- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4215
الانتقال من «الاستعجال الدبلوماسي» إلى «الصبر الاستراتيجي» في مواجهة إيران
على مدى عقود، استغلت طهران مراراً وتكراراً حالة "الاستعجال الدبلوماسي" الغربي لانتزاع تنازلات، وكسب الوقت، وإعادة بناء مواردها المالية؛ في حين يكمن البديل في تحويل عامل الزمن نفسه إلى أداة ضغط ضد نظام يزداد ضعفاً.
تبدو الجولة الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران انعكاساً لنمط مألوف في الدبلوماسية الأمريكية- الإيرانية تضمنت مقترحات، ومقترحات مضادة، وإشارات تكتيكية، وتفسيرات متنافسة لمفهوم الاستعجال. وفي غضون الأسبوعين الماضيين، كشف مسؤولون إيرانيون، عبر قنوات وسيطة، عن ملامح موقف أكثر تفصيلاً، غير أن الرئيس ترامب سارع إلى رفضه.، ثم أعقب ذلك طرح إيراني جديد بعد أيام، وسط تهديدات من البيت الأبيض باتخاذ إجراءات عسكرية - جرى لاحقاً "تعليقها ".
وباتت الديناميكية الاستراتيجية الأوسع أكثر وضوحاً؛ إذ يبدو أن الجمهورية الإسلامية مقتنعة بأن إدارة الوقت والتصعيد تصب في مصلحتها، في حين تواصل إدارة ترامب البحث عن آليات يمكن أن تخفف حدة الأزمة العالمية من دون إعادة الولايات المتحدة إلى الانخراط في عمليات عسكرية واسعة النطاق. ويؤدي هذا التباين في الإحساس بالإلحاح إلى تشويه بيئة التفاوض، إلا أن إعادة النظر في النهج الحالي قد تساعد في قلب المعادلة.
كيف تفسر إيران المفاوضات
لم تنشأ الاستراتيجية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة من التعامل مع إدارة واحدة أو من حادثة دبلوماسية بعينها. بل إنها تعكس حصيلة الدروس المتراكمة المستفادة من مراحل متعددة من التفاعل، بما في ذلك مع إدارات أوباما وبايدن وترامب.
أقنعت مفاوضات عهد أوباما صانعي السياسة الإيرانيين بأن الدبلوماسية المطولة والصبر الاستراتيجي - إن لم يكن التمسك المتشدد بمواقفهم - يمكن أن يزيدا تدريجياً من هامش مرونة الولايات المتحدة بمرور الوقت. والجدير بالذكر أن تلك المحادثات استمرت لأكثر من عامين، وجرت في ظل تهديد عسكري؛ فعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين فضلوا بوضوح المسار الدبلوماسي، أدركت طهران أن التصعيد العسكري ظل خياراً قائماً. وكانت الجمهورية الإسلامية أيضاً تعاني ضغوطاً اقتصادية حادة في ذلك الوقت، فيما كان يُنظر إلى قيادتها على أنها أكثر براغماتية نسبياً. وقد أدرك الرئيس آنذاك حسن روحاني مدى تأثير التدهور الاقتصادي على السكان، وساعد نفوذه لدى المرشد الأعلى علي خامنئي في دفع النظام نحو قبول الاتفاق النووي لعام 2015، سواء من حيث القيود التي فرضها أو المكاسب التي وفرها لإيران.
في المقابل، مرت سنوات بايدن من دون تحقيق مفاوضات مباشرة مثمرة. فقد عقدت إدارته جولات متعددة من المحادثات المكثفة وغير المباشرة مع إيران، لكنها انسحبت في نهاية المطاف عندما أصبح واضحاً أن النظام غير مهتم بالتوصل إلى اتفاق جديد في تلك المرحلة.
أسفرت فترتا حكم ترامب عن مجموعة مختلفة، ولكن لا تقل أهمية، من الدروس بالنسبة لإيران. فعلى امتداد ولايتيه، واجهت طهران عقوبات سياسية "الضغط الأقصى"، واستعداداً أمريكياً واضحاً للتخلي عن الاتفاقات السابقة، ومواجهة عسكرية مباشرة بالتوازي مع المسار التفاوضي، إلى جانب جهود أمريكية متكررة لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.
ويبدو أن النهج الأمريكي المتقلب عزز استنتاجين رئيسيين في طهران: أولهما أن الولايات المتحدة قادرة على ممارسة ضغوط شديدة، لكن النظام الإيراني يستطيع الصمود أمامها، حتى عندما تتحول هذه الضغوط في نهاية المطاف إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق؛ وثانيهما أن واشنطن لا ترغب فعلياً في خوض حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط، ولا سيما حرباً تتطلب عمليات برية طويلة الأمد مع احتمال تكبد خسائر أمريكية كبيرة. كما يراقب صانعو القرار الإيرانيون عن كثب الرأي العام الأمريكي، الذي يرى، في معظمه، أن الحرب الحالية تفتقر إلى مبرر كافٍ، فضلاً عن معارضته لتوسيع نطاقها. وتشكل هذه التصورات المتراكمة، أكثر من أي مبادرة دبلوماسية منفردة، الأساس الذي يحدد موقف طهران والمناخ التفاوضي العام.
الأهمية الاستراتيجية للوقت
يعكس النهج الدبلوماسي الإيراني مبدأ "الصمود المُنضبط" الذي تتبناه الجمهورية الإسلامية منذ سنوات طويلة. ومن هذا المنظور، لا تُعد المفاوضات، في المقام الأول، وسيلة للوصول إلى تسوية، بل أداة لإدارة الضغوط، وإطالة الأطر الزمنية، واختبار قدرة الخصوم على التحمل السياسي. وقد طبع هذا النهج سلوك طهران ليس فقط تجاه واشنطن، بل أيضاً تجاه فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بما في ذلك اتفاق كانون الأول/ديسمبر عام 2004، مع مجموعة E3 (المعروفة بـ "الترويكا الأوروبية")، بشأن التخصيب النووي، فضلاً عن الجهود الإيرانية اللاحقة لمنع تشكل جبهة أمريكية -أوروبية موحدة بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، ثم محاولة احتواء تداعيات تفعيل آلية "العودة الفورية" للعقوبات الأممية في العام الماضي.
واليوم، وسط النفوذ المتزايد للحرس الثوري الإسلامي (IRGC) وصعود شريكهم منذ فترة طويلة مجتبى خامنئي كمرشد أعلى جديد، تبدو طهران أكثر ثقة بأن المواقف المتشددة يمكن أن تحقق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. والافتراض الأساسي للنظام هو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تخفيف التوتر بشكل أكثر إلحاحاً من إيران. وينبغي أن يثير هذا الافتراض قلق صانعي السياسة الأمريكيين لأنه يؤثر بشكل مباشر على استعداد طهران لتقديم تنازلات. وطالما يعتقد النظام أن الحاجة الملحة الأمريكية ستؤدي في النهاية إلى تنازلات أمريكية، فلن يكون هناك حافز يذكر لإظهار مرونة إيرانية ذات مغزى.
وبالفعل، أدى عامل الوقت إلى تقليص أهمية عدد من النقاط الخمس عشرة التي تضمنتها خطة السلام الأولية لإدارة ترامب، بينما باتت الأهداف المتبقية تتركز بصورة أساسية حول الملف النووي. كما أن الاستمرار في طرح مقترحات جديدة بصورة علنية وبارزة قد يعزز استراتيجية طهران القائمة على استغلال المسارات الدبلوماسية لكسب الوقت، خصوصاً إذا واصل المسؤولون الأمريكيون الإشارة إلى عنصر الاستعجال في مواقفهم وتصريحاتهم.
نحو الصبر الاستراتيجي
لا يكمن الرد الأكثر فاعلية على هذه الاستراتيجية الإيرانية الممتدة لعقود في الانسحاب الدبلوماسي أو التصعيد العسكري الفوري، بل في اعتماد نهج الصبر الاستراتيجي.
وبالطبع، ينبغي لقوة عالمية مثل الولايات المتحدة أن تظل منفتحة دائماً على المفاوضات. ومع ذلك، لا ينبغي لأي قوة عظمى أن تبدو وكأنها تسعى إلى اتفاق بأي ثمن. وعلاوة على ذلك، ومن أجل نقل عبء المبادرة إلى طهران، يجب حصر التواصل في قنوات خلفية هادئة بدلاً من التصريحات العلنية المتكررة الصادرة عن رئيس الدولة. ويمكن للقنوات الدبلوماسية أن تظل نشطة خلال هذا التحول، لا سيما عبر وسطاء أكفاء وموثوقين، لكن ينبغي أن يصبح الحوار نفسه أكثر هدوءاً، وأقل علنية، وأقل اندفاعاً في ردود الفعل. فالهدف الاستراتيجي ليس إنهاء الدبلوماسية، بل إعادة تشكيل إدراك طهران لعامل الوقت.
في عام 2011، على سبيل المثال، وافق المسؤولون الإيرانيون على إجراء محادثات سرية وموضوعية وغير مباشرة في عُمان فقط بعد أن أدى الضغط المطول للعقوبات إلى تقليص هامش المناورة الاقتصادية للنظام بشكل كبير. ولا تزال تلك التجربة وثيقة الصلة بالواقع الحالي، خصوصاً أن نقاط الضعف الاقتصادية البنيوية في إيران أصبحت اليوم أكثر عمقاً واتساعاً.
وفي المقابل، فرضت الحرب الحالية قيوداً كبيرة على واشنطن وشركائها. ونظراً لأن الأنظمة المالية والبحرية العالمية باتت تعمل ضمن جداول زمنية أكثر حساسية وضيقاً، فإن أي اضطراب ممتد في مضيق هرمز قد ينطوي على تداعيات خطيرة على مستوى العالم، بما في ذلك اضطرابات أسواق الطاقة، وتأخير حركة الشحن، وتقلبات تكاليف التأمين، وتداعيات اقتصادية أوسع. ويبدو أن صانعي القرار في طهران يدركون جيداً هذه النقطة الحساسة، ويعملون على استغلالها؛ إذ قد يراهنون على أن استمرار الضغط على هذه القطاعات سيدفع، في نهاية المطاف، دولاً أخرى إلى ممارسة ضغوط على واشنطن من أجل التوصل إلى تسوية. وفي المقابل، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها ممارسة ضغوط مماثلة على إيران نفسها (كما سيرد أدناه).
على الرغم من أن القيود المرتبطة بمضيق هرمز تفرض معضلات استراتيجية حقيقية، فإن مهمة إعادة الاستقرار وفتح هذا الممر المائي بشكل كامل ستظل، على الأرجح، شديدة الصعوبة في المدى القريب ما لم تكن واشنطن مستعدة لاتخاذ خطوات أخرى مكلفة سياسياً واستراتيجياً - سواء عبر تقديم تنازلات أوسع في ملفات جوهرية قد تضر بالمصالح الأمريكية طويلة الأمد، أو من خلال الانخراط في حملة عسكرية واسعة النطاق ومعقدة للغاية. لذلك، قد يكون الخيار الأكثر واقعية وفاعلية هو تقليص التركيز على تحقيق تسوية سريعة، مقابل تبني استراتيجية ضغط ممتد ومدروس، تترافق مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي. وسيتعين تطبيق هذا الضغط عبر عدة مسارات متزامنة في آن واحد:
الضغط البحري. لعل أهم وسيلة ضغط يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع استخدامها في هذا القطاع هي القوة البحرية ذات المصداقية، بما في ذلك استمرار إجراءات الحصار ضد الموانئ والسفن الإيرانية، والإنفاذ البحري، والوجود البحري حول مضيق هرمز. ومن شأن الضغط البحري المستمر أن يقوض بشكل مباشر قدرة طهران على توليد الإيرادات، لا سيما من صادرات النفط، كما أنه سيحفز الأطراف الإقليمية والدولية على السعي إلى تخفيف التوتر، بما في ذلك من خلال الضغط على النظام لتقديم التنازلات المطلوبة.
الضغط البري والمالي. لا تكفي الإجراءات البحرية وحدها - فقد أمضت إيران سنوات في إنشاء ممرات تجارية بديلة وآليات للتهرب من العقوبات عبر وسطاء إقليميين. وبناءً على ذلك، هناك حاجة إلى إطار أوسع للضغط الاقتصادي، بما في ذلك:
- تشديد الإنفاذ ضد الشبكات التجارية والمالية المرتبطة بجيران إيران.
- فرض حصار بري يستهدف الكيانات التجارية المرتبطة بالنظام التي تعمل عبر تركيا والعراق وباكستان، وأفغانستان، وأرمينيا، وتركمانستان.
- ممارسة ضغوط أكبر على الكيانات التجارية والمالية المرتبطة بالصين على وجه الخصوص، وكذلك بروسيا والهند ودبي. (قد تصبح عمان في نهاية المطاف جزءاً من هيكل إنفاذ أوسع نطاقاً أيضاً).
الهدف ليس إثارة المواجهة مع هذه الدول، بل رفع التكلفة على مجموعة واسعة من البنوك وشركات الشحن ووسطاء الطاقة وشركات الخدمات اللوجستية وشركات التأمين والكيانات الأخرى التي تعمل في أراضيها وتساعد إيران على التهرب من العقوبات. وفي الوقت نفسه، ينبغي ترك قطاعي التجارة الإنسانية والطبية ليواصلا العمل دون قيود.
القيود الداخلية في طهران
تتعزز الحاجة إلى الصبر الاستراتيجي أكثر بسبب الظروف الداخلية الراهنة في إيران. فعندما وصلت الجمهورية الإسلامية إلى السلطة، وعدت الشعب الإيراني بالازدهار الاقتصادي، والنفوذ الجيوسياسي، والقوة الاستراتيجية. غير أن الفجوة بين تلك الوعود والواقع اتسعت تدريجياً على مدى العقود الماضية - واليوم أكثر من أي وقت مضى - يواجه النظام تدهوراً اقتصادياً هيكلياً، وعزلة متزايدة، وإحباطاً اجتماعياً واسع النطاق.
كما كشفت المواجهات العسكرية الأخيرة عن نقاط ضعف إضافية في بنية النظام. فتمكن إسرائيل والولايات المتحدة من فرض تفوق عملياتي سريع على أجزاء واسعة من المجال الجوي الإيراني أظهر مستوى من الهشاشة العسكرية كان من الصعب على القيادة الإيرانية أو حتى الرأي العام الداخلي تصوره في السابق.
ولا يعني ذلك أن النظام يواجه انهياراً وشيكاً، لكنه يشير إلى أن الرواية الاستراتيجية طويلة الأمد للجمهورية الإسلامية باتت تتعرض لضغوط متزايدة في الداخل. والسؤال هو ما إذا كانت فترة طويلة من الهدوء النسبي والضغط الاقتصادي المستمر والصبر الاستراتيجي ستؤدي إلى قلب التوازن الداخلي تدريجياً بين الصمود والإرهاق.
الخلاصة
لا تكمن الميزة الرئيسية لواشنطن في هذه المواجهة في التفوق العسكري فحسب، بل تتمثل أيضاً في القوة الاقتصادية الهيكلية للولايات المتحدة، ونفوذها المالي العالمي، وبنية تحالفاتها، وقدرتها على الحفاظ على الضغط على المدى الطويل دون استنزاف مواردها أو إرهاقها سياسياً. وتمثل هذه العناصر أدوات قوة دولة عظمى، ويشكل استخدامها بشكل متكامل مساراً موثوقاً لتحقيق نتائج استراتيجية دون الحاجة إلى تصعيد عسكري فوري.
وعلى النقيض من ذلك، من المرجح أن يؤدي أي قرار قصير الأمد باستئناف ضربات عسكرية واسعة داخل إيران إلى نتائج محدودة مقارنة بالأهداف المرجوة، في ظل الظروف الاستراتيجية الحالية للنظام وطبيعة حساباته. فعلى سبيل المثال، قد يقترح البعض تنفيذ ضربة محدودة ضد هدف إيراني مهم في قطاع الطاقة، إلا أن من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في موقف طهران، بل قد يدفعها إلى تصعيد الهجمات ضد أهداف طاقة حيوية في الخليج. أما الضربات الشاملة ضد البنية التحتية الإيرانية للطاقة والكهرباء فقد تحقق تأثيرات كبيرة، لكنها ستلحق في الوقت نفسه أضراراً جسيمة بالسكان وتزيد من تعقيد مرحلة ما بعد النزاع.
وبالتالي، لا يتمثل التحدي الأساسي بالضرورة في كيفية التوصل إلى اتفاق فوري مع طهران، بل في كيفية منع الزمن نفسه من أن يتحول إلى أصل استراتيجي لصالحها. وبعبارة أخرى، يتعلق الأمر بإعادة توجيه حسابات النظام نحو تسوية طويلة الأمد، لا سيما في الملف النووي. ومن هنا، قد يكون النهج الأكثر فاعلية هو تبني صبر استراتيجي منضبط يقوم على المبادئ التالية:
- تعزيز النفوذ الاقتصادي بشكل كبير، خصوصاً عبر تشديد إغلاق المعابر البرية المحيطة بإيران.
- الحفاظ على الردع الإقليمي، بما في ذلك عبر تدابير إنفاذ بحرية مستمرة والاحتفاظ بتهديدات موثوقة بإمكانية استئناف الضربات ضد أهداف النظام.
- الإبقاء على قنوات دبلوماسية هادئة ومفتوحة بشكل دائم.
ولا يضمن هذا النهج تحقيق نتائج سريعة، لكنه يعيد تشكيل المعادلة الاستراتيجية التي اعتمدت عليها طهران لعقود، والقائمة على استغلال الوقت لكسب النفوذ وترسيخ موقعها الإقليمي.