- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4181
تداعيات الحرب مع إيران على الطاقة وقطاع الشحن
يشرح أربعة خبراء لماذا من المرجح أن يستغرق إزالة آثار الصراع على إنتاج النفط والغاز وحركة ناقلات النفط من الخليج وقتًا أطول بكثير مما يتصور الكثيرون، مع وجود بدائل محدودة للإمدادات في غضون ذلك.
في 9 آذار/مارس، عقد معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً مع لورين هولتماير ومات سميث وريتشارد نيفو وتومر رعنان. هولتماير هي مراسلة شؤون الشرق الأوسط في إس آند بي جلوبال إنرجي (S&P Global Energy). سميث هو كبير محللي النفط في شركة كيبلر (Kpler) الأمريكية المتخصصة في معلومات سوق الطاقة. نيفيو هو زميل مساعد في معهد بيرنشتاين، شغل سابقاً منصب نائب المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى إيران والنائب الرئيسي لمنسق سياسة العقوبات في وزارة الخارجية. أما رعنان، فهو محلل في مجال المخاطر البحرية في شركة لويدز ليست (Lloyd"s List). فيما يلي ملخص للملاحظات التي أدلى بها المشاركون.
لورين هولتماير
في حين أن الهجمات الإيرانية أصابت البنية التحتية الرئيسية للطاقة في المنطقة منذ اندلاع الحرب، فإن الحجم الكامل للأضرار لا يزال غير واضح. فقد تعرضت منشآت النفط في المملكة العربية السعودية -ولا سيما مجمع رأس تنورة -إضافة إلى منشآت في قطر والعراق والبحرين لأضراركبيرة. كما أن الأضرار التي لحقت بمرافق التخزين في عمان وميناء الفجيرة في الإمارات وأهداف مماثلة ستؤثر أيضاً في إنتاج النفط، إلى جانب الضربات الإسرائيلية على مستودعات النفط الإيرانية. وقد أثرت هذه الاضطرابات بشكل كبير في الشحنات من الموانئ الرئيسية في الخليج، إذ انخفضت من نحو 10 إلى 19 مليون برميل يومياً سابقاً إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً فقط هذا الأسبوع، وفق بيانات شركة إس آند بي جلوبال (S&P Global).
ورداً على ذلك، أعلنت قطر حالة القوة القاهرة على صادرات الغاز الطبيعي المسال، في حين أعلنت البحرين الأمر نفسه بالنسبة لمصفاة بابكو. كما أُغلقت حقول النفط في شمال العراق، وقامت شركات طاقة عدة في أنحاء الشرق الأوسط بإجلاء موظفيها.
على الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط قد يفيد المنتجين على المدى القصير، فإن الإغلاق طويل الأمد قد يؤدي إلى تكاليف باهظة نتيجة إلحاق الضرر بالحقول والمنشآت. بالإضافة إلى ذلك، كلما طال توقف الحقل زاد الوقت اللازم لإعادة تشغيله. فعلى سبيل المثال، أعلنت قطر أنها لا تتوقع استئناف العمليات قبل مرور ثلاثة أسابيع على الأقل على توقف القتال. وقدّر مسؤولون آخرون أن المنشآت في دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها تحمل نحو ستة أسابيع من التعطيل قبل أن تتعرض لأضرار جسيمة. ويُعد العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، أكثر عرضة لهذه المخاطر بسبب بنيته التحتية القديمة واعتماده على عائدات النفط. وحتى الآن، أُغلقت حقوله في الشمال والجنوب، بينما انخفضت الصادرات عبر خط أنابيب العراق - تركيا إلى الصفر.
توجد بعض الخيارات لتجاوز مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً رئيسياً للطاقة، لكنها محدودة. ويظل ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر وميناء الفجيرة في الإمارات البديلين الرئيسيين، حيث كان ميناء ينبع يشحن بالفعل ما يصل إلى 2 مليون برميل يومياً خلال الحرب مقارنة بنحو 800 ألف برميل يومياً في الشهر الماضي. كما أعربت مصر عن استعدادها لدعم صادرات النفط عبر خط أنابيب سوميد (SUMED).
مات سميث
تفتقر الولايات المتحدة إلى النفوذ الكافي للتحكم في أسعار النفط العالمية، ولذلك فإن إعادة فتح مضيق هرمز تبقى السبيل الأكثر فاعلية لخفضها. وقد قدم وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت توقعات متفائلة بانقطاع مؤقت يستمر لعدة أسابيع، غير أن من المرجح أن يظل المضيق مغلقاً لفترة أطول بكثير، مما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل إلى نحو 150 دولاراً للبرميل.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تنتج ما يكفي من النفط لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة، فإن الأسعار تُحدد في الأسواق العالمية. وقد أدى إغلاق المضيق إلى قطع التدفقات المتجهة إلى آسيا وأوروبا، مما تسبب في ارتفاع أسعار النفط عالمياً. وفي الواقع، يذهب نحو 90 في المئة من صادرات الطاقة في الشرق الأوسط إلى الأسواق الآسيوية. إذ تحصل الصين على نحو 45 في المئة من نفطها من المنطقة، بينما تعتمد الهند على الشرق الأوسط في نحو 50 في المئة من وارداتها النفطية. وتملك الصين احتياطيات برية كبيرة، لكنها تفتقر إلى ضمانات كافية لإعادة ملء تلك المخزونات عند نفادها، في حين أن الهند تمتلك احتياطيات أقل بكثير وتفتقر إلى مصادر بديلة كافية.
علاوة على ذلك، فإن جودة النفط الخام لدى الموردين البديلين غالباً ما تختلف عن النفط القادم من الشرق الأوسط. ولا تستطيع الولايات المتحدة تعويض سوى نحو 2 مليون برميل يومياً من أصل 15 مليون برميل يومياً توقفت بسبب إغلاق المضيق، كما أن الخام الأمريكي لا يتوافق دائماً مع المصافي المصممة لتكرير النفط الشرق أوسطي. وقد يؤدي السحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي للنفط إلى تهدئة الأسواق جزئياً، لكنه لن يعالج مشكلة نقص الإمدادات الأساسية.
سيستفيد المنتجون الأمريكيون من ارتفاع الأسعار الناتج، لكن روسيا قد تكون المستفيد الأكبر أيضاً لأن نفطها الخام يمثل بديلاً مباشراً للنفط الشرق أوسطي. ففي السابق، اضطرت موسكو إلى بيع نفطها بأسعار مخفضة بسبب العقوبات الغربية، غير أن الهند حصلت الآن على إعفاء يتيح لها شراء هذا النفط، وقد بدأت بالفعل في شرائه بأسعار أعلى.
أما بالنسبة للغاز الطبيعي، فإن قطر توفر نحو 20 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ويذهب معظمها إلى آسيا. وقد تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا تقريباً، لأن الصادرات الأمريكية قد تُحول إلى الأسواق الآسيوية بدلاً من وجهاتها الأوروبية المعتادة.
ريتشارد نيفو
خيارات السياسة الأمريكية للتخفيف من اضطرابات سوق النفط محدودة. فالضغوط على الأسعار ترتبط بتصورات المخاطر في الأسواق التجارية بقدر ما ترتبط بالنقص الفوري في الإمدادات. وعلى الصعيد العالمي، لا يزال قدر كبير من النفط متوافراً في المخزونات أو في طريقه بالفعل إلى الأسواق. غير أن القلق الأكبر يتعلق بحجم الإنتاج الذي قد يتوقف والمدة التي سيستغرقها استعادته. وقد تكون إعادة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية عملية بطيئة ومعقدة تقنياً، وهذا التأخير المحتمل هو ما تتفاعل معه الأسواق حالياً.
تشمل خيارات السياسة المحدودة لواشنطن ما يلي:
- إطلاق إمدادات من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط أو احتياطيات مماثلة في أماكن أخرى. رغم أن هذه الخطوة قد توحي بأن الإمدادات لا تزال متوافرة، فإن هذه الاحتياطيات محدودة بطبيعتها، واستخدامها لن يعالج المشكلة الأساسية المرتبطة بالإنتاج على المدى الطويل.
- طمأنة إيران بأن بنيتها التحتية للطاقة لن تكون هدفاً للهجمات. ويمكن للولايات المتحدة وإسرائيل محاولة إعادة ترسيخ التفاهم الضمني القائل إن منشآت الطاقة خارج نطاق الاستهداف، على غرار ضبط النفس المتبادل الذي ظهر في هذا القطاع خلال حرب حزيران/يونيو 2025. غير أن منح مثل هذه الضمانات قدراً كافياً من المصداقية سيكون صعباً، خاصة إذا خلصت طهران إلى أن الضغط على تدفقات الطاقة لا يزال يمثل مصدراً مهماً للنفوذ. ومع ذلك، فإن الإشارة إلى الاستعداد لضبط النفس قد تساعد جزئياً في تهدئة الأسواق.
- زيادة العرض بصورة غير مباشرة عبر السماح بتصدير النفط الروسي - أو حتى الإيراني - الخاضع للعقوبات، مع تقييد الوصول إلى العائدات الناتجة (على سبيل المثال، إيداع المدفوعات في حسابات ضمان خاصة). ومع ذلك، فإن تنفيذ مثل هذه الآليات سيستغرق وقتاً، وسيتطلب تنسيقاً مع المؤسسات المالية في دول أخرى، كما سيظل هناك خطر وصول العائدات في نهاية المطاف إلى خصوم الولايات المتحدة.
- توفير حراسة عسكرية للسفن التي تعبر مضيق هرمز أو تقديم دعم تأميني عبر مؤسسات مالية مدعومة من الحكومة الأمريكية. ومع ذلك، من غير المرجح أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إزالة المخاطر بالكامل، لأن سفن الحراسة نفسها قد تصبح أهدافاً، كما أن التجارب التاريخية تشير إلى أن مثل هذه العمليات قد تتصاعد إلى مواجهات عسكرية مباشرة.
- صياغة تشريع أمريكي لتعويض الشركات عن السفن أو البضائع المفقودة أثناء النقل. فبدلاً من خطط التأمين التقليدية أو البرامج الأكثر محدودية التي تقدمها مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية (DFC)، سيسمح هذا التشريع للشركات بتقديم مطالبات مباشرة إلى الحكومة الأمريكية للحصول على تعويضات. ومع ذلك، فإن إقرار مثل هذا الإجراء في الكونغرس يبدو غير مرجح في ظل المناخ السياسي الحالي.
يدرك المسؤولون الإيرانيون النفوذ الكبير الذي يولده الهجوم على تدفقات الطاقة والتهديد بها، بما في ذلك الحساسية السياسية المرتبطة بأسعار البنزين في الولايات المتحدة. وحتى الآن، تجنبت طهران شن هجمات واسعة أو مستمرة على البنية التحتية الرئيسية مثل المصافي ومحطات التصدير وخطوط الأنابيب. وقد نتجت معظم الاضطرابات عن مخاطر النقل والإغلاق الاحترازي بدلاً من الأضرار الجسيمة طويلة الأمد. هذا التمييز له أهمية كبيرة، إذ أن الهجمات المستمرة على محطات الضخ ومرافق التخزين والمصافي أو محطات التصدير قد تؤدي إلى اضطرابات أشد وطويلة الأمد في الإمدادات.
والجدير بالذكر أن إيران تحتفظ بخيارات عسكرية واسعة لتنفيذ مثل هذه الهجمات. فبالإضافة إلى الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، تمتلك إيران أعداداً كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى المتمركزة على طول الخليج والقادرة على استهداف السفن والبنية التحتية القريبة. كما يمكنها تصعيد الموقف باستخدام الطائرات المسيرة والسفن السطحية غير المأهولة وتكتيكات المضايقة البحرية التي اعتمدها الحوثيون اليمنيون قبل الحرب، بالإضافة إلى جهود زرع الألغام في مضيق هرمز. إن زرع الألغام بشكل محدود وحده -أو حتى مجرد تصور ذلك - يمكن أن يردع بشكل كبير حركة الشحن التجاري.
تومر رعنان
تباطأت حركة الملاحة البحرية داخل وخارج مضيق هرمز بشكل كبير منذ بدء الحرب، ونحو نصف الناقلات التي لا تزال تعبر الممر المائي تنتمي إلى" أسطول الظل" المرتبط بروسيا وإيران. دخلت بعض السفن المملوكة لليونان المضيق، وخرجت واحدة على الأقل محملة بالبضائع. وفي الوقت نفسه، تواصل إيران تحميل النفط والغاز النفطي المسال للتصدير (على الأرجح إلى الصين)، وقد خرجت بعض هذه السفن من المضيق، والجدير بالذكر أن الغاز النفطي المسال حمولة شديدة الاشتعال. أصبح من الصعب الآن تتبع حركة المرور في المضيق بسبب إيقاف السفن لأجهزة الإرسال والاستقبال والتداخل الكبير في الإشارات بالمنطقة.
تجعل مخاطر الحرب وارتفاع تكاليف التأمين الناقلات تتردد في عبور المضيق. التأمين متاح، لكنه بتكاليف أعلى بكثير من المعتاد. حتى لو تمكنت بعض الشركات من تعويض هذه التكاليف، فقد تقرر عدم العبور نظراً للمخاطر التي تتعرض لها سفنها وطاقمها. تعتبر شركات التأمين أن السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل أكثر عرضة للهجوم، وهو ما قد يكون أحد أسباب إعلان واشنطن مؤخراً عن خطة إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار.
لا يزال احتمال قيام الجيش الأمريكي بمرافقة السفن عبر المضيق غير مؤكد. أبلغت البحرية الأمريكية مسؤولي الصناعة أن مثل هذه المرافقة غير واردة، ولكن بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، أعلن الرئيس ترامب أن ذلك ممكن. أشار مالكو السفن إلى أن إعلان الرئيس لا يغير حساباتهم، لكن حسابات الصناعة تتغير بسرعة مع تطور الوضع وقد تتغير مرة أخرى. إذا بدأت البحرية الأمريكية في توفير الحراسة ونجحت في ذلك، فقد يصبح مالكو السفن أكثر استعداداً للعبور.
ومع ذلك، قبل أن تبدأ الحراسة، يجب استهداف قدرات إيران المضادة للسفن بشكل أكثر فعالية. خلال الأزمات الأخيرة في البحر الأحمر، أسقطت الولايات المتحدة وحلفاؤها مئات الطائرات المسيرة والصواريخ، ولكن هذا لم يؤدِ إلى عودة ملموسة لحركة المرور.
في مضيق هرمز، قد يؤدي إصابة ناقلة واحدة أثناء مرافقتها إلى استنتاج جميع مالكي السفن أن العبور محفوف بالمخاطر حتى مع وجود دعم عسكري. علاوة على ذلك، فإن تأمين المضيق لن يمنع بالضرورة إيران من استهداف السفن في أماكن أخرى من الخليج.
أعد هذا الملخص ويام هاموشين، ومايا تشافات، وآري ناجل، وغابرييل وين. تم إعداد سلسلة منتدى السياسات بفضل سخاء مؤسسة "وينكلر لوي".