة من سوريا. وفي هذا الإطار، نوّه تقرير المفتش العام الرئيسي لعملية العزم الراسخ إلى أن الضغوط المالية الناجمة عن اضطرابات النفط إبان الحرب على إيران قد تحول دون قدرة الحكومة العراقية على الاضطلاع بهذا الملف منفردةً.
توصيات السياسة
حين يحلّ رئيس الوزراء الزيدي في واشنطن، ينبغي أن يخصّص المسؤولون في كلا البلدين وقتاً كافياً للتجاوز عن المشتّتات الإقليمية والتركيز على خطوات ملموسة تُمكّن العراق من الاعتماد على نفسه في مواجهة التحديات الجديدة التي يطرحها التنظيم:
• وضع خطة شاملة لدعم المنشآت العراقية المحتجِزة للمنتسبين للتنظيم، بمن فيهم غير العراقيين المنقولون من سوريا. وُظِّفت أموال صندوق CTEF لهذا الغرض خلال 2026، بيد أن الانتهاء الوشيك لعملية العزم الراسخ يستوجب أن تستكشف واشنطن وبغداد إمكانية توظيف تمويل وزارة الخارجية بديلاً، وفق ما يُشير إليه تقرير المفتش العام. ينبغي أن يشمل هذا الدعم مساعدة العراق في التحقيق مع المعتقلين وملاحقتهم قضائياً وترحيلهم، مما يُسهم في تخفيف الاكتظاظ السجني وتعزيز قدرة العراق على الاكتفاء الذاتي.
• معالجة ملف إعادة دمج الأسر والمعتقلين المُفرَج عنهم بصورة واقعية ومستدامة. مع سعي العراق إلى إعادة اندماج آلاف الأسر الخارجة من مرفق الأمل وعشرات الآلاف من المعتقلين السابقين المشمولين بالعفو، يُصبح من الضروري أن تتناول واشنطن وبغداد آليات التمويل والدعم ضمن جداول زمنية واضحة. فيما واصلت وزارة الخارجية دعم الإدارة المخيمية، توقفت منح أخرى مطلع 2026، من بينها الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والقدرة على الصمود (GCERF) الذي كان يدعم إعادة اندماج الأسر. كثير من هؤلاء لا ولاء لهم للتنظيم، غير أن بعضهم سيلتحق به من جديد إن أُهمِلوا. ولمنع التنظيم من توظيف ثغرات الحوكمة والأمن، ينبغي أن يُركّز المسؤولون الأمريكيون والعراقيون على برامج الدعم المجتمعي في المناطق ذات الحضور الحكومي الضعيف.
• إدراك أن تنظيم الدولة حتى في صورته المنزوعة الأنياب يظل تهديداً حقيقياً، وتشهد على ذلك العمليات المتواصلة ضده بدعم أمريكي. وكما أكّد طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027، فإن "الإخفاق في تمويل متطلبات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي سيفتح ثغرة أمنية كبرى سيُسارع تنظيم داعش إلى استغلالها." على واشنطن وبغداد التوافق على استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية لمكافحة الخلايا النائمة، ومواصلة التعاون في تصميم العمليات المضادة للإرهاب. القوات الأمريكية اللازمة لهذا التعاون ليست كبيرة، ويمكنها العمل عبر السفارة الأمريكية في بغداد أو عبر الكتيبة المحدودة من سنتكوم في كردستان. وينبغي أن تُبنى العلاقة في الحالتين على ركيزتَي تبادل المعرفة والدعم التقني.
• توظيف التقارب السوري– العراقي رافعةً لعمليات مشتركة ضد التنظيم. على الزيدي وترامب الإدراك بأن التحسّن الملحوظ في علاقات سوريا مع واشنطن يسير جنباً إلى جنب مع تنامي تعاونها الناشئ مع بغداد، وهو ما يمكن – بل يجب – توظيفه لتسهيل العمليات المشتركة العراقية– السورية في مواجهة تنظيم الدولة.