- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4183
التصدي للتهديدات الصادرة عن وكلاء إيران وشركائها في وقت الحرب
يناقش ثلاثة خبراء كيفية تفاعل "حزب الله" والحوثيين في اليمن والميليشيات الموالية لإيران في العراق مع الحرب حتى الآن، ويحددون الخطوات التي يمكن أن تتخذها واشنطن وشركاؤها الإقليميون للحد من مزيد من التصعيد.
في الثاني آذار/مارس، عقد معهد واشنطن منتدىً سياسياً افتراضياً مع حنين غدار، وأبريل لونغلي ألي، ومايكل نايتس. غدار هي زميلة "فريدمان" في "برنامج «ليندا وتوني روبين» حول السياسة العربية" في معهد واشنطن. ألي هي زميلة بارزة في المعهد ومستشارة سياسية سابقة للمبعوث الأممي إلى اليمن. أما نايتس فهو زميل مساعد في المعهد، ومؤسس مشارك في منصة "الأضواء الكاشفة للميلشيات"، والمدير التنفيذي للمنتجات "، شركة "Horizon Engage".
وفيما يلي ملخص لأبرز الملاحظات التي طرحها المتحدثون.
حنين غدار
إن انخراط "حزب الله" في الحرب الإيرانية لا يمكن تفسيره من منظور لبناني، لكنه يصبح مفهوماً عند التذكير بأن الميليشيا تُعد في الأساس امتداداً لـ"فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإيراني". فقد أُنشئ "حزب الله " لهذه اللحظة تحديداً - إذ أسست طهران الجماعة قبل أكثر من أربعة عقود للدفاع عن النظام الإيراني في أوقات الأزمات. وكانت هجماته الأخيرة على إسرائيل شبه حتمية منذ اللحظة التي واجه فيها النظام تهديداً وجودياً - والمقصود هنا وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي. وتعكس "نظرية النصر" لدى "حزب الله " جوهر الاستراتيجية الإيرانية: فهم لا يسعون إلى تحقيق نصر حاسم، بل إلى ضمان البقاء.
وبناءً على ذلك، تآكلت بالفعل الحدود الهشة التي كانت تفصل سابقاً بين قيادة "الحرس الثوري الإيراني" وقيادة "حزب الله ". إذ يتولى الضباط الإيرانيون داخل لبنان قيادة العمليات العسكرية للجماعة واتخاذ القرارات بالنيابة عنها. ولم يعد الجدل الداخلي داخل "حزب الله" ذا أهمية تُذكر، نظراً لأن معظم التوجيهات تصدر من الرعاة الإيرانيين. وفي المرحلة الراهنة، تتركز هذه التوجيهات على فتح جبهة ثانية بهدف تشتيت القوات الإسرائيلية واستنزافها.
كان لدى "حزب الله" نحو ستة عشر شهراً لإعادة بناء قدراته بعد الهجمات الإسرائيلية المكثفة التي تعرض لها في عام 2024. وعلى الرغم من أن إسرائيل واصلت استهداف قادة وعناصر الحزب بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فإن الحزب تجنب الرد، مفضلاً التركيز على الحفاظ على قدراته العسكرية وإعادة ترميمها تحسباً لمثل هذه اللحظة. وقد احتفظ الحزب بقدرات تصنيع مهمة، وواصل تهريب مكونات الطائرات المسيرة والصواريخ عبر سوريا والموانئ اللبنانية على البحر الأبيض المتوسط، مستفيداً من تغلغله داخل أجهزة الجمارك وسلطة الموانئ. ولم تتأثر هذه الأنشطة إلى حد كبير بالضربات الإسرائيلية أو بمهمة القوات المسلحة اللبنانية لنزع سلاحه. ورغم أن إسرائيل نجحت في إضعاف الحزب عسكرياً، فإن تغلغله العميق في المؤسسات المالية والسياسية اللبنانية ظل دون معالجة. وما لم يتم تفكيك هذا الأساس البنيوي، سيبقى "حزب الله " قادراً على إعادة بناء قدراته واستئناف عملياته بصرف النظر عن أي إضعاف عسكري يمكن لإسرائيل أن تُلحقه به.
في المقابل، بدا رد فعل الحكومة اللبنانية متأخراً وضعيف الفاعلية. فقد أعلن المسؤولون رسمياً حظر الأنشطة العسكرية لـ"حزب الله" مع اندلاع الحرب مع إيران، لكنهم لم يعالجوا مسألة تمثيله داخل الحكومة (بما في ذلك وجود وزيرين في مجلس الوزراء) أو دوره في صنع القرار السياسي. كما لم توضح بيروت آليات تنفيذ هذا الحظر على سلاح الحزب، في ظل تساهل المحاكم العسكرية مع عناصره وتجنب القوات المسلحة اللبنانية مواجهته. ويبرر قادة الجيش هذا التردد بخشيتهم من اندلاع حرب أهلية، غير أنهم يتجاهلون أن تصاعد الصراع الإقليمي أو الانزلاق إلى حرب شاملة مع إسرائيل قد يلحق بلبنان أضراراً أشد بكثير من أي مواجهة داخلية محتملة بين الجيش و"حزب الله ".
وفي الوقت نفسه، يُظهر "حزب الله" مؤشرات واضحة على تخوفه من مواجهة الجيش اللبناني، ويتجلى ذلك في نشر مذكرة تزعم زوراً أن الجنود الشيعة في الجيش سينشقون قبل القتال ضد الحزب. ورغم أن الشيعة شكّلوا تاريخياً القاعدة الشعبية الأساسية لـ"حزب الله"، فإن الغالبية الساحقة من الجنود الشيعة تبدي ولاءً كاملاً للمؤسسة العسكرية اللبنانية، ولا يُتوقع أن تنشق.
وعلى نطاق أوسع، تواجه الطائفة الشيعية في لبنان لحظة إعادة حساباتٍ بالغة الخطورة. فقد جاءت اللحظة الأولى عندما امتنعت إيران عن الرد على الحملة العسكرية الإسرائيلية الواسعة عام 2024 (التي شملت اغتيال زعيم "حزب الله" حسن نصر الله)، كما لم تقدم دعماً يُذكر لجهود إعادة الإعمار بعد القتال. أما اللحظة الثانية فهي تتجسد حالياً، إذ يدفع "حزب الله" لبنان إلى حرب غير مرغوب فيها خدمةً لأجندة إيران، دون إيلاء اعتبار كاف لأمن الطائفة الشيعية وسلامتها.
أبريل لونغلي ألي
من المرجح أن تشهد حركة الحوثيين في اليمن نقاشاً داخلياً بين التيارات الأكثر تشدداً وتلك الأكثر براغماتية حول مسألة الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، وإن كان ذلك سيحدث، فمتى وبأي كيفية. ويُعد هذا القرار، في بعض الجوانب، أقل وضوحاً من حملتهم السابقة في البحر الأحمر، التي حظيت بقدر من التأييد في شمال اليمن لأنها قُدمت بوصفها "دفاعاً عن فلسطين " وشكلت في الوقت نفسه مخاطر أقل على علاقاتهم مع المملكة العربية السعودية.
من ناحية، يرى المتشددون داخل الحركة أن مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل تمثل واجباً أيديولوجياً، ومن المرجح أن يدفعوا نحو التصدي لما يعتبرونه مشروعاً توسعياً أمريكياً - إسرائيلياً في المنطقة، لا سيما إذا اعتبروا أن شريكهم الإيراني يواجه تهديداً خطيراً، أو سعياً إلى استعادة عنصر الردع. ومع ذلك، توجد أيضاً دوافع قوية لضبط النفس، إلى جانب مخاطر كبيرة لأي تدخل عسكري مباشر. فقد تعرض الحوثيون سابقاً لضربات أمريكية وإسرائيلية، وهم يدركون أن أي جولة جديدة ستكون مكلفة ومؤلمة. والأهم من ذلك هو حساباتهم الداخلية؛ إذ يدركون أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، رغم ضعفها وانقسامها، قد تسعى لاستغلال أي تراجع في قوتهم. وفي الوقت ذاته، حافظ الحوثيون على قنوات اتصال مفتوحة مع السعودية، ويسعون إلى التوصل إلى تسوية تنهي الحرب في اليمن. وقد يؤدي الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، خصوصاً في حال استهداف طهران للسعودية، إلى تقويض هذه المساعي وتعريضها للخطر.
وعلى الرغم من تقدير الحوثيين لشراكتهم مع إيران، فإن حركتهم نشأت أساساً من سياقات داخلية يمنية سياسية وعسكرية، ما يعني أنهم لا يعملون كوكلاء تقليديين لطهران. وبالتالي، فإن قرار الدخول في الحرب سيُتخذ داخل اليمن، وليس في طهران، وسيبقى في نهاية المطاف بيد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.
وإذا قرروا الانخراط، فمن المرجح أن يتبع الحوثيون نهجاً تصعيدياً تدريجياً. فقد يبدأون باستهداف إسرائيل وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، حيث يمنحهم البعد الاقتصادي للصراع أداة ضغط فعالة. ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، فإن أي هجمات على الملاحة في البحر الأحمر ستضاعف تأثيرهم على أسواق الطاقة العالمية والتجارة البحرية. وقد يتعزز هذا النفوذ مع زيادة السعودية صادراتها من الطاقة عبر البحر الأحمر، باستخدام خط الأنابيب الشرقي - الغربي لتعويض تعطّل مسار هرمز.
ونظراً لاعتماد الحوثيين على الدعم المالي والعسكري والسياسي الإيراني، فإن لديهم مصلحة مباشرة في بقاء النظام في طهران، إذ إن تدهوره قد يضعف موقعهم التفاوضي ويؤثر سلباً على مواردهم. ومع ذلك، أظهر الحوثيون قدرة على الاستمرار حتى في غياب الدعم الإيراني المباشر. فعلى الرغم من عدم سيطرتهم على عائدات النفط والغاز، فقد نجحوا في توليد إيرادات من الداخل المحلي، كما عملوا على تعزيز استقلاليتهم عبر تنويع مصادر تسليحهم، بما في ذلك شراء مكونات مزدوجة الاستخدام (خصوصاً من الصين)، وبناء شبكات تهريب إقليمية وعلاقات في القرن الأفريقي. ورغم أن الحجم الكامل لقدراتهم العسكرية لا يزال غير واضح، فإن الحوثيين لا يزالون قادرين على إزعاج حركة الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف إسرائيل، وتحمل الضربات الجوية.
مايكل نايتس
لم تتخذ الحكومة العراقية أي إجراءات تُذكر ضد "قوات الحشد الشعبي " (PMF) خلال الحرب، رغم قيام عناصر مسلحة داخل هذه المظلة بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية الصنع باتجاه القوات الأمريكية في المنطقة. وإلى جانب استهداف قواعد في الأردن والكويت والمملكة العربية السعودية وإقليم كردستان العراق، شنت جماعات شيعية موالية لإيران، مثل "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق"، هجمات على البنية التحتية للطاقة في شمال العراق. ومن اللافت أنهم لم يستهدفوا إسرائيل خلال هذه الجولة، رغم أنهم خلال ذروة حرب غزة نفذوا أكثر من 150 هجوماً على أهداف إسرائيلية، قبل أن يتراجع هذا النشاط بشكل كبير في أواخر عام 2024 عقب تهديدات إسرائيلية باستهداف قيادة "قوات الحشد الشعبي".
وخلال الأسبوعين الماضيين، نفذت القوات الأمريكية ضربات رداً على هجمات "الحشد الشعبي"، استهدفت نحو ستة عشر عنصراً من الميليشيات. ومع ذلك، لم تشمل هذه الضربات القيادات الرئيسية المصنفة إرهابية، ما يعني أن هذه الجماعات لا تزال تحتفظ بقدرتها على تنفيذ هجمات ضد القوات الأمريكية.
وكما في السابق، فإن تقاعس الحكومة العراقية يرقى إلى مستوى التواطؤ في مثل هذه الهجمات. وعلى الرغم من قيامها بتمويل "قوات الحشد الشعبي" عبر دفع الرواتب، امتنعت بغداد عن اعتقال أو إقصاء أو حتى إصدار إدانات علنية بحق الشخصيات الرئيسية المدعومة من إيران والمتورطة في هذه الحوادث. ورغم امتلاك الحكومة قدرات متقدمة في مجال الاستخبارات الإشارية وغيرها من أدوات مكافحة الإرهاب، فإنها تتجنب توظيفها ضد العناصر المسلحة داخل "الحشد الشعبي ". وطالما استمر هذا النهج، ستبقى الجماعات المدعومة من إيران قادرة على استهداف القوات الأمريكية وزعزعة الاستقرار داخل العراق.
وفي هذا السياق، بلورت الولايات المتحدة - دون أن تطبق حتى الآن - حزمة عقوبات واسعة النطاق تستهدف شبكات النفط والغاز العراقية التي تُسهّل الأنشطة المرتبطة بـ"قوات الحشد الشعبي "، وكذلك قدرة النظام الإيراني على الالتفاف على العقوبات الدولية. ومن شأن تعطيل هذه الشبكات المالية غير المشروعة أن يسهم في الحد من قدرة الجماعات المدعومة من إيران على مواصلة هجماتها وأنشطتها العدائية الأخرى.
وبشكل عام، صرفت الحرب مع إيران انتباه واشنطن عن أفضل فرصة متاحة لها منذ عام 2003 لإبعاد بغداد عن طهران. ففي كانون الثاني/يناير، وجه الرئيس ترامب انتقادات حادة إلى نوري المالكي، ملوحاً بسحب الدعم الأمريكي بالكامل في حال إعادة تعيينه رئيساً لوزراء العراق. ومع ذلك، غيّرت الإدارة لهجتها مع اقتراب اندلاع الحرب، متجنبة توجيه تحذيرات صارمة لبغداد بشأن تكلفة استمرار دعم إيران ووكلائها. وعليه، ينبغي على واشنطن استئناف جهودها لدفع القادة العراقيين بعيداً عن طهران، وإلا فإنها تخاطر بإهدار فرصة نادرة قد لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل.
أعد هذا الملخص كل من سارة بوشيس وكاثرين تشستنوت وغابرييل وين. تم إعداد سلسلة منتدى السياسات بفضل سخاء مؤسسة "وينكلر لوي".