- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4214
استراتيجية مكافحة الإرهاب المنفصلة عن الواقع
في تركيزها على عصابات الكارتل وتنظيمات الجريمة المنظمة في نصف الكرة الغربي، فضلاً عن التطرف اليساري، تتجاهل "التحول الجذري" الذي تصفه الإدارة جملةً من التهديدات القادمة من الشرق الأوسط ومن أقصى اليمين، فيما يبدو أنها تتخلى عن الدبلوماسية وبناء القدرات بوصفهما أداتين محوريتين.
في السادس من مايو/أيار، أصدرت إدارة ترامب في ولايتها الثانية استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب، وهي وثيقة تختلف في أولوياتها ومحاورها عن سابقاتها، بما فيها استراتيجية الولاية الأولى لترامب. غير أنها لا تُفاجئ في مجملها في ضوء التوجهات السياسية الشاملة للإدارة خلال ولايتها الحالية. فالاستراتيجية:
- تُحدد جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها المحرك الرئيسي للإرهاب الجهادي.
- تُوسّع نطاق مكافحة الإرهاب ليشمل تنظيمات الكارتل والعصابات.
- تُولي أولوية خاصة لظاهرة الإرهاب اليساري.
تصف الإدارة هذه الأولويات الجديدة بأنها "تحول جذري" عن السياسة السابقة لمكافحة الإرهاب، مستندةً إلى "تقييمات للتهديدات قائمة على الواقع". بيد أن الوثيقة كثيراً ما تقصر عن تحقيق معاييرها المُعلنة، وتثير في آنٍ واحد تساؤلات جدية حول طريقة تحديد الإدارة لأولويات التهديدات الإرهابية، ومدى قدرتها على الإيفاء بمهمتها. فإيران وشبكة وكلائها لا تحظى بالحضور الكافي في هذه الاستراتيجية. وقد تخرج طهران من الحرب الدائرة حالياً أشد خطورةً وأكثر عزيمةً، مع بقاء شبكة وكلائها سليمة — وهي تهديدات قد تستلزم إعادة نظر جوهرية في المقاربة التي تتبناها هذه الوثيقة.
أولاً: الأولويات
تُعدّد الاستراتيجية ثلاثة أنواع رئيسية من الجماعات الإرهابية التي تواجهها الولايات المتحدة: إرهابيو المخدرات والعصابات العابرة للحدود؛ والجهاديون العالميون كتنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)؛ والمتطرفون اليساريون العنيفون بما فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية. وتُوضح الاستراتيجية أن القتال ضد عصابات الكارتل في نصف الكرة الغربي يتصدر سلم الأولويات، وهو ما يمثل تحولاً لافتاً عن استراتيجية ترامب في ولايته الأولى، التي أكدت أن "الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين يظلون التهديد الإرهابي العابر للحدود الأول للولايات المتحدة."
وفي حين يُعدّ الاستمرار في التركيز على الجماعات الجهادية العالمية أمراً مشروعاً نظراً لما يتمتع به تنظيما داعش والقاعدة من نشاط وخطورة في أرجاء العالم، فإن منظومة الأولويات برمتها تستدعي قلقاً بالغاً لأسباب عدة:
- تُبيّن الاستراتيجية أن الإدارة تعتزم تخصيص موارد إضافية لمواجهة عصابات الكارتل في نصف الكرة الغربي التي صُنِّفت حديثاً منظمات إرهابية أجنبية. وفي ظل تقلص الموارد المخصصة لمكافحة الإرهاب، بما فيها المساعدات الخارجية، فإن هذا التخصيص سيُقلص الأصول المتاحة للتصدي للتهديدات الإرهابية الأشد خطورة، ولا سيما تلك الصادرة عن الجماعات الجهادية العالمية والجهات المرتبطة بإيران. وقد اقتصر تركيز جهود مكافحة الإرهاب في نصف الكرة الغربي تاريخياً على جهود محدودة، باستثناء العمليات المستهدفة ضد الجهات المرتبطة بإيران. غير أن الموارد المحدودة للمساعدات الخارجية في مجال مكافحة الإرهاب لدى وزارة الخارجية ستتمحور على الأرجح بصورة متزايدة حول التصدي للعصابات والكارتل في المنطقة، على حساب أولويات بالغة الأهمية في مناطق أخرى. وقد تتداخل هذه الجهود مع عمل مكتب الشؤون الدولية لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون في وزارة الخارجية، الذي ظل هذا الملف والمنطقة أولويةً محوريةً له على مدى عقود.
- يبدو غياب إيران عن الفئات الثلاث لأولويات مكافحة الإرهاب في هذه الاستراتيجية أمراً مُحيّراً في ضوء الحرب المندلعة منذ أواخر فبراير/شباط. وعلى الرغم من أن التهديدات الإيرانية تُعالَج لاحقاً في الوثيقة، يظل نطاق تناولها مقتصراً على الملف النووي وبرنامج الصواريخ ودعم طهران لوكلائها، دون الإشارة إلى الأنشطة الإرهابية الإيرانية المباشرة. فقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإسلامي ووزارة الاستخبارات الإيرانية تنشطان بشكل ملحوظ في تدبير مخططاتهما، بما في ذلك على الأراضي الأمريكية. ويزداد تهميش إيران غرابةً إذا أخذنا في الحسبان التورط المباشر لقوة القدس في مخططات لاغتيال الرئيس ترامب. (وقبل أيام قليلة فحسب من اندلاع الحرب مع إيران، أقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي نحو اثني عشر موظفاً من فريق مكافحة التجسس المختص برصد التهديدات الإيرانية، بحجة أنهم كانوا متورطين في تحقيقات مار-أ-لاغو المتعلقة بالرئيس إبان سنوات بايدن.)
- تُبرز الاستراتيجية الإرهاب اليساري بوصفه أولوية قصوى، لكنها تُغفل تماماً نظيره في أقصى اليمين، في الوقت الذي وثّقت فيه رابطة مناهضة التشهير ارتفاعاً حاداً في معدلات الهجمات الإرهابية اليمينية داخل الولايات المتحدة مقارنةً بنظيراتها اليسارية. بل إن تقارير الإرهاب القُطرية لعام 2024، التي نشرتها وزارة الخارجية في مطلع مايو/أيار، ترصد مخططات مرتبطة بالنازيين الجدد وأنصار التفوق الأبيض وسائر إرهابيي اليمين المتطرف.
ثانياً: أهمية الشرق الأوسط
من منظور أشمل، تبعث الوثيقة برسائل متضاربة حول مدى أهمية الشرق الأوسط في جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية، وكأنها تتعمد التهوين من هذه التهديدات لتبرير التحول نحو نصف الكرة الغربي. تُقرّ الاستراتيجية بأن الجهاديين العالميين وإيران يمثلان مصدرَي قلق رئيسيين، وتُشدد على أهمية حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر في سياق الحرب الدائرة مع إيران.
بيد أن الاستراتيجية تذهب أيضاً إلى أنه في حين ظل الشرق الأوسط بؤرة اهتمام مكافحة الإرهاب الأمريكي منذ ستينيات القرن الماضي، فإن التنامي المطرد في الإنتاج النفطي المحلي يجعل المنطقة أقل مركزيةً لاستقرار أمريكا. كما تتهاون الاستراتيجية في تناول التهديدات الفردية في الشرق الأوسط؛ فبعد الإشادة بدور الرئيس ترامب في القضاء على "خلافة" داعش في العراق وسوريا عام 2019، يكتفي الوثيقة بالإشارة إلى أن "البقايا الناجية" اضطرت للانتقال إلى أفريقيا وآسيا الوسطى، دون أي مناقشة للتهديد الراهن في العراق وسوريا، رغم ما شهدناه من إفلات الآلاف من مقاتلي داعش وذويهم من مخيمات النازحين ومرافق الاحتجاز في سوريا. وربما يعكس ذلك رغبةً في تجنب تسليط الضوء على وضع سوريا المضطرب وتصاعد التوترات الأمريكية مع العراق، مع ما تزيده تقليصات القوة العسكرية الأمريكية من غموض وارتباك. أما قطاع غزة فلا يرد إلا في مقدمة الرئيس، ربما لأن الاعتراف بمشكلة إرهابية فيه سيتناقض مع رواية الإدارة القائلة بأنها أرست السلام في المنطقة. وعلى العموم، تُوحي الوثيقة بطموحات للانكفاء عن الشرق الأوسط، حتى وإن كانت الحرب مع إيران تُنبئ بأن الواقع قد يُعاكس هذه الطموحات.
ثالثاً: الأدوات الأمريكية
تفتقر الاستراتيجية إلى التفاصيل حول كيفية تنفيذ هذا النهج الجديد، إذ تُركز بصورة عامة على الخيارات الميدانية القاضية بتصفية الإرهابيين. فإذا ضرب الإرهابيون الولايات المتحدة أو مواطنيها، يُحذّر الرئيس ترامب: "سنجدكم وسنقضي عليكم." وتحضر العقوبات وإنفاذ القانون وإجراءات الهجرة بوصفها أدوات في المواجهة. لكن الوثيقة لا تتجاوز هذه الخطوط في رسم مسار نحو النجاح.
وتكاد الاستراتيجية تخلو من أي ذكر للدبلوماسية وبناء التحالفات، وهما ركيزتان راسختان في النهج الأمريكي لمكافحة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وشكّلتا عنصرين محوريين في استراتيجية مكافحة الإرهاب لدى الولاية الأولى لترامب. وقد اعتادت الولايات المتحدة حشد حكومات أخرى حول أولوياتها في مكافحة الإرهاب، والعمل على تشكيل المعايير الدولية بما يتوافق مع قيمها. فعلى سبيل المثال، أسست واشنطن وقادت التحالف الدولي لهزيمة داعش الذي يضم تسعين عضواً؛ وأنشأت وتولت إدارة منتديات دولية مكرسة لمكافحة الإرهاب الإيراني؛ وصاغت قرارات مجلس الأمن الدولي ودفعت باتجاهها بشأن المقاتلين الأجانب وتمويل الإرهاب وغيرها. كما أسهمت الدبلوماسية الأمريكية بصورة بارزة في إقناع حكومات عدة بتصنيف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله منظمتين إرهابيتين. غير أن المرجعية الوحيدة للدبلوماسية في الوثيقة هي "الدبلوماسية الرئاسية" التي يُمارسها الرئيس ترامب لتأمين الإفراج عن الرهائن الأمريكيين.
كذلك لا تُشير الاستراتيجية إلى بناء القدرات بأي قدر من الجدية، في حين خصصت استراتيجية الولاية الأولى لترامب خطاً متكاملاً من الجهود لـ"تعزيز قدرات شركائنا في مكافحة الإرهاب." ويُعدّ هذا الركن ضرورياً للسياسة الأمريكية في مكافحة الإرهاب نظراً لمحدودية إمكانيات كثير من هؤلاء الشركاء. وقد ظل بناء القدرات لسنوات ركيزةً أساسية في جهود واشنطن لتحفيز الشركاء على التصدي للتهديدات التي يطرحها داعش والقاعدة وإيران ووكلاؤها.
وعوضاً عن ذلك، تعود الوثيقة مراراً إلى مبدأ "تقاسم الأعباء"، إذ تدعو في جوهرها إلى أن الولايات المتحدة قد أدت دورها، وتُطالب سائر الحكومات ببذل مزيد من الجهد. فوفق الاستراتيجية، على الدول الأوروبية أن تُكثّف أنشطتها في مكافحة الإرهاب وأن تُقدم دعماً أكبر للدول الأفريقية، فيما تُقدَّم آسيا باعتبارها خارج نطاق مسؤولية الولايات المتحدة في معظمها، وتدعو الاستراتيجية دول جنوب آسيا ووسطها إلى تحمل قدر أكبر من أعباء مكافحة الإرهاب عبر القارة.
وهذا التشكيك الواضح في جدوى بناء القدرات لمكافحة الإرهاب ليس مفاجئاً في ضوء المواقف الأشمل للإدارة من المساعدات الخارجية. وينعكس هذا التحول في طلب ميزانية السنة المالية 2027 المُقدَّم إلى الكونغرس في مطلع أبريل/نيسان، حيث طلبت وزارة الخارجية 240 مليون دولار للمساعدات في مجال مكافحة الإرهاب، وهو انخفاض حاد مقارنةً بالطلب الأخير لإدارة بايدن البالغ 330 مليون دولار للسنة المالية 2025.
وأخيراً، لا تُولي الاستراتيجية الأمريكية سوى اهتمام هامشي لمكافحة التطرف والتجنيد، رغم أنهما شكّلا خطاً مستقلاً من الجهود في استراتيجية الولاية الأولى لترامب. فقد تضمنت الاستراتيجية السابقة محاور منفصلة لـ"بناء هيكل للوقاية"، وتعزيز دور المجتمع المدني، ودعم جهود إعادة الاندماج، وإرساء منصات فعالة لمواجهة الخطاب المتطرف. وتُعرب الوثيقة الراهنة عن قلق إزاء عمليات تطرف مواطنين من جنوب آسيا والعالم العربي على الأراضي الأمريكية، وإزاء حجم الدعاية المعادية للغرب. غير أن الحل المُقترح يبدو مثيراً للاستغراب — وهو تطوير عمليات المعلومات وجهود مواجهة الدعاية — وذلك في ضوء تفكيك الإدارة للمركز العالمي للمشاركة وقناطر الاتصال، فضلاً عن قنوات البث الممولة والمشغلة أمريكياً. وعلى المنوال ذاته، يلفت الغياب التام لدعم برامج التأهيل وإعادة الاندماج، خاصةً أن الولايات المتحدة طالما ضغطت على الدول لاسترداد مقاتلي داعش وذويهم من سوريا والعراق، مُشيرةً إلى هذه البرامج بوصفها عنصراً حاسماً في الحد من التهديدات المرتبطة بهم.
خاتمة
أوضحت إدارة ترامب الثانية خلال ستة عشر شهراً الأولى أنها تنتهج مقاربةً في مكافحة الإرهاب مغايرةً جوهرياً لما درجت عليه الإدارات السابقة. وبينما يُؤكد التحول الذي تُجسّده الاستراتيجية الجديدة هذا التوجه، فإنها تترك في الوقت ذاته أسئلةً كثيرة معلقة حول كيفية تحويل هذه الرؤية إلى واقع. حين تنتهي الحرب مع إيران، ستكون الإدارة مطالَبةً ببيان تداعيات المشهد الناجم عنها على أولوياتها وتخصيص مواردها، لصون المواطنين الأمريكيين والمصالح الوطنية في مواجهة التهديدات القادمة من الشرق الأوسط.