أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3176

كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها

ديفيد ماكوفسكي, داليا رابين, جلعاد شارون, و دينس روس

متاح أيضاً في English

9 أيلول/سبتمبر 2019


"في الخامس من أيلول/سبتمبر، خاطب الزميلان الأقدمان دينس روس وديفيد ماكوفسكي منتدى سياسي في معهد واشنطن للاحتفال بإصدار كتابهما الجديد "كن قوياً وذو شجاعة جيدة: كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها". وانضم إليهما نجلة ونجل اثنان من القادة الذين تم التطرق إليهما في الكتاب: داليا رابين، رئيسة مركز اسحق رابين، وجلعاد شارون، كاتب عمود في صحيفة "يديعوت أحرونوت". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

 

ديفيد ماكوفسكي

كان الدافع الرئيسي وراء هذا الكتاب هو الخيار المصيري الذي سيتعيّن على إسرائيل اتخاذه قريباً - وهو خيار يجب أن يستفيد من الرحلة التي خاضها الزعماء الإسرائيليون السابقون الذين طبعوا تاريخ إسرائيل. فكيف صنعوا هذه القرارات التاريخية، وما الذي يعمل منهم قادة عظماء؟

بالنسبة إلى ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، كانت مهمته الأساسية هي إنهاء التشرد اليهودي بعد ألفي عام. ولم ينحرف أبداً عن هذا الهدف. فقد كان يعتقد أن الهجرة هي التي أبقت الحركة الصهيونية قائمة لأن اليهود كانوا أقلية في فلسطين في ذلك الوقت. ومن أجل خلق وطن قومي يهودي ديمقراطي، كانت هناك حاجة لمزيد من الهجرة.

ومن السمات الأخرى التي طبعت قيادة بن غوريون كانت إدراكه للأثر الذي ستخلّفه الأحداث العالمية على الحركة الصهيونية. فغالباً ما تمتّع ببعد النظر حول مثل هذه الأمور ؛ وفي عام 1945، كان مقتنعاً بأن شبح الحرب مع الدول العربية يلوح في الأفق رغم أن القليلين وافقوه على هذا الرأي. وما كان مثيراً للاهتمام أنه خشي أيضاً من أن تهاجم الولايات المتحدة إسرائيل، في مؤشر على التغيّر الجذري الذي وصلت إليه العلاقة بينهما اليوم.

ولم يخشَ بن غوريون اتخاذ قرارات حساسة لخير البلاد حتى عندما انطوت على مخاطر. فقد اتخذ القرار المثير للجدل بقبول التعويضات الألمانية في وقت كانت فيه الدولة الناشئة حديثاً تواجه ضيقة اقتصادية. والأهم من ذلك، أنه أعلن قيام الدولة في عام 1948 رغم كل الصعاب، وذلك باستخدام إطار عمله التحليلي لتحديد ضرورة اتخاذ القرار في ذلك الوقت.

أما رئيس الوزراء مناحيم بيغن، فقد وضع نصب عينه هدف وضع حدّ لشعور اليهود بأنهم ضحايا. كما آمن بقوة في الحاجة إلى التوازن بين القيم والمصالح. على سبيل المثال، اعتقد أنه من الخطأ فرض القانون العرفي في المجتمعات العربية لأن سكانها كانوا مواطنين إسرائيليين. وفي كامب ديفيد، وضع النموذج للقادة المستقبليين الذين سيقبلون بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. وآمن بيغن أن الوحدة الوطنية كانت مهمة للغاية ولا يجب أن تطغى على عدالة القضية. ولهذه الأسباب - وواقع أن معاهدة السلام التي توصل إليها مع مصر واجهت العديد من التحديات - لا يزال إرثه قائماً حتى يومنا هذا.

داليا رابين

كانت قيادة اسحق رابين فريدة من نوعها. فقد أمضى معظم حياته كراشد في الجيش وتأثر بحرب عام 1948، التي أقنعته بضرورة تشكيل "جيش دفاع إسرائيلي" قوي. كما كان قائداً متواضعاً للغاية، بحيث لم ينسب الفضل لنفسه قط بينما كان يتحمل المسؤولية دائماً.

ومن منصبه كرئيس أركان "جيش الدفاع الإسرائيلي" بعد حرب عام 1967، كتب أنه على إسرائيل تحويل ثمار ذلك النصر إلى سلام، مدركاً أن ذلك سيشمل تنازلات عن أراضٍ. ولم يكن صقراً تحوّل إلى حمامة بين عشية وضحاها؛ بل كان يسعى إلى السلام منذ أن شهد على الثمن الرهيب للحرب وترك خدمته في الجيش. وبالإضافة إلى إرساء البنية التحتية اللازمة للسلام في المنطقة، كان أيضاً مهندس العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

جلعاد شارون

منذ سن مبكرة، جعل أرئيل شارون مهمته حماية حياة اليهود من خلال جعل إسرائيل دولة قوية. وخلال مسيرته الطويلة في الجيش، وضع معيار عدم إنهاء خدمته فيه قبل تنفيذ مهمته، وعدم التخلي أبداً عن زملائه، وتقديم أداء على أعلى مستوى. وبشكل خاص، لعب دوراً أساسياً في مهاجمة معقل مصر في شبه جزيرة سيناء خلال حرب عام 1967.

واعتمد على تفكيره الاستراتيجي مرة أخرى عندما انتُخب رئيساً للوزراء وواجه مستويات عالية من الإرهاب الفلسطيني. وللتصدي للانتفاضة الثانية، قاد "عملية الدرع الواقي" التي قلبت الموازين على الأرض بالكامل، من خلال التعبير عن إيمانه بتوجيه ضربات قاضية حاسمة. 

وعلى صعيد آخر، رأى أن العلاقة مع الولايات المتحدة هي أهم مكسب لإسرائيل في المجتمع الدولي، وهو رصيد يقوم على قيم مشتركة. كما ركّز على أهمية جلب اليهود إلى إسرائيل وإقامة روابط متينة مع الشتات. فضلاً عن ذلك، كان يعرف جيران إسرائيل جيداً، ومنح الأولوية لحق البلاد في الدفاع عن نفسها. باختصار، كلما رأى واقعاً يطرح مشاكل، وضع هدفاً وغيَّر ذلك الواقع.

دينس روس

اختلف القادة الأربعة الذين ترد مسيرتهم في كتاب "كن قوياً وذو شجاعة جيدة" من الناحية الإيديولوجية، لكن طريقة تعريفهم لدور القائد كانت متشابهة للغاية. ومن وجهة نظرهم، كان اتخاذ قرارات صعبة من مسؤوليتهم حتى وإن كانت لتلك الخيارات أثمان سياسية باهظة. وصحيح أنهم فهموا ثمن التحرك ولكن أيضاً ثمن التقاعس. فقد تحدث شارون عن وحدة القائد، في إشارة إلى العبء الثقيل في اتخاذ القرارات التي يحملها القائد وحده على كاهله. وتحمّل رابين كذلك مسؤولية قراراته، بغض النظر عن النتيجة. وكان كلا الرجلين يتمتعان أيضاً بقدرة تحليلية خارقة، وبالصدق تجاه نفسيهما وباستعدادهما لتلقي الأخبار السيئة.

ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أن هؤلاء القادة أدركوا أهمية الحفاظ على هوية إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية. وإذا بقيت الدولة على طريقها الحالي، فستصبح "دولة واحدة لشعبين" بحكم الأمر الواقع. ومع ذلك، فإن هذا الواقع الذي يلوح في الأفق لا يكتسي أولوية في النقاش الوطني السائد في إسرائيل لأنه لا يشكل تهديداً وشيكاً كصواريخ «حزب الله» أو الترسيخ الإيراني في سوريا.

وتجدر الملاحظة أن الكتاب الجديد موجّه عموماً إلى الذين ينكرون هذا الوضع الديمغرافي أو يتجاهلونه. ويتضح مدى المشكلة من إحصاء أظهر أنه في عام 1986 بلغت نسبة اليهود إلى العرب في إسرائيل والأراضي المحتلة 63 في المائة بالمقارنة مع 37 في المائة. واليوم، حتى بعد وصول مئات الآلاف من اليهود السوفييت وانسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، تبلغ النسبة 61 في المائة إلى 39 في المائة. وتشير هذه الأرقام إلى أن إسرائيل تصبح بسرعة دولة واحدة لشعبين - وهو وضع قد يجعل التحدي الدولي الذي تشكله حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات" يبدو وكأنه لعب أطفال إذا استغل الفلسطينيون الانعكاسات الانتخابية الكاملة لهذا الاتجاه الديمغرافي.

ويقيناً، لن يتوفر حل الدولتين في أي وقت قريب. فالفلسطينيون منقسمون كلياً، ويبدو أن الخلافة تلوح في الأفق في الضفة الغربية. ومع ذلك، من المهم الإبقاء على خيار الانفصال في المستقبل.

ويعني ذلك، من بين أمور أخرى، أن على إسرائيل وقف بناء المستوطنات خارج الحاجز الأمني في الضفة الغربية. ويعيش حوالي 85 في المائة من المستوطنين الإسرائيليين في كتل استيطانية كبيرة تقع داخل الحاجز الأمني أو على مقربة منه - في مساحات تشكل حوالي 8 في المائة من الضفة الغربية. ومع ذلك، فقد ارتفع عدد الإسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات متباينة منتشرة في أنحاء أخرى من الضفة الغربية إلى 104 آلاف. وإذا استمر هذا العدد بالارتفاع، فسوف يصل حتماً إلى نقطة تحوّل تفقد فيها إسرائيل الخيار السياسي للانفصال عن الضفة الغربية. ومن الواضح أن قوة حركة الاستيطان ستجعل أي خطوة على المدى القريب باتجاه الانفصال صعبة، ولكن مع ذلك يجب اتخاذ هذا القرار.

لقد قال شارون ذات مرة "جميع خلفائي هم رجال سياسة"، وهذا يعني أنهم كانوا فقط على استعداد لاتخاذ قرارات سياسية. وكان قلقه في محله؛ ولمعالجته، يفصّل الكتاب ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لجعل الأمر أسهل على القادة الإسرائيليين من الناحية السياسية لبدء سلوك درب الانفصال الصعب.

 

أعدت هذا الملخص باسيا روزنباوم.