- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4194
تداعيات حرب إيران على دول شمال أفريقيا
ستُلقي هذه الأزمة بظلالها على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في دول المغرب العربي، غير أن هذه الدول ستجد في الوقت ذاته فرصاً — بدعم أمريكي — لترسيخ مكتسباتها السابقة للحرب، وذلك من خلال سدّ الثغرات في أسواق الطاقة العالمية وغيرها من القطاعات الحيوية المتضررة من النزاع.
على الرغم من أن حرب إيران تبعد نحو ألفٍ وستمئة ميل عن دول المغرب العربي، فإن حكومات الجزائر وليبيا والمغرب وتونس وشعوبها تعيش تداعياتها بصورة متصاعدة. وفي منطقة تتباين فيها الدول بين مصدّرة ومستوردة للطاقة، وتتشابك فيها قضايا شائكة من قبيل الإسلام السياسي والتطبيع العربي-الإسرائيلي، قد تكون هذه الارتدادات الآنية مجرد مقدمة لتحولات أعمق، رهينةً بمسار الصراع وتطوراته.
التداعيات الاقتصادية
تبدو التداعيات الأكثر وضوحاً للحرب على دول المغرب في قطاع الطاقة. فمن الناحية النظرية، بإمكان الجزائر وليبيا — بوصفهما دولتَين مصدِّرتَين — تعزيز صادراتهما من الغاز الطبيعي والنفط نحو أوروبا، في ظل تقلص الإمدادات القادمة من الخليج العربي؛ وفي هذا السياق، زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني الجزائرَ مؤخراً للتعبير عن هذه الرغبة. بيد أن كلا البلدين يواجهان تحديات جوهرية للوفاء بهذا الطلب.
تُصدّر الجزائر كميات ضخمة من الغاز إلى الخارج، تشمل الغاز الطبيعي المسال بطاقة تصديرية تبلغ 1,215 مليار قدم مكعب سنوياً، إضافة إلى الغاز الأنبوبي بطاقة 3,262 مليار قدم مكعب سنوياً. غير أن الحفاظ على مستويات الإنتاج القياسية التي حققتها في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا بات أمراً عسيراً. وللتمكن من ضخ كميات أكبر من الغاز إلى أوروبا مع الوفاء بالطلب الداخلي المتنامي، ستحتاج شركة سوناطراك الحكومية على الأرجح إلى ضخ استثمارات إضافية لتطوير البنية التحتية وتعزيز طاقتَي التكرير والإنتاج.
وعلى المنوال ذاته، تعثّرت ليبيا في بلوغ أهداف إنتاجها النفطي، إذ أسهمت الانقسامات السياسية وسوء الإدارة الاقتصادية في تجفيف تمويل هذا القطاع الذي لا يزال يحتاج إلى استثمارات ضخمة، على الرغم من إتمامها جولة مناقصات ناجحة نسبياً في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب. تنتج ليبيا حالياً نحو 1.7 مليون برميل من النفط الخام يومياً، فيما حددت المؤسسة الوطنية للنفط هدفاً بالوصول إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030. إلا أنه إن أرادت ليبيا الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة في زمن الحرب وترسيخ صورتها بوصفها مورداً موثوقاً، فلا مناص لها من معالجة العوائق الداخلية التي تكبّل قطاعها النفطي.
أما تونس والمغرب، بوصفهما مستوردتَين للطاقة، فقد يُلقي ارتفاع الأسعار العالمية بعبء ثقيل على ميزانياتهما العامة، نظراً للدعم الحكومي الكبير الذي تقدمانه في هذا المجال. وتبدو التداعيات أشد وطأة في تونس، حيث يتجاوز الدين العام 80% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ذلك أن كل دولار يُضاف إلى سعر النفط يعني نحو 164 مليون دينار (ما يعادل 55 مليون دولار) من النفقات الحكومية الإضافية، مع احتمال رفع بعض بنود الميزانية بنسبة تصل إلى 50%. ويتعرض كلا البلدين أيضاً لمخاطر ارتفاع تكاليف النقل، مما يهدد قطاعات محورية كالزراعة والصيد البحري والبناء والتصنيع وتوزيع الغذاء.
وثمة تداعيات أخرى قد تطال الدول الأربع بأسرها؛ إذ تعتمد جميعها على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية، مما يُعرّضها لتقلبات أسعار الغذاء. وبالمثل، فإن تفاقم عجز الميزانيات وارتفاع التضخم قد يهدد الاستقرارَ الاجتماعي والسياسي، ولا سيما في تونس التي عاشت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية موجات متلاحقة من الاضطرابات منذ أن أضرم بائع متجول فقير النار في نفسه احتجاجاً على مضايقات السلطات له.
التداعيات السياسية والجيوسياسية
دعت الحكومات الشمال أفريقية رسمياً إلى ضبط النفس، واحترام السيادة الوطنية، والتضامن مع الدول العربية التي طالها العدوان. بيد أن ثمة فوارق لافتة في المواقف؛ فبينما تحاشت تونس توجيه أي انتقاد مباشر لإيران، أقدم المغرب على إدانة سلوك النظام الإيراني بشكل صريح.
واستأثر الموقف الجزائري باهتمام خاص؛ فتاريخياً، ظلت علاقات الجزائر بإيران أكثر دفئاً مقارنة بجيرانها — فالمغرب قطع صلاته بطهران عام 2008 على خلفية اتهامات بالتبشير الديني، فيما اتسمت العلاقات التونسية الإيرانية بالهدوء دون أن ترقى إلى مستوى الحميمية. ومع ذلك، يُحجم الجزائريون عن إدانة إيران صراحةً على هجماتها التي طالت دول الخليج، في تناقض مع انتقادهم السابق لإسرائيل حين هاجمت إيران في حرب يونيو 2025. ويكتسب هذا التحفظ دلالة بالغة في ضوء الخلاف المتجذر بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة، التي تعاني من أشد الغارات الإيرانية خلال الشهر الماضي، فضلاً عن اتهام أبوظبي بدعم "عناصر معادية" في الجزائر. ولعل هذا ما يفسّر لجوء الرئيس عبدالمجيد تبون إلى الاتصال بعدد من القادة العرب خلال الحرب مع إغفاله التام للإمارات.
وعلى الصعيد المحلي، قد تترتب على الحرب تبعات سياسية في المغرب، حيث تأمل الأحزاب الإسلامية في استعادة زخمها في انتخابات البرلمان المقررة مطلع الخريف، بعد الهزيمة التي مُنيت بها في عام 2021. وقد وجّه حزب العدالة والتنمية الإسلامي الرئيسي انتقاداً صريحاً لكلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة على خلفية الهجوم على إيران. في المقابل، حظرت الحكومة — التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل في عام 2020 — الاحتجاجات التي سعت المجموعات الموالية للفلسطينيين إلى تنظيمها، إذ تراها الملكية والأحزاب الحليفة لها تهديداً محتملاً؛ وهذا امتداد لنهج ثابت يسير عليه المغرب منذ الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، التي أبدى الرأي العام المغربي رفضاً واسعاً لها.
المخاوف الأمنية
على الرغم من أن الأنشطة المتطرفة في منطقة المغرب العربي شهدت تراجعاً ملحوظاً على مدار العقد الماضي، فإن حرب إيران قد تُعيد إحياءها من جديد. تضطلع كلٌّ من تونس والجزائر بدور محوري في استقرار المنطقة من خلال شراكتهما الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، على النقيض من تكاثر الجماعات المسلحة في ليبيا المجاورة ومنطقة الساحل القريبة. غير أن أي انهيار اجتماعي أو اقتصادي يُهدد هذا الاستقرار النسبي.
وقد يمتد أثر الأزمة ليطال النزاع في الصحراء الغربية أيضاً؛ ففي خضم اندلاع حرب إيران، بدا أن المغرب جدّد دفعه نحو حمل الكونغرس الأمريكي على تصنيف جبهة البوليساريو — الحركة الانفصالية التي تدّعي تمثيل الشعب الصحراوي الأصلي في الإقليم المتنازع عليه — منظمةً إرهابية، استناداً إلى ادعاءات بارتباطها بطهران.
الانعكاسات على الولايات المتحدة
تحرص واشنطن على تفادي أي انزلاق نحو زعزعة استقرار دول المغرب — اقتصادياً أو غير ذلك — بفعل الحرب، ولا سيما أن ذلك قد يُفضي إلى تمدد النفوذ المتطرف القادم من منطقة الساحل المجاورة. وتبقى تونس الحلقة الأكثر هشاشة، وهي التي تتفاقم أوضاعها الاقتصادية منذ جائحة كوفيد-19 وبداية حرب أوكرانيا. بيد أن جميع دول المغرب ستواجه التضخم وغيره من التداعيات الاقتصادية غير المباشرة، مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار والحوكمة في المنطقة برمتها. فالمغرب، على سبيل المثال، يُعدّ من كبار منتجي الأسمدة الفوسفاتية عالمياً، والكثير من مستلزمات هذه الصناعة يُستورد من دول الخليج. ومن ثمّ، فإن اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب قد تعرقل التدفقات العالمية للفوسفات. بل إن ما يبدو في ظاهره بشرى سارة قد ينقلب وبالاً — فارتفاع عائدات الطاقة في ليبيا قد يُعمّق الانقسامات السياسية بين الفصائل المتنافسة على تلك الثروات، ويرفع من سقف مخاطر الحصار النفطي الذي قد تفرضه الجماعات المسلحة.
في الوقت الحالي قد تتيح الفوضى الراهنة في الشرق الأوسط فرصاً بعينها:
- في المغرب، حقّقت السلطات تقدماً ملموساً في مسار التحول نحو الطاقة المتجددة، وبإمكانها الاستفادة من الصدمة الطاقوية العالمية لتسريع هذه الاستثمارات. كما يمكنها تحويل إشكالية سلاسل توريد الفوسفات من عبء إلى فرصة، بالتحوّل إلى لاعب رئيسي في سوق الأسمدة عالمياً.
- بإمكان الجزائر أن تُعيد صياغة نهجها في الموازنة بين خيار الاعتماد على الذات وضرورة التكيّف مع متغيرات الاقتصاد العالمي؛ فتواصل مسيرتها في التنويع الاقتصادي، بينما تُعزّز قطاع الغاز لديها لسدّ الفجوات في أسواق الطاقة العالمية وتعظيم حجم الإنتاج.
- في ليبيا، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى توسيط اتفاق لتقاسم السلطة بين النخب السياسية، قد تمنح حرب إيران هذا البلد فرصة أخرى للتغلب على انقساماته المزمنة وإثبات موثوقيته مورداً للنفط.
وحتى تحمي واشنطن مصالحها في منطقة المغرب، يتعين على صانعي السياسة الأمريكية مواصلة تعاملهم مع دول المنطقة كافة، حتى حين يبلغ الانشغال بالحرب الإيرانية والأزمات الشرق أوسطية الأخرى ذروته. وعليهم كذلك تجنّب إغراء اتخاذ تدابير عقابية بحق الدول التي لا تجاهر بمساندتها ضد طهران. وثمة خطوة جوهرية لا تقل أهمية، تتمثل في الإبقاء على رؤية بعيدة المدى لإمكانات المنطقة، يتجلى ذلك في تشجيع الاستثمارات في قطاع الطاقة في الجزائر (بما يشمل نقل تقنيات التنقيب عن الصخر النفطي)، وفي ليبيا أيضاً؛ مما يُهيّئ المغرب العربي ليكون شريكاً أمنياً واقتصادياً أكثر رسوخاً في مرحلة ما بعد الحرب.
علاوة على ذلك، ينبغي لصانعي السياسة الأمريكيين المضيّ قُدُماً في العمل الدبلوماسي الهادئ والبالغ الأهمية الرامي إلى التوصل إلى تسوية سلمية لنزاع الصحراء الغربية. كان إقناع جميع الأطراف بالجلوس على طاولة التفاوض خطوة بالغة الأهمية، وكذلك كان إقناع الرباط بتقديم خطة حكم ذاتي مُعزّزة أساساً للتفاوض. بيد أن سعي المغرب المُجدَّد لانتزاع عقوبات أمريكية على جبهة البوليساريو يُوحي بأنه يتعامل مع حرب إيران بوصفها فرصة لتوطيد اعتراف إدارة ترامب في ديسمبر 2020 بسيادته على الصحراء الغربية. ومع ذلك، حتى قبل اندلاع الحرب، كان التقدم في تجاوز العقبات الجوهرية محدوداً وفق ما أُفيد. لذا، قد تحتاج واشنطن إلى مزيج من الحوافز الأكبر والضغوط الأشد — فضلاً عن انخراط دائم ومستدام — لتغيير هذه المعادلة.