- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4174
الولايات المتحدة وإسرائيل تضربان إيران
اقرأ أو شاهد تحليلات عدد من خبراء معهد واشنطن حول أهداف أمريكا في إيران والسياسات الأنسب لتعزيز الأمن الأمريكي، ودعم الشعب الإيراني، وتحسين آفاق الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.
في الثاني من آذار/مارس، نظّم معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً شارك فيه كلٌّ من "هولي داغريس" و"دينيس روس" و"دانا سترول" و"روبرت ساتلوف" حول أهداف أمريكا في إيران والسياسات الأنسب لتعزيز الأمن الأمريكي، ودعم الشعب الإيراني، وتحسين آفاق الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.
وفيما يلي ملخص أعدّه المقررون لمداخلات المشاركين.
هولي داغريس
تتشكّل المزاجات السائدة داخل إيران حالياً في ضوء موجة الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت في وقت سابق من هذا العام، والحملات الأمنية الوحشية التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، فضلاً عن الغموض المستمر المحيط بمستقبل النظام. وحين لقي المرشد الأعلى "علي خامنئي" حتفه جرّاء ضربات عسكرية مشتركة في نهاية الأسبوع الماضي، انفجرت احتفالات شعبية جريئة في أرجاء إيران. غير أنه لا يزال من غير المعروف كيف ستنعكس هذه الضربة على مسار النظام.
وحتى الآن، أعمل المسؤولون الإجراءات المنصوص عليها في المادة 111 من الدستور، إذ تولّت مجلسٌ مؤلّف من ثلاثة أعضاء – هم الرئيس ورئيس القضاء وعضوديني من مجلس صيانة الدستور – إدارة صلاحيات المرشد الأعلى ريثما يُختار خلف له. وما لم تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل المؤسسة الدينية بصورة أكثر حسماً، فإن الجهاز الأمني للجمهورية الإسلامية سيظل قادراً على إخماد أي انتفاضة مستقبلية. وتُعرب كثير من شرائح الشعب الإيراني عن خشيتها مما ينتظرها إن أفلت النظام من هذه الجولة. فقد نفّذت السلطات ما لا يقل عن 552 حكم إعدام في هذا العام وحده، ولا يُستبعد أن تعقب الحرب موجة إعدامات جماعية أوسع نطاقاً تبعاً لمآل النظام حين يتوقف القتال.
وعلى المدى القريب، تجدر مراقبة أي انشقاقات محتملة داخل إيران وخارجها، وقد تأخذ أشكالاً بسيطة كالغياب عن العمل أوالتمارض. ومن المؤشرات الدالة على تراجع الجمهورية الإسلامية: استمرار استهداف قيادة النظام والمؤسسة الدينية، وظهور تقارير عن فرار قوات أمنية وقيادات سياسية من البلاد، وشُح الغذاء والوقود والسلع الأساسية. وهذه المعطيات بالغة الأهمية لفهم مدى صمود النظام أمام ضغوط الحرب.
دينيس روس
أفضى الغموض الذي أحاط به الرئيس "ترامب" أهدافه في هذه الحرب إلى تعظيم هامش مناورته وحرية تعريف ما يُعدّ نجاحاً – في حين أبقى الآخرين في دائرة الضبابية. وقد أحجم ممثلوإدارته عن الظهور في البرامج الحوارية وما شابهها، فيما تركت تصريحاتُ "ترامب" حول منح الشعب الإيراني فرصة صنع مستقبله المراقبين في حيرة: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى تغيير النظام؟
تقول الحكمة التقليدية إن تغيير النظام باتخاذ الغارات الجوية وحدها دون قوات برية على الأرض أمر يكاد يكون مستحيلاً. وقد دأبت الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف منظومة قيادة الجمهورية الإسلامية وسيطرتها عبر ضربات طالت مواقع "الحرس الثوري" وقوات "الباسيج" في أنحاء البلاد، بهدف إضعاف المؤسسة العسكرية واستنزاز ولاء عناصرها. بيد أن تساؤلات جوهرية تبقى عالقة حول الغاية النهائية من حملة "تغيير النظام" ومدى جدوى بلوغها في الأفق المنظور.
ومن ثَمّ، قد يكون البديل الأكثر واقعية هو"إضعاف النظام" لا إسقاطه. إذ يمكن لجعل الجمهورية الإسلامية هشّة وعاجزة عن تهديد المنطقة أن يضطر كبار مسؤولي النظام إلى مراجعة سلوكهم، على غرار ما شهدته فنزويلا مؤخراً. وقد بدأت بعض النخب الإيرانية في أعقاب حرب حزيران/يونيو2025 تتساءل عن جدوى استراتيجية المرشد الأعلى القائمة على ضخّ استثمارات ضخمة في الوكلاء الإرهابيين وبرامج البنية التحتية النووية. وقد تُعمّق حملة "إضعاف النظام" تلك التصدّعات الداخلية، مما قد يهيئ الأرضية لتغيير مواقف طهران عبر التوصل إلى صفقة مع أي قيادة ناشئة تُبدي استعداداً لتقديم تنازلات مقبولة لدى "ترامب ".
كما أن استراتيجية "إضعاف النظام" قد تتيح للبيت الأبيض الخروج منفرداً من الحرب مُعلناً انتصاراً واسعاً؛ انتصاراً تمثّل في إيقاع الثمن الباهظ بالنظام جراء مجازره بحق المحتجين، وفي كسر قدرته على تهديد المنطقة. وفي هذا السيناريو، يستطيع "ترامب" التلويح بثمن أشدّ وطأة إن حاولت طهران مواصلة العداء بعد أن يأمر قواتِه الأمريكية بوقف عملياتها. وأكبر مخاطر هذا النهج ليس استمرار إيران في القتال، بل احتمال شنّ حملة قتل جماعي جديدة ضد الشعب الإيراني إن هبّ لاستثمار وهن النظام.
وعلى ما يبدو، وقعت طهران في خطأ تقديري جسيم حين هاجمت دول الخليج، إذ أملت أن يدفع ذلك السعودية وقطر والإمارات وسواها إلى الضغط على "ترامب" لوقف الحرب، فأسفر هجومها عن نتيجة معاكسة: عزلة إيران وتلاحم الخليج في مواجهة النظام. وكانت المحصّلة تعزيز احتمالات التكامل الإقليمي بعد الحرب، وإثبات قيمة الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة.
كما يجعل استعداد "ترامب" لاستخدام القوة الصارمة من روسيا والصين طرفين هامشيين في الشرق الأوسط. وإن كانت إيران تبحث عن مخرج من الحرب، فقد تلجأ إلى موسكو وسيطاً. وربما يكون لـ"فلاديمير بوتين" مصلحة فعلية في استعادة حضوره الإقليمي وإنقاذ نظام حليف، وعرض مخرج على واشنطن. غير أنه سيكون مضطراً إلى انتزاع تنازلات يراها "ترامب" ذات قيمة حقيقية.
دانا سترول
حين درس الرؤساء الأمريكيون السابقون خيار توجيه ضربات عسكرية مباشرة لإيران، كانوا يوازنون ثلاثة اعتبارات محورية:
أولها: مخاطر الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة الإيرانية على مستوى المنطقة، بما تشمل المراكز المدنية والبنية التحتية الطاقوية والمصالح العسكرية الأمريكية.
وثانيها: احتمال تفعيل الوكلاء الإقليميين كـ"حماس" و"حزب الله" والحوثيين والميليشيات العراقية والسورية، القادرة على تهديد المصالح الإسرائيلية والأمريكية.
وثالثها: الإشكالية المتعلقة بما إذا كانت الضربات الأمريكية ستدفع طهران إلى التمسك بمسار التصعيد النووي وبقية عناصر استراتيجيتها الزعزعة الإقليمية بدلاً من تغيير سلوكها.
وفي الجولات الثلاث السابقة من المواجهة المباشرة مع إيران منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تتحقق تلك السيناريوهات المتشائمة. غير أن الرد الإيراني في الجولة الراهنة ينسجم مع تلك الفرضيات. فالنظام يُوظّف صواريخه وطائراته المسيّرة في استهداف دائرة متوسعة من الأهداف باتت تشمل مطارات مدنية وفنادق وناقلات نفط ومنشآت طاقة. ولا بد من الإشارة إلى الثمن البشري الباهظ لهذا النزاع، حيث يعيش أبناء المنطقة وأطفالهم هواجس الحرب للمرة الأولى. أما على الأراضي الأمريكية، فستُشعر مشاعل هذه الحرب بوطأتها من كلف مالية ومخاطر بشرية وإشكاليات إعادة تموين الذخائر وضغوط على الصناعة الدفاعية.
وكان أجدى توقيت لأي تحرك كونغرسي في مواجهة التعزيزات العسكرية التي أمر بها "ترامب" هوما قبل اندلاع الأعمال العدائية. وبينما يمنح الفصل الثاني من الدستور الرئيسَ صلاحيات واسعة في مواجهة التهديدات الوشيكة، فإن محاولة تقييد تلك الصلاحيات عبر تصويت معلّق على قرار صلاحيات الحرب لن يُلقي بظلاله على العملية الجارية.
على الصعيد العسكري، تُمثّل الحملة عملية مشتركة غير مسبوقة بين القوات الأمريكية والإسرائيلية، مستثمرةً دروس التنسيق في مجالات استخبارات ومعالجة الأهداف والتواصل وتجنّب الاشتباك الصديق منذ عام 2023. وعوضاً عن توجيه أصابع الاتهام صراحةً إلى واشنطن وتل أبيب، آثر معظم شركاء الخليج والعرب والأوروبيين إدانة الضربات الانتقامية الإيرانية العشوائية؛ بل إن بعضهم يدرس المشاركة في العمليات العسكرية للدفاع ضد الهجمات الإيرانية. ويستحق قائد "القيادة المركزية الأمريكية" ثناءً خاصاً على ما أرساه في صمت من روابط تقنية وعملياتية وسياسية مكّنت من تبادل استخباراتي سريع وتنسيق فاعل في منظومات الدفاع الجوي مع الشركاء الإقليميين، الذين أسقطوا مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة رغم التوترات الإقليمية القائمة.
وثمة مؤشرات عدة تستدعي متابعة دقيقة: تصاعد حصيلة الضحايا ولا سيما الخسائر الأمريكية، والتداعيات الإنسانية والسياسية لحملة عالية المخاطر على الأسر الأمريكية، وأثر الضغط على منظومات الدفاع الجوي الخليجية، والضغط الداخلي الذي قد يتعرض له قادة الدول العربية جراء توالي الضربات على مجتمعاتهم في ظل غياب بنية تحتية كافية للدفاع المدني، وتذبذب أسواق النفط بما يشمل احتمال موجة ارتفاع سعرية جديدة إن أُغلق مضيق هرمز. وستكون معادلة مخزونات الصواريخ والصواريخ الاعتراضية حاسمة أيضاً – فمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية الصنع فاعلة لكنها محدودة الطاقة، فيما ترسانة إيران الصاروخية هي الأخرى محدودة، مما يجعل وتيرة التصعيد ومدى استدامته أمراً بالغ الأهمية.
روبرت ساتلوف
من أبرز سمات هذه الحرب: أنها تُجسّد أرفع صور التعاون العسكري الأمريكي– الإسرائيلي على الإطلاق، إلى جانب القرار الأمريكي التاريخي بالمشاركة في عملية تستهدف الاغتيال السياسي لقائد دولة خصم – وهو"خامنئي". وقد رسم الرئيس "ترامب" منظومة أهداف متشعبة تمتد من تدمير بقايا البرنامج النووي وصولاً إلى تغيير النظام، مما يُتيح له فرصاً وافرة للإعلان عن نصر حين يشاء.
وضمن السيناريوهات العديدة المطروحة، يبرز التساؤل: كيف سيتصرف "ترامب" إن بلغت الأمور حداً يُلبّي فيه الشعب الإيراني نداءه باستعادة بلاده؟ هل سيمدّه بدعم عملياتي – أي غطاء جوي – لصون أرواحه من الضربات الانتقامية للنظام؟ أم سيتركه لمصيره كما فعل الرئيس "جورج بوش" عام 1991؟
ومن العناصر المفاجئة لافتاً في هذا النزاع استراتيجيةُ طهران في تدويل الصراع منذ الساعات الأولى. فقد دخلت الجمهورية الإسلامية هذه الحرب بوصفها الأكثر عزلةً في العالم، وليس ثمة حليف يُقدّم لها دعماً ملموساً. ثم فاقم قادتها من وضعهم بمهاجمة دول المنطقة، فحوّلوا حكومات آثرت البقاء على الحياد إلى خصوم صفّهم في مواجهتهم. وباتت مساعي تنسيق عربية– إسرائيلية ضد عدوإيراني مشترك – بعد أن كانت ضرباً من المستحيل – حقيقة يُتداول فيها الجديّون. وتلاشت حدة التوترات السعودية– الإماراتية مؤقتاً كما جلّى بيانهما المشترك المندِّد بالهجمات الإيرانية، فيما طالب لبنان باستئناف المفاوضات مع القدس في أعقاب إقدام "حزب الله" على الانضمام للحرب بإطلاق صواريخه على شمال إسرائيل.
وعلى الرغم من أن الحرب في أيامها الأولى، فإن الأحداث تتسارع بإيقاع متدفق. فقبل أسبوع واحد فحسب، تفاخر الرئيس "ترامب" في خطاب حال الاتحاد بتراجع أسعار الوقود، وهوالآن في سباق مع الزمن للحيلولة دون أن تُفضي الحرب إلى قلب هذا الإنجاز رأساً على عقب أوإلحاق أضرار بعيدة المدى بالاقتصاد الأمريكي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية. وإن كان خوض حرب "ساخنة" طويلة الأمد تجربةً جديدة على هذه الإدارة ومكلفة سياسياً، فثمة احتمال حقيقي بأن يضع "ترامب" حداً لها ويُعلن النصر في أول لحظة يمتلك فيها هدفاً محدد المعالم يستطيع تقديمه إنجازاً للرأي العام.
أعدّ هذا الملخص: "سارة بوشيز" و"شيفان أناند" و"نافا غولدستاين" و"ميريديث زيلونكا". ويُقام سلسلة "منتدى السياسات" بفضل كرم "مؤسسة وينكلر لوي ".