أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

المهندس القطري الذي يبني حياةً جديدة لسكان غزة

سايمون هندرسون

متاح أيضاً في English

"ذي هيل"

5 تشرين الثاني/نوفمبر 2018


غالباً ما تُتهم دولة قطر الخليجية بتوفير الإسمنت التي تستخدمه حركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية («حماس») لبناء أنفاق هجومية في قطاع غزة [لشن هجمات] ضد اسرائيل. ولكن بالنسبة لرجل الأعمال القطري الذي يدير عملية الدعم الإنساني القطرية للفلسطينيين، إنّ الردّ على هذا الاتهام واضح وبسيط: "هذا الكلام هراء".

يجلس محمد العمادي في مكتبه القديم في المقرّ الرئيسي لشركة البناء التابعة له والقائم على طريق دائري في الدوحة. وقد تردّد في بادئ الأمر في التحدث معي خوفاً من أن أحوّر كلامه، إذ سبق له أن واجه مثل هذه المشكلة في مقابلات صحفية سابقة. لكن بعد تحقيق موجز، سمح لي بتدوين بعض الملاحظات خلال المحادثة التي استمرت ساعة من الزمن.

ومن وجهة نظره، لدى السفير العمادي ما يروي من قصة مثيرة للاهتمام. فقد حاز على اللقب الدبلوماسي أثناء عمله في سلك الخدمة الخارجية القطرية. وبدأ مسيرته المهنية كمهندس معماري في قسم المشاريع في بلدية الدوحة في عام 1983، لكنه انتقل للعمل في وزارة الخارجية عندما أصبح رئيسه آنذاك، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني - المتقاعد حالياً والذي كان سابقاً شخصية رائدة في الشؤون السياسية، وزيراً للخارجية.

وفي تسعينيات القرن الماضي، ترك العمادي السلك الدبلوماسي ليصبح رئيساً لـ "شركة اتصالات قطر" لفترة زادت عن عامين، لكنه انضم بعد ذلك إلى مجموعة المقاولات التي أسسها والده قبل 50 عاماً. ومنذ عام 2012، كرّس جهوده للجمع بين إدارة شركة البناء المملوكة لعائلته وإنفاق ما يتجاوز 700 مليون دولار من عائدات قطر الضخمة من الغاز الطبيعي على إعادة إعمار غزة.

ويلجأ العمادي إلى الاستشهاد بالإحصاءات، ذاكراً 110 مشاريع، و4800 شقّة سكنية، وشوارع (تشمل تشييد طريق سريع يبلغ طوله 28 كلم بين رفح، على الحدود مع مصر، ومدينة غزة)، ومستشفى. ويعبّر عن شعور خاص بالفخر تجاه مدينة حمد السكنية (التي سُمّيت على اسم أمير قطر السابق، والد الحاكم الحالي، الأمير تميم). وتضمّ هذه المدينة 2300 وحدة سكنية، تبلغ مساحة كلّ منها 120 متراً مربعاً، وتكلفة الوحدة 48 ألف دولار، بما في ذلك البنى التحتية. ويقول العمادي إن التكاليف التي تحمّلها أقلّ بنسبة 30 في المائة من تكاليف أي شركة أخرى بينما جودة التنفيذ هي أفضل بنسبة 70 في المائة. وتدعم التقارير الرسمية البرّاقة، الصادرة عن "اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة" التابعة لوزارة الخارجية القطرية، هذه الادعاءات.

فكيف نجح في تحقيق ذلك؟ يتمتع العمادي بموهبة فطرية للسرد وغالباً ما يذكر أسماء معارفه من الشخصيات الشهيرة أثناء الحديث. وقد اعتاد أن يسافر كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر إلى العاصمة الأردنية عمّان حيث يركب سيارة متجهة إلى إسرائيل. وينزل في فنادق مختلفة في غزة أو تل أبيب أو هرتسليا أو القدس. ويقول إن فندق "والدورف أستوريا" في القدس "هو الأفضل"، وأن المنسق السابق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، "الجنرال مردخاي"، هو من أصدقائه القدامى. ويتحدث العمادي عن الثقة التي عمل على بنائها مع المسؤولين الإسرائيليين فضلاً عن تلك التي يحظى بها من جانب الفلسطينيين الذين يشاركونه آراءهم بكل صراحة.  وعندما أنشأ العمادي مكتباً في غزة، أخبره أحد زعماء «حماس»، خالد مشعل، الذي يعيش في المنفى في قطر، بعدم توظيف أفراد من حركة «حماس»، بقوله ("إنهم لا يعرفون سوى كيف يقاتلون").

أمّا وجهة نظره عن السياسات التي يتّبعها قطاع غزة فهي واضحة وصريحة أيضاً: «حماس» لا تحظى بشعبية كبيرة إذ إنها لا تفعل شيئاً لمصلحة الشعب. وهناك 35 في المائة من السكان فقط الذين يدعمون "حماس" بينما يدعم 35 في المائة آخرون حركة "فتح" - جماعة فلسطينية منافسة أكثر علمانيةً يتزعمها الرئيس محمود عباس في الضفة الغربية.

كما تفادى العمادي ذكر أي تعليقات سلبية عن إسرائيل أو عن السياسيين الإسرائيليين. ويجدر بالذكر إنّ العلاقات الإسرائيلية القطرية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي لكنّها تتسم بالتعقيد. ففي الأسبوع الماضي شارك فريق إسرائيلي يرتدي شارات إسرائيلية إلى جانب فرق من 77 دولة أخرى في البطولة العالمية الـ 48 للجمباز الفني  التي أقيمت في الدوحة، غير أنّ وسائل الإعلام العالمية ركّزت على تغطيتها لبطولة الجودو التي نُظمت في أبوظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة غريمة قطر في المنطقة، حيث فاز فريق الجودو الإسرائيلي بميداليتين ذهبيتين.

وفي العام الماضي، أنهت قطر أعمال البناء في قطاع غزة وتُنفَق الأموال حالياً لضمان "الهدوء"، أي تخصيص 60 مليون دولار لتأمين الوقود لمحطة الطاقة، وتحويل المبالغ المتبقية لدفع الرواتب. وتحتاج غزة إلى 550 ميغاواط من الكهرباء، بينما تولّد محطة الطاقة فيها 50 ميغاواط، وتوفّر إسرائيل 120 ميغاواط ومصر 28 ميغاواط، علماً بأنّه لا يمكن الاعتماد على توفير مصر لهذه الكمية بشكلٍ دائم، وفقاً للعمادي. والنتيجة النهائية هي توفّر الطاقة في جميع أنحاء القطاع لثماني ساعات أو أقلّ في اليوم فقط. غير أنّ العمادي يأمل بمضاعفة ساعات التزويد بالكهرباء عبر زيادة عدد التوربينات العاملة في محطة الطاقة.

ويوم الجمعة الماضي، وبعد مرور ثلاثة أيام على إجراء المقابلة، لم يتم الإبلاغ عن أي اشتباكات عنيفة على طول الحدود رغم أنه قبل ذلك بأسبوع، كانت عدّة مصادر قد توقّعت وصول الأوضاع الأمنية إلى حدّ الحرب الشاملة. ويجري التفاوض على اتفاق لوقف إطلاق النار، ربما بوساطة مصرية. وسألتُ العمادي ما هي الوصفة الناجحة برأيه بصفته مهندساً تدرّب على إيجاد الحلول للمشاكل، فابتسم وأجاب أنه طرح فكرةً معيّنة على "جاريد" - ويقصد صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، الذي "كان في منزلي هنا في الدوحة". وأضاف أنه اجتمع [أيضاً] مع الممثل الخاص للرئيس الأمريكي للمفاوضات الدولية، جيسون غرينبلات.

فما هي الفكرة التي طرحها؟ ابتسم ولكنه رفض أن يجيب على هذا السؤال. ومهما كان الأمر، فلا شكّ في أنّ سكان غزة والمنطقة بأكملها بأمس الحاجة إلى [كل ما يتم اقتراحه].  

 

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.