أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

اتفاق أفضل مع إيران في متناول اليد

مايكل سينغ

متاح أيضاً في English فارسی

"فورين آفيرز"

15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019


حين نقلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة "الضغط الأقصى" إلى مستوى أشدّ وطأة في أيار/مايو الماضي معلنةً أن الهدف من ذلك هو تصفير صادرات النفط الإيرانية، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لطهران لكي تردّ بتصعيدها الخاص. فقد شهدت الأشهر اللاحقة على تقارير عن قيام إيران بشن هجمات استهدفت خطوط أنابيب، وناقلات نفط، وواحدة من أكبر منشآت معالجة النفط في العالم - في السعودية - الأمر الذي لم يؤدي إلى ارتفاع في أسعار النفط فحسب، بل إلى قيام مخاوف أيضاً بشأن نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط. كما انتهكت إيران مراراً الشروط الأصلية التي نص عليها "الاتفاق النووي" لعام 2015 - المعروف بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» - الرامي إلى تقييد أنشطة إيران النووية، والذي انسحبت منه إدارة ترامب في عام 2018.

ومن المرجح أن تكون طهران قد هدفت من خلال هذه الخطوات إلى إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في حملة العقوبات التي تمارسها، وإلى دفع الأطراف الأخرى في "الاتفاق النووي" إلى حث واشنطن على تليين موقفها. ولربما ظنّت إيران لفترة من الوقت أن نهجها يؤتي ثماره: فقد حاول كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون تصميم اتفاق تعود بموجبه إيران إلى الالتزام بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» مقابل تخفيف العقوبات عنها. لكن هذه الصفقة انحرفت عن مسارها في اللحظة الأخيرة خلال أيلول/سبتمبر وفقاً لبعض التقارير، حين طالبت إيران بتخفيف العقوبات قبل عقد الاجتماع المقترح بين ترامب والرئيس الإيراني روحاني خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. غير أن إيران ربما تجاوزت الحدود منذ ذلك الوقت، إذ أعلنت في 9 تشرين الثاني/نوفمبر عن خططٍ لاستئناف تخصيب اليورانيوم في مخزن تحت الأرض وزيادة وتيرة التخصيب في الأماكن الأخرى. ورداً على ذلك هددت الأطراف الأوروبية الموقعة على "الاتفاق النووي" بإعادة فرض العقوبات عليها.

وبينما تختبر إيران حدود الصبر الأوروبي، تسنح أمام الولايات المتحدة فرصة لتشكيل جبهة موحدة مع شركائها الأوروبيين السابقين ودفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وهنا يجب عليهم أن يقدموا سويةً اقتراحاً واضحاً ومباشراً: التعاون بشكل بنّاء، وتعليق بعض العقوبات بعد ذلك أثناء التفاوض على اتفاق جديد، [أو] المواصلة في التوسع في الأنشطة النووية ورفض المفاوضات الجديدة الهادفة إلى تعزيز «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وانضمام أوروبا بعد ذلك إلى الولايات المتحدة وإعادة فرض العقوبات التي تم رفعها بموجب الاتفاق.

تصاعد تدريجي

خلال العام الأول الذي أعقب تخلي الولايات المتحدة عن «خطة العمل الشاملة المشتركة»، بدت طهران مكتفية بالتريث حتى انتهاء ولاية إدارة ترامب. ورداً على تصاعد الضغط الأمريكي، حاولت إيران التودد إلى الدول الأوروبية لحملها على تحدي العقوبات الأمريكية الثانوية، التي عاقبت الشركات الأجنبية على تعاملها مع المصارف الإيرانية ولكنها سمحت لفترة من الوقت ببيع النفط الإيراني. ولكن حين ازدادت جدية الولايات المتحدة بشأن القضاء كلياً على صادرات النفط الإيرانية، غيّرت إيران استراتيجيتها.

وخلال الأشهر الستة الماضية، اتخذت طهران أربع خطوات تدريجية لتوسيع أنشطتها النووية، وكانت كل خطوة تهدف إلى خرق واحد أو أكثر من الشروط الأصلية المنصوص عليها في «خطة العمل الشاملة المشتركة». وفي 8 أيار/مايو، أعلنت إيران أنها لن تلتزم بعد الآن بالحد الذي تفرضه الخطة على مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب. وبعد ذلك في 7 تموز/يوليو، أشار المسؤولون الإيرانيون إلى أنهم سيرفعون نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 4,5 في المائة ليتخطوا بذلك سقف التخصيب المنصوص عليه في "الاتفاق النووي" والبالغ 3,67 في المائة. ثم في 6 أيلول/سبتمبر، أشار المسؤولون الإيرانيون إلى أنهم سيسرّعون أعمال البحث والتطوير فيما يتعلق بأجهزة الطرد المركزي المتقدمة، الأمر الذي سيمكّن إيران في النهاية من تخصيب اليورانيوم بوتيرة أسرع وبعدد أقل من أجهزة الطرد المركزي - وبالتالي في منشآت أصغر حجماً يسهل أخفاؤها بصورة أكبر - مما يتطلب منها حالياً. وأخيراً في 9 تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت إيران أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو النووية التحت أرضية.

وفي البداية، ظهرت الخطوات الإيرانية وكأنها تهدف إلى الحفاظ على «خطة العمل الشاملة المشتركة» بدلاً من تقويضها. ولم تكن الخطوات التصعيدية الثلاث الأولى التي اتخذتها إيران عبارة عن أعمال تستطيع الرجوع عنها فحسب، بل يمكن القول إنها كانت مقيّدة، مما أدى إلى انحسار "المدة اللازمة لتخطي العتبة النووية" - أي الوقت اللازم لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع سلاح نووي واحد - بنحو أسبوعين فقط، وفقاً لـ "معهد العلوم والأمن الدولي".

إلا أن التصعيد النووي الأخير الذي قامت به إيران أطلق المزيد من أجراس الإنذار. والسبب في كون منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم مثيرة للجدل هو أنها مصممة لتجنب انكشافها وتعرضها للهجوم. وبعد أيام قليلة من إعلان إيران أنها ستستأنف التخصيب في تلك المنشأة، أكّد مسؤول إيراني أن طهران تراجعت عن الالتزام الذي تعهدت به في «خطة العمل الشاملة المشتركة» بتحويل المنشأة إلى مركز للأبحاث الفيزيائية. كما هدّد المسؤول بإيقاف الجهود الإيرانية للحد من خطر الانتشار الذي يسببه مفاعلها النووي العامل بالماء الثقيل في آراك. فضلاً عن ذلك، تشير المعلومات التي كشفت عنها "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ("الوكالة") إلى ارتفاع معدل تخصيب اليورانيوم في إيران - الذي كان سابقاً أعلى من السقف المحدد في "الاتفاق النووي" ولكن أقل بكثير من الإمكانيات الإيرانية - وبذلك تقلصت المدة اللازمة المقدّرة لتخطي إيران العتبة النووية من 8-12 شهراً إلى 6-10 أشهر، وهذا أيضاً وفقاً لـ "معهد العلوم والأمن الدولي".

ومع ذلك، لا تبدو الخطوات الإيرانية مصممة لإنتاج سلاح نووي فعلياً في هذه المرحلة بل لجذب انتباه الولايات المتحدة وأوروبا. إذ تسعى طهران إلى حمل الأولى على التخفيف من حدة حملة الضغط الأقصى والعقوبات، والتماس دعم الثانية في إيصال رسالتها إلى واشنطن. وهذا يعني نوعاً ما خلق أزمة من أجل انتزاع تنازلات بهدف العودة ببساطة إلى الوضع السابق - وهي مناورة تعرفها حتماً حكومة كوريا الشمالية.

وتشير المقاربة الإيرانية إلى أن طهران تعتبر أن «خطة العمل الشاملة المشتركة» تلبّي مصالحها وبالتالي فهي جديرة بالحفاظ عليها. ولكنها لا توحي أن طهران ملتزمة بالقيود النووية أو بالشفافية. فعلى مدى العامين الماضيين، كشف عملاء المخابرات الإسرائيلية عن "أرشيف" لبحوث الأسلحة النووية الإيرانية بالإضافة إلى منشأة غير معلنة في تورقوزآباد يُزعم أن إيران تخزّن فيها المواد النووية. ولم تكن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" على علمٍ بأيٍّ منهما. وفي مقابل انتهاكات إيران الصادحة والمتزايدة للشروط الأصلية لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لم تكتفِ إيران برفض الاعتراف بهذه الأنشطة بل سعت إلى إخفائها وفقاً لبعض التقارير بعد أن كشفت إسرائيل عن وجودها. وتلمّح تقارير المراقبة الصادرة عن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بأن تعاون إيران مع التحقيق الذي أجرته "الوكالة" في هذا الموضوع كان أقل من أن يكون مرضياً.

اختبار الحدود

لم يبدر عن الأطراف الأوروبية الموقعة على «خطة العمل الشاملة المشتركة» - أي الاتحاد الأوروبي وما يعرف بالثلاثية الأوروبية فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة - ردّ فعل يُذكر على الاستفزازات الإيرانية المتكررة باستثناء إدانتها. ويعود ذلك جزئياً إلى أن هذه الأطراف تلقي اللوم على الولايات المتحدة لإشعالها فتيل الأزمة عبر انسحابها من "الاتفاق النووي"، وجزئياً إلى أملها بإنقاذ الاتفاق وخشيتها من أن لا تؤدي العقوبات إلّا إلى المزيد من التصعيد الإيراني. ولكن هذه الحسابات قد تكون آخذة في التغير. ففي أعقاب التصعيد النووي الإيراني الأخير، حذّر الاتحاد الأوروبي من أن ممارسة المزيد من الاستفزازات قد تؤدي إلى اعتماد "آلية حل النزاعات" المنصوص عليها في «خطة العمل الشاملة المشتركة» - وهي الخطوة الأولى في عملية قد تتكلل بإعادة فرض العقوبات.

وعلى الرغم من هذه التحذيرات، من غير المرجح أن تغيّر إيران مسارها، لأن هدفها هو تغيير السياسية الأمريكية. وبدلاً من ذلك، من المحتمل أن تواصل تكثيف الضغط على واشنطن من خلال استراتيجيتها القائمة على التصعيد التدريجي، على الأقل إلى أن يتّضح ما إذا كان ترامب سيفوز بولاية رئاسية ثانية. وإذا فاز ترامب في الانتخابات الجديدة وأذعنت طهران في النهاية للمشاركة في مفاوضات جديدة مع إدارته، فقد تختار إيران التصعيد بصورة أكثر إثارة - وربما تعيد برنامجها النووي إلى مستويات ما قبل «خطة العمل الشاملة المشتركة» من أجل خلق شعور بإلحاح الوضع وكسب النفوذ قبل المحادثات.

ومع ذلك، أخذ صبر الأوروبيين تجاه إيران ينفذ أكثر فأكثر، الأمر الذي يشكل فرصة أمام الولايات المتحدة. وقد فرضت إدارة ترامب ضغوطاً اقتصادية كبيرة على إيران، بحيث يتوقع "صندوق النقد الدولي" أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 9,5 في المائة في عام 2019. ولكن الإدارة الأمريكية لم تفعل سوى القليل نسبياً لزيادة الضغط الدبلوماسي. وعلى العكس من ذلك، سعت بفارغ الصبر إلى عقد اجتماع قمة بين ترامب وروحاني، والذي من غير المرجح أن يتحقق، ولكنها تلوّح بالجزرة أمام إيران.

وبعد الإعلان النووي الإيراني الأخير، يجب على الولايات المتحدة أن تحاول تشكيل جبهة دبلوماسية مشتركة مع شركائها الأوروبيين وحشد دعم إضافي من الشركاء في آسيا وأماكن أخرى. وعلى هؤلاء الشركاء أن يعرضوا معاً على إيران محادثات جديدة بشأن الموضوع النووي ومسألة الصواريخ، لا تبدأ بقمة بل بمناقشات بين مبعوثين من المستويات الأدنى. يجب أن يعرضوا تجميد بعض العقوبات بصورة مؤقتة إذا تعاونت طهران بشكل بنّاء على وقف تصعيدها النووي، وأن يهددوا بزيادتها إذا رفضت إيران ذلك التصعيد. ومن شأن مثل هذه المقاربة أن توفر المسار الأوضح للوصول إلى الاتفاق الجديد الذي ترغب به إدارة ترامب. كما من شأنها أن تبدأ برأب الصدع بين الولايات المتحدة وحلفائها، الذي استغلته إيران وصرَفَ الانتباه عن أولويات استراتيجية أكبر مثل روسيا والصين.

وفي حال عقد مفاوضات جديدة، يجب على الولايات المتحدة وأوروبا التعامل معها من خلال الدروس المستفادة خلال العامين الماضيين. لقد أصبح من الواضح أن أجهزة الطرد المركزي القديمة الطراز ومنشآت التخصيب المعلنة في إيران هي إلى حد كبير أدوات لإثارة حفيظة الغرب. وإذا حاولت إيران استخدامها فعلياً لتخطي العتبة النووية وإنتاج سلاح نووي، هناك خطر كبير في انكشاف أمرها - وربما أيضاً تعرضها للهجوم. ومن أجل إنتاج سلاح نووي فعلياً، ستضطر إيران إلى القيام بذلك سراً، الأمر الذي يتطلب استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً، ومنع عمليات التفتيش في المواقع المعنية، وتطوير تكنولوجيتها الصاروخية، وإبقاء أنشطة التسليح بعيدة كل البعد عن الأنظار. وتُشير المعلومات التي كُشفت خلال العامين الأخيرين إلى أن إيران أرست الأساس لمثل هذا البرنامج السري وفي الوقت نفسه فتحت المجال أمام تفتيش برنامجها النووي المعلن. لذلك يجب أن يكون أي اتفاق جديد مصمماً للكشف عن أي برنامج سري ومنعه.

لقد انسحب ترامب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» على أمل أن يضمن اتفاقاً أكبر وأفضل مع إيران. ولكن على الرغم من الضغط الاقتصادي الساحق، لم تتحقق أي مفاوضات جديدة. [وفي المقابل]، تمنح الاستفزازات الإيرانية المتكررة إدارة ترامب فرصة لزيادة الضغط الدبلوماسي وحشد الدعم الأوروبي لإجراء جولة جديدة من المحادثات. وإذا لم تغتنم إدارة ترامب هذه الفرصة، فلن ينهي الرئيس الأمريكي ولايته الأولى بقيود نووية أكثر شدة على إيران، بل بتوسيع إيران أنشطتها النووية وتقصير المدة اللازمة لها لتخطي العتبة النووية أمام معارضة دولية مقسّمة.

 

مايكل سينغ هو زميل أقدم في زمالة "لين- سويغ" والمدير الإداري لمعهد واشنطن، ومدير أقدم سابق لشؤون الشرق الأوسط في "مجلس الأمن القومي" الأمريكي.