أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3237

خطاب خامنئي الجديد يؤكد أهمية الدعم الشعبي للنظام

مهدي خلجي

متاح أيضاً في English فارسی

8 كانون الثاني/يناير 2020


في الثامن من كانون الثاني/يناير، ألقى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي خطابه العلني الأول منذ قيام الولايات المتحدة باغتيال قاسم سليماني والضربة الصاروخية الإيرانية اللاحقة على القواعد العراقية التي تضم قواتٌ أمريكية. وفي إطار الكلمة التي تطرّقت إلى التضامن الإقليمي بوجه واشنطن وغير ذلك من المواضيع المهمة، أمضى خامنئي وقتاً طويلاً في إدعائه بأن سليماني كان رمزاً لالتزام الشعب الإيراني المستمر بالثورة. وبقيامه بذلك أشار إلى أن الدعم الشعبي للنظام لا يزال هدفاً جوهرياً تصبو إليه القيادات الإيرانية ربما بدرجة أكبر من سعيها إلى توجيه تهديدات عسكرية إضافية أو تنفيذها.

تصوير سليماني باعتباره النموذج الثوري

في الكلمة التي ألقاها خامنئي أمام مجموعة من المواطنين في مدينة قُم - كما اعتاد كل عام في ذكرى التظاهرات المناهضة للشاه التي شهدتها المدينة قبل الثورة - وصف قائد «فيلق القدس» الراحل بمجموعة من االصيغ التفضيلية بقوله: "كان الشهيد سليماني شجاعاً وحكيماً وبارعاً في الإدارة... ليس في ساحة المعركة فحسب بل في معترك السياسة ككل... كانت كلماته مؤثّرة ومقنعة، وقبل كل شي صادقة. وقد استخدم شجاعته وحكمته أداةً في خدمة الله، ولم يعرف النفاق بتاتاً". وعلى الرغم من إقرار المرشد الأعلى بنزعة سليماني "المغامرة"، إلا أنه جادل بأن القائد السابق لـ «فيلق القدس» كان في الوقت نفسه "حريصاً على حماية الناس من حوله وجنوده وزملائه الأجانب."

وتابع خامنئي واصفاً سليماني بالرجل "الثوري" الملتزم التزاماً صارماً بالقواعد الدينية: على سبيل المثال، قال إنه "كان يمتنع عن استخدام الأسلحة حيثما كان استخدامها محظوراً". وتحدّث على نطاق أوسع مشيداً "بتفانيه للثورة بدون أنانية" و"اعتباره المبادئ والممارسات الثورية خطاً أحمر" كما وبتنزّهه عن الانتماءات الحزبية أو الفئوية. ولا بد من التنبّه إلى ما يقصده خامنئي حين يلقّب شخصاً ما بـ "الثوري" - بأشادته على وجه التحديد بولائه الأعمى لرغبة المرشد الأعلى وأوامره. وبنظره أنّ كل الذين يصفون أنفسهم بالثوريين دون إظهار التفاني اللازم له [كمرشد أعلى] (أي ممثل الله على الأرض) هم مخادعون يجب افضاح أمرهم.

فضلاً عن ذلك، أشاد خامنئي بدور سليماني في دعم أهداف النظام في الشرق الأوسط حين قال: "أنا اليوم أنحني إجلالاً لما بادر به ونفّذه لمصلحة هذه الدولة وحتى المنطقة. إنه لإنجازٌ عظيم. لقد كان عمله لا يضاهى". وتوسّعت فقراتٌ أخرى من الخطاب حول هذا الموضوع جاء فيها: "تمكّن، من خلال مساعدة شعوب المنطقة وضمان مساندتهم، من إحباط جميع المخططات الأمريكية غير المشروعة" في بلدان مثل العراق وفلسطين وسوريا. وأشاد خامنئي بشكل خاص بالتأثير الذي تركه سليماني على لبنان: "لقد ازداد «حزب الله» قوةً والحمد لله، ليصبح اليوم عين لبنان ويده. وشهيدنا العزيز لعب دوراً مميزاً ومذهلاً في هذا الأمر".

ولكن محور اهتمام المرشد الأعلى بقي محلياً. فإلى جانب الثناء على مهارات سليماني الثورية، لفت إلى أن مقتله كان "بركة" نوعاً ما لأنه أثار الصفات نفسها لدى الشعب الإيراني: "لقد صوّر بعض الناس الثورة على أنها ميتة في إيران ... ولكن استشهاده أثبت أن الثورة حيّة. هل رأيتم ماذا حدث في طهران؟ وفي مدن أخرى؟" والمقصود بهذه الأسئلة مراسم التشييع المذهلة التي أقيمت لسليماني في الأيام الأخيرة، علماً بأن بعضها احتدّ لدرجة أسفرت عن مقتل عشرات المشيّعين بسبب التدافع. ثم انتقل خامنئي إلى اتهام "العدو" بتصنيف سليماني بالإرهابي: "الأمريكيون غير العادلين، الأمريكيون الكاذبون، الأمريكيون السخفاء، الذين لا قيمة لكلماتهم... اصفعيهم أيتها الأمة الإيرانية!"

رد الفعل على الهجوم الأمريكي

ناقشت كلمة خامنئي في بعض أجزائها طبيعة التدابير التي اتخذتها إيران بعد اغتيال سليماني والغرض منها. فقال متفاخراً: "في الليلة الماضية وجّهنا لهم صفعة على وجوههم" متحدثاً عن الهجوم الذي شنّته إيران بالصواريخ الباليستية على منشآت أمريكية في العراق. ولكن الهدف الأكبر برأيه، والمتمثل بإنهاء "الوجود الأمريكي المُفسد"، هو أمر بالغ الأهمية: "لقد جلبوا الحروب إلى هذه المنطقة والخلافات والفتن والدمار... ويصرّون على فعل الأمر نفسه لدولتنا العزيزة إيران ولجمهوريتنا أيضاً. إن مسألة 'التفاوض' و 'الجلوس إلى الطاولة' وما إلى ذلك هي مجرد تمهيدٌ للتدخل".

ولكن بخلاف اللغة العدائية التي استخدمها مؤخراً في خطابات أخرى، لم يوجّه خطاب خامنئي في الثامن من كانون الثاني/يناير أي تهديد واضح للحكومات الأجنبية - ليس فقط للولايات المتحدة، بل لخصوم إيران في المنطقة أيضاً. والواقع أنه ألمح بسلاسة إلى أنه لا يَعْتبِر أياً من الدول الملكية العربية عدوةً لطهران على الرغم من كل الحقد بين الطرفين: "يجب أن نعرف العدو، وبوسعي أن أجزم أن العدو هو أمريكا والنظام الصهيوني"، وشمل في هذه الفئة الأطراف الحكومية والشركات الخاصة، فجمعها معاً تحت صفة "الناهبين والطغاة وأشباههم في العالم".

ثم قدّم مزيجاً أكثر وضوحاً جمع ما بين السلام والتهديد: "نحن لا نعتبر القوى الإقليمية أو الخارجية التي أبدت أحياناً تعليقات ضدنا عدوةً لنا. هي ليست عدوة طالما لا تخدم عدونا الحقيقي ضدنا في ممارساتها". ومن المرجح أن المقصود بهذا الخطاب هو ترك انطباع متضارب لدى الزعماء الآخرين في الشرق الأوسط، بطمأنتهم من جهة بأن طهران ليس لديها نية لزعزعة الاستقرار في بلدانهم أو الإضرار بمصالحهم، وتحذيرهم من جهة أخرى من مساعدة أمريكا أو إسرائيل في تنفيذ خطط تهدف إلى إلحاق الأذى بإيران - وهذه صياغة واسعة النطاق يمكن أن تغطي كل شيء من العمليات العسكرية إلى العقوبات المالية.

التأكيد على الشرعية المحلية

كان الغرض أيضاً من أنشودة التسبيح التي ألقاها خامنئي وتناولت الفوائد الفريدة لحياة سليماني وموته هو تذكير المستمعين بالرابطة القوية المفترضة بين الجمهورية الإسلامية وشعبها. وإذ أشار إلى التاريخ العاصف لثورة 1979 والسنوات اللاحقة، أعلن أن إيران قادرة على التغلب على خصومها ليس بسبب القوة العسكرية، بل من خلال "الأيدي الفارغة" والقلوب المليئة بالإيمان بالله. ورغم أن إيران قوية عسكرياً في الوقت الحالي، إلّا أنه جادل بأن أفضل طريقة للاستمرار بالتصدي لخصومها هي باعتماد الشعب على إيمانه وتصميمه: "إنّ بث الشك في نفوس الشعب هو ما يسعى إليه العدو، وإذا حدث ذلك فقد يؤثّر على قدرات إيران الهجومية وحتى الدفاعية."

وكمثال على ادعائه بأن العدو يعمل باستمرار على إضعاف إيران عبر المؤامرات السياسية والاقتصادية، أشار خامنئي إلى احتجاجات البنزين في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قائلاً: "في دولة أوروبية صغيرة بل خبيثة وبائسة جداً، اجتمع عنصر أمريكي مع مجموعة من المرتزقة والخونة الإيرانيين للتآمر على الجمهورية الإسلامية، وتم تنفيذ مخططهم بعد بضعة أيام حول قضية البنزين". (ربما كان البلد الذي أهانه هو جمهورية التشيك، التي تستضيف "راديو فاردا" الذي تموله الولايات المتحدة؛ أما بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين الذين يجتمعون مع شخصيات من المعارضة الإيرانية، فهذه مسألة تتعلق بالسجل العام، رغم ميل خامنئي إلى استخدام مثل هذه الاتصالات كوقود لنظريات المؤامرة بعيدة المدى.)

باختصار، عزا خامنئي مجدداً "الانتصارات" التي حققتها إيران في السنوات الأربعين الأخيرة إلى القوّة الروحية التي تتمتع بها النخبة الحاكمة و[الشعب] المحكوم الوفي، في حين أنحى باللائمة على جميع الاحتجاجات ومشاعر الاستياء من النظام على أطراف شريرة في الخارج. وفي الوقت نفسه، سعى إلى إلقاء كلمة من شأنها أن تعزز الآثار المسرحية لمراسم تشييع سليماني وتعيد إظهار النظام بصورة الدولة الشعبية غير الخائفة من أزمة محلية قاتلة. وفي النهاية، كان يهدف إلى إظهار تمتع النظام بدعم شعبي ليس للبقاء في السلطة فحسب، بل لمواصلة سياساته الإقليمية التي أثارت الكثير من السخط الدولي أيضاً.

وتُعتبر هذه التشويهات مذهلة لأنها تبيّن أن المرشد الأعلى لا يزال يشعر بحاجة ماسة إلى تصوير نظامه على أنه يتمتع بشعبية - حتى في دولة استبدادية إلى حدٍّ بالغ والتي أثبتت استعدادها لقمع المعارضة بعنف حسب الضرورة. وهذا منطقي من الناحية العملية لأن الحكومة الإيرانية لا تستطيع الاعتماد إلى ما لانهاية على الإكراه الوحشي الذي يمارَس منذ تشرين الثاني/نوفمبر. ومع ذلك، فعلى الرغم من الألم الذي انتاب خامنئي بسبب خسارة سليماني، والضغوط المزعجة المترتبة عن أزمة البنزين، يبدو أن المرشد الأعلى واثقاً بعدم وجود إمكانية تُذكر لمعاودة نشوب أزمة محلية عميقة في المستقبل القريب. وفي رأيه، سيساعد موت سليماني على منع نشوب مثل هذه الأزمة، وذلك جزئياً من خلال تعزيز انقسام المعارضة غير المنظّمة التي لا قيادة لها، وعبر السماح للحكومة بتبرير الإجراءات الأمنية الداخلية الإضافية في الوقت الذي أصبح فيه شبح الحرب أكثر وضوحاً بكثير في الوقت الحالي.

 

مهدي خلجي هو زميل "ليبيتزكي فاميليفي معهد واشنطن.