- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4168
تهيئة الظروف الأمنية لتحقيق مزيد من التقدم في غزة
لا تزال الأوضاع الأمنية في قطاع غزة متوترة عقب الانتهاء من المرحلة الأولى من خطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات المرتبطة بتنفيذ وقف إطلاق النار، ونزع سلاح “حماس"، ونقل السلطة، وبدء عملية إعادة الإعمار.
في الأسابيع الأخيرة، أسهم عدد من العوامل في خلق زخم - أو على الأقل انطباع بوجود زخم - تجاه تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والشروع في إعادة الإعمار. ويأتي في مقدمة هذه العوامل الانتهاء من المرحلة الأولى من خطة السلام المكونة من عشرين نقطة التي وضعها الرئيس ترامب، إضافة إلى تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية، فضلاً عن الإعلان الذي صدر في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في دافوس الشهر الماضي حول إنشاء آليات جديدة للحكم في غزة.
ومع ذلك، لا يزال الواقع الأمني هشاً، إذ قُتل أربعة إسرائيليين ونحو خمسمائة فلسطيني منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر2024. وإلى جانب ذلك، لا تزال هناك فجوة واضحة بين توقعات إدارة ترامب - التي تتسم بالتصريحات المتفائلة وخطط التنمية الطموحة - وبين الواقع على الأرض، الذي يتسم بدمار واسع النطاق واستمرار التوترات الأمنية.
في صميم التحديات العديدة التي يجب مواجهتها في المرحلة الثانية تكمن حالة عميقة من عدم اليقين بشأن الوضع الأمني، ولا سيما إمكانية التنفيذ الكامل للالتزام بنزع السلاح من غزة، بما في ذلك نزع سلاح “حماس". وتُعدّ هذه المسألة التهديد الأبرز لعملية الاستقرار. كما أنها تشكل السبب وراء التأخير الكبير في إنشاء "قوة الاستقرار الدولية" وقوة الأمن الداخلي الفلسطينية اللتين يُفترض أن تتوليا مسؤولية هذه الأمور. ولا تزال هناك سلسلة من القضايا الأخرى المتعلقة بالتنفيذ عالقة، بما في ذلك تمويل آليات الحكم الفلسطينية وتزويدها بالموظفين، إضافة إلى غياب إطار واضح لنقل السلطة المحلية من “حماس" إلى هذه الهيئات.
كلا الجانبين يرغب في الحفاظ على وقف إطلاق النار.
إن التقدم الذي تم إحرازه حتى الآن في تنفيذ خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة - مثل عودة جميع الرهائن، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى" الخط الأصفر" الذي حدده وقف إطلاق النار، وإعادة فتح معبر رفح - هو إلى حد كبير نتيجة لالتزامات شخصية وسياسية قوية من جانب الرئيس ومستشاريه. كما أنه نتيجة لتقييم مشترك بين إسرائيل و"حماس" بأن مصالحهما الحالية تكمن في الحفاظ على وقف إطلاق النار بدلاً من العودة إلى الحرب. يسعى كلا الطرفين إلى تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة، ويدركان أن معظم الأطراف الفاعلة في المنطقة مهتمة بنفس القدر بإنهاء الحرب.
بالنسبة لـ"حماس"، توفر خطة ترامب عدة مزايا محتملة: البقاء الشخصي والتنظيمي؛ والحفاظ على نفوذ غير مباشر على الأقل في نظام الحكم الجديد في غزة؛ والمكاسب المحتملة من عملية إعادة الإعمار؛ والشرعية الدولية والمحلية من المساهمة في نجاح الخطة. بالنسبة لإسرائيل، يوفر وقف إطلاق النار فرصة لوقف تآكل صورتها الدولية؛ وتحسين علاقاتها الإقليمية المتضررة؛ وخلق متنفس للتعافي الاقتصادي والعسكري؛ وتوجيه الانتباه والموارد إلى التهديدات في إيران ولبنان وسوريا؛ وتقليل الاحتكاك الداخلي قبل عام الانتخابات.
خلافات حول نزع السلاح وعقبات أخرى تلوح في الأفق
على الرغم من رغبة كل طرف في المضي قدما في خطة ترامب، فإن التقدم في المرحلة الثانية قد يتعثر بسبب مجموعة من الخلافات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل وحتى بين الفلسطينيين أنفسهم. وتشمل هذه الخلافات آليات التنفيذ والترتيبات المتعلقة بحركة الأشخاص والبضائع عند معبر رفح؛ وصلاحيات "اللجنة الوطنية الجديدة لإدارة غزة" (NCAG) في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية؛ ووضع الميليشيات العشائرية التي تعمل برعاية إسرائيلية؛ والوضع الرسمي للسلطة الفلسطينية في غزة؛ إضافة إلى الحفاظ على أفق سياسي لدولة فلسطينية مستقبلية.
ولكن قبل كل شيء، ستعتمد استمرارية العملية على سد الفجوة بين مطالب إسرائيل الأمنية واستعداد "حماس" للامتثال لها. ومن المتوقع أن تطالب إسرائيل بعملية مشددة خاضعة للإشراف والتحقق لتفكيك البنية التحتية العسكرية لـ"حماس"، مع التركيز في البداية على الأنفاق ومرافق إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة، بما في ذلك الصواريخ والصواريخ المضادة للدبابات والطائرات المسيرة.
وسيتبع ذلك قيام "حماس" بالتخلي التدريجي عن الأسلحة الشخصية، التي تقدر مصادر مختلفة عددها بعشرات الآلاف. غير أن الجماعة ستعارض هذا المطلب بشدة، لأنها تعتبر الأسلحة الشخصية (1) جزءا لا يتجزأ من حقها في مقاومة "الاحتلال" حتى إقامة دولة فلسطينية، و (2) وسيلة أساسية لحماية أعضائها من إسرائيل أو جهات فاعلة أخرى في غزة، و (3) ركيزة لتعزيز موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني.
وحتى إذا توصل الطرفان في النهاية إلى صيغة متفق عليها بشأن مسألة نزع السلاح - كاعتماد عملية شفافة لنقل الأسلحة إلى طرف ثالث يضمنها في ظل ظروف خاضعة للمراقبة - فمن المرجح أن يقدما على ذلك خوفاً من خسارة "لعبة إلقاء اللوم " مع الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية، أكثر من انطلاقهما من ثقة حقيقية في جدوى العملية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن “حماس" قد تطالب، مقابل تسليم أسلحتها -أو حتى مجرد الموافقة المبدئية على ذلك - بالاعتراف بها كحزب سياسي مؤهل للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية، مما يمنحها قدراً من الشرعية ويخلق مساراً طويل الأمد محتملاً للسيطرة على النظام السياسي الفلسطيني الأوسع.
كما أن هناك خلافات جوهرية بين الجانبين حول كيفية ربط وتيرة نزع السلاح بوتيرة إعادة الإعمار. وتمتد هذه الخلافات إلى توقيت انسحاب إسرائيل من الخط الأصفر - الذي يشمل نحو نصف مساحة غزة إلى منطقة أمنية مستقبلية لم يتم تحديدها بعد، ويمكن أن تمتد إلى مسافة تصل إلى كيلومتر واحد داخل غزة. ومن المرجح أن تطالب “حماس"، والفلسطينيون عموماً، ببدء مشاريع إعادة إعمار واسعة النطاق بسرعة، وتخفيف القيود على الحركة بين "المنطقة الحمراء " (أي المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية وتسكن فيها الغالبية العظمى من سكان غزة) و"المنطقة الخضراء" (المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية). في المقابل، تفضل إسرائيل أن ينصب التركيز في المرحلة الأولى على إعادة تأهيل الأنظمة الأساسية مثل التعليم، والصحة، والكهرباء، والمياه. ومن المرجح أيضاً أن توافق على مشاريع إعادة الإعمار فقط في المناطق التي جرى تطهيرها من البنية التحتية العسكرية ووجود العناصر المسلحة، وحيث تم إنشاء آليات فعالة لمنع دخول العناصر المعادية. وفي المحصلة، يعني هذا على الأرجح البدء بمنطقة رفح وحدها في المرحلة الأولى.
قد تتعرض المرحلة الثانية للتهديد بسبب تطورات خارج غزة أيضاً، مثل وقوع حوادث إصابات في الضفة الغربية أو القدس ولا سيما خلال شهر رمضان المقبل. وفي ضوء الانتخابات المقبلة في إسرائيل، من المتوقع تصاعد الضغوط الداخلية لاستئناف العمليات العسكرية في غزة، أو الدعوة إلى تعليق القدس تعاونها مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، لا سيما بعد أن كشفت اللجنة عن شعار جديد يشبه شعارات السلطة الفلسطينية، في إشارة إلى صلة محتملة أثارت انتقادات حادة من اليمين الإسرائيلي. علاوة على ذلك، قد تضغط إيران و"محور المقاومة" التابع لها على "حماس" للانضمام إلى جولة إقليمية أخرى من الانتقام ضد إسرائيل رداً على احتمال شن ضربات عسكرية جديدة ضد الجمهورية الإسلامية.
الخلاصة
للتغلب على هذه التحديات الهائلة، سيتعين على واشنطن وإسرائيل وشركائهما ابتكار طرق للحفاظ على التقدم المستمر على ثلاث مسارات متوازية، حتى لو كان هذا التقدم بطيئاً في بعض الأحيان:
المسار السياسي: سيركز هذا المسار على تمكين "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" من دخول غزة، وإتمام نقل سلطات الحكم من “حماس" إلى اللجنة الجديدة، وضمان أن تثبت اللجنة قدرتها على الحكم بفعالية. وعلى المدى القريب إلى المتوسط، سيكون مجرد تمكين جميع أعضاء اللجنة من دخول "المنطقة الحمراء" وتزويد وزاراتهم بالموظفين المناسبين، تقدماً مرحباً به. وستكون النتيجة الأفضل هي قيام اللجنة ببدء تشغيل الخدمات الأساسية في "المنطقة الحمراء " بمساعدة دولية وإقليمية، بما في ذلك الصحة والمياه والكهرباء والتعليم حتى المرحلة الثانوية
المسار الأمني: يجب أن يركز هذا المسار على ثلاثة أهداف رئيسية: الحفاظ على الهدوء النسبي، وتحقيق تقدم ملموس نحو نزع السلاح التدريجي، وتمكين سكان المجتمعات الحدودية الإسرائيلية من العودة إلى منازلهم. وينبغي أن تشمل الأهداف المحددة على المدى القريب إلى المتوسط اتخاذ قرارات حاسمة بشأن حجم قوات الأمن الدولية، والجدول الزمني لنشرها، والدول المشاركة فيها؛ وتدمير الأنفاق ومواقع إنتاج الأسلحة في المنطقة الحمراء؛ وتسليم أو تدمير الأسلحة الثقيلة لـ"حماس" في منطقة واحدة على الأقل من غزة؛ ووقف ظهور عناصر "حماس" في الأماكن العامة حاملين أسلحتهم.
المسار الاقتصادي/المدني: سيتطلب هذا المسار تحقيق تحسينات مستمرة وقابلة للقياس في الظروف المعيشية في غزة. وينبغي أن تشمل الإنجازات المحددة على المدى القريب إلى المتوسط إبقاء معبر رفح مفتوحاً مع حركة مرور كبيرة في كلا الاتجاهين (أي ما لا يقل عن عدة مئات من الأشخاص يومياً)، وبدء أعمال إعادة الإعمار والتنمية في حي واحد على الأقل من أحياء منطقة رفح، وتوافر السلع الأساسية في الأسواق المحلية، وإظهار استطلاعات الرأي العام تحسناً نسبياً في رضا السكان عن الظروف المحلية.
وفي التحليل النهائي، سيتعين على الإسرائيليين والفلسطينيين - ولا سيما "حماس" - إظهار العزم وحسن النية في الوفاء بالتزاماتهم، إلى جانب ضبط النفس في خطابهم وسلوكهم على أرض الواقع. علاوة على ذلك، سيتم تقييم الجهات الفاعلة الدولية بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية مثل مصر ودول الخليج وتركيا، بناءً على عدة معايير: قدرتها على الحفاظ على مشاركة سياسية هادفة؛ وقدرتها على حشد الموارد الاقتصادية لدفع عملية الانتقال؛ وقدرتها على بناء نظام منسق من الحوافز والضغوط يقلل من قدرة كل طرف على الانحراف عن الاتفاقات أو البحث عن مخرجات. ولن تنجح المرحلة الثانية إلا بجهود مشتركة من جميع الأطراف.