- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4200
محادثات لبنان - إسرائيل: تحديد مجالات الاتفاق المحتملة
بمساعدة واشنطن، يبرز مسار عملي أمام بيروت والقدس للتوصل إلى اتفاق أكثر محدودية من وقف إطلاق نار شامل، بما يتيح لهما بدء مفاوضات تمهد للتقدم في مسار نزع سلاح "حزب الله" وتعزيز فرص السلام الثنائي.
لأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، سيجتمع ممثلون سياسيون من لبنان وإسرائيل يوم الثلاثاء برعاية الولايات المتحدة لبدء محادثات قد تُفضي في نهاية المطاف إلى مفاوضات سلام. وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في أعقاب هجوم إسرائيلي واسع النطاق على بيروت الأسبوع الماضي، استهدف منظمة "حزب الله" المدعومة من إيران وحليفتها الشيعية المحلية "حركة أمل ". وعلى الرغم من أن هذه المحادثات تمثل خطوة واعدة نحو توسيع نطاق السلام العربي - الإسرائيلي، فإن المهمة الفورية تتمثل في صياغة مقاربة تعالج أوجه القصور في اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 - الذي أخفق في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في نزع سلاح "حزب الله" - مع الحد من تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية على المدنيين اللبنانيين.
تعقيد الجبهة اللبنانية
من المهم التذكير بأن "حزب الله" هو من بادر بإشعال الجولة الحالية من القتال عبر إطلاقه صواريخ على شمال إسرائيل في 2 آذار/مارس، ظاهرياً دعماً لراعيته إيران. وبذلك، وجه الضربة القاضية لاتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024 الذي توسطت فيه إدارة بايدن، عقب حملة إسرائيل "السهام الشمالية " التي تضمنت عملية أجهزة الاستدعاء المتفجرة الشهيرة.
في البداية، بدا أن هذا الاتفاق يتمتع بفرص نجاح أكبر من اتفاق وقف إطلاق النار المتعثر في غزة، ويرجع ذلك أساساً إلى وجود طرف ثالث حاسم - يتمثل في الحكومة اللبنانية المنتخبة، والمدعومة من قبل القوات المسلحة اللبنانية المدعومة أمريكياً - في حين أن اتفاق غزة كان مثقلاً بعبء إنشاء مثل هذا الطرف من الصفر. وعلى الرغم من أنه كانت هناك فترة نظرت فيها الحكومات اللبنانية إلى "حزب الله" بوصفه "مقاومة وطنية" ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن تلك المرحلة قد انتهت. إذ ينظر معظم اللبنانيين - بما في ذلك الغالبية العظمى من المسيحيين والسُنّة، وشريحة متزايدة من الشيعة - إلى "حزب الله" باعتباره أداة للتدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية. وبعد أن كبدت إسرائيل الجماعة خسائر كبيرة في خريف عام 2024، تبلور هذا التصور في إطار وقف إطلاق النار، الذي نص على أن تتولى القوات المسلحة اللبنانية نزع سلاح "حزب الله" تدريجياً.
ومع مرور الوقت، أصبحت عيوب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 واضحة. فمن الناحية النظرية، تمثّل الخلل الرئيسي في الافتراض بأن القوات المسلحة اللبنانية ستواصل بجدية مهمة نزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه التي بدأت بها إسرائيل؛ أما من الناحية الهيكلية، فقد أخطأت الاتفاقية بغياب جدول زمني واضح للتنفيذ. وبسبب هذه الثغرات، لم تُفوّض الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام القوات المسلحة اللبنانية بوضع خطة متكاملة لنزع السلاح إلا بعد سبعة أشهر من تعهد الرئيس جوزيف عون، في شباط/فبراير 2025، بفرض احتكار الدولة للسلاح داخل لبنان. وحتى عندئذ، اتبعت القوات المسلحة اللبنانية نهجاً حذراً ومتحفظاً في تنفيذ خطة كان يُفترض أن تكون أكثر صرامة، متجنبة أي عمليات قد تنطوي على اشتباك مباشر مع "حزب الله ".
وقد يكون هذا التوجّه ناجماً عن عدة عوامل: ربما أعطى الجيش أولوية للحفاظ على الاستقرار الداخلي على حساب فرض نزع السلاح، كما أشار قائد الجيش رودولف هيكل مراراً؛ وربما لا تزال شبكات نفوذ "حزب الله" متغلغلة داخل المؤسسة العسكرية؛ وربما تمكّن زعيم "حركة أمل " نبيه بري من توظيف موقعه البرلماني لعرقلة أي حملة جدية ضد حليفه؛ وربما استثمر جزء كبير من النخبة اللبنانية في النظام السياسي الهجين الذي يحتفظ فيه "حزب الله" بنفوذ فعلي خلف واجهة الدولة المدنية .و مهما تكن الأسباب، فقد كشفت النتيجة بوضوح عن أوجه القصور البنيوية في اتفاق وقف إطلاق النار.
ومن المؤكد أن اتفاقية عام 2024 جاءت مصحوبة ببعض الابتكارات المفيدة، من بينها: آلية تقودها الولايات المتحدة يقوم عبرها ضباط عسكريون أمريكيون بنقل معلومات استخباراتية إسرائيلية حول مستودعات أسلحة "حزب الله" إلى القوات المسلحة اللبنانية لمصادرتها؛ وتقليص الدور الفعلي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) التي باتت متضخمة ومحدودة الجدوى؛ فضلاً عن تفاهم ضمني من واشنطن منحت إسرائيل حقاً مستمراً في استهداف "حزب الله" عندما تكون التهديدات وشيكة أو في حال تقاعست السلطات اللبنانية عن التحرك.ومع ذلك، لم يكن أي من هذه الترتيبات كافياً لتجاوز المشكلة الجوهرية، والمتمثلة في أن الجيش اللبناني أحجم عن المخاطرة بمواجهة مباشرة مع "حزب الله "، واعتمد بدلاً من ذلك نهجاً "توافقياً" غير فعّال في نزع السلاح، في وقت لم تمارس فيه القيادة السياسية ضغطاً كافياً لإجباره على تغيير هذا المسار.
وقبل أسابيع قليلة من اندلاع القتال الحالي، أعلنت القوات المسلحة اللبنانية بثقة أنها حققت "سيطرة عملياتية" جنوب نهر الليطاني. إلا أن مساحات واسعة من هذه المنطقة الحدودية الحيوية بقيت خارج نطاق التفتيش الفعلي، نتيجة سياسة الجيش التي تقضي عموماً بعدم انتهاك "الملكية الخاصة "، وهو ما أتاح لـ"حزب الله" عملياً إقامة ملاذات آمنة بمحاذاة الحدود مع إسرائيل. وتؤكد الهجمات الواسعة التي استهدفت إسرائيل منذ 2 آذار/مارس، إلى جانب البنية التحتية العسكرية الكبيرة لـ"حزب الله" التي كشفت عنها القوات الإسرائيلية في الجنوب منذ ذلك الحين، مدى الخلل الشديد في الاستراتيجية التي اعتمدتها للقوات المسلحة اللبنانية.
إصلاح وقف إطلاق النار، والبناء من أجل السلام
بعد ستة أسابيع من الصراع، باتت أمام الدبلوماسيين اللبنانيين والإسرائيليين فرصة ثانية نادرة لتصحيح المسار. وكان عون قد دعا إلى إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل منذ اندلاع هذه الجولة من القتال، فيما حث الرئيس ترامب إسرائيل على الاستجابة بشكل إيجابي. وقد وافقت القدس على ذلك عقب توجيه ضربات عسكرية واسعة النطاق إلى "حزب الله" وحلفائه الأسبوع الماضي، مستخدمة تفوقاً جوياً واستخباراتياً لافتاً مكّنها من استهداف أكثر من مائة هدف في غضون عشر دقائق فقط. ومن خلال استهداف "حركة أمل" للمرة الأولى، وجهت إسرائيل رسالة واضحة إلى نبيه بري مفادها أنه لم يعد محصناً من دفع ثمن دعمه لـ"حزب الله".
كما أسهمت هذه الضربات في تعزيز موقف الحكومة اللبنانية، إذ أصدر المسؤولون أوامر إلى القوات المسلحة اللبنانية بالانتشار في مختلف أنحاء بيروت بهدف تحويل العاصمة إلى منطقة خالية من السلاح. وفي الوقت نفسه، عين عون ممثلاً مفوضاً واحداً للتفاوض مع إسرائيل، متجاوزاً بذلك محاولات بري السابقة لعرقلة المحادثات عبر تعطيل التمثيل الشيعي ضمن الوفد الطائفي المشترك.
وفي هذا السياق، من المهم ملاحظة أن الممثلين اللذين تم اختيارهما لحضور اجتماع وزارة الخارجية هذا الأسبوع هما، وفق المصطلح الأمريكي، "مُعيّنان سياسيان "، جرى اختيارهما بعناية من قبل قيادتيهما ليكونا مبعوثين شخصيين في واشنطن. فقد اختارت إسرائيل السفير ييشيل ليتر، الذي شغل سابقاً منصب رئيس ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ فيما اختار لبنان السفيرة ندى حمادة معوض، وهي مسؤولة سابقة بارزة في البنك الدولي.
وسيتمثل التحدي الأكثر إلحاحاً أمامهما في التعامل مع التباين في المواقف إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية. ويتمحور ذلك حول تحديد معنى "وقف إطلاق النار "، وهو ما يطالب به لبنان بينما ترفضه إسرائيل بصيغته الحالية. ولا يُبدي القادة اللبنانيون تعاطفاً مع مقاتلي "حزب الله" أو "حركة أمل" الذين قُتلوا، لكنهم يسعون إلى وقف إطلاق النار لإضفاء الشرعية على الانخراط في محادثات مباشرة، وكذلك لتخفيف العبء الإنساني الكبير الناتج عن نزوح أكثر من مليون شخص خلال الأسابيع الأخيرة.
أما بالنسبة للحكومة الإسرائيلية الحالية - التي وافقت على اتفاق2024 ، فقد وجدت نفسها لاحقاً أمام "حزب الله" وهو يقصف المجتمعات الشمالية بمئات الصواريخ . ومن ثم، فإن القبول بوقف إطلاق نار جديد دون تحقيق تقدم ملموس في نزع سلاح الجماعة وتفكيكها سيكون بمثابة مخاطرة سياسية جسيمة، أو ما يُعرف في الخطاب السياسي الإسرائيلي بتجنب الظهور بمظهر "المغفل ".
على الرغم من التباينات الظاهرة في المواقف، فإن كلا الجانبين يمتلك دوافع قوية للتوصل إلى حل وسط. فيحتاج عون إلى إضفاء شرعية سياسية على خياره الجريء بالدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل، إذ سيحتاج نتنياهو إلى إظهار رؤية سياسية للرئيس ترامب وللرأي العام الإسرائيلي تتجاوز منطق الحرب المفتوحة. وقد تتمثل المقاربة الأكثر فاعلية لتجاوز هذه المعضلة في الاتفاق على صيغة أقل شمولاً من وقف إطلاق نار كامل - مثل إصدار بيان بشأن "ضبط النفس " أو "وقف مؤقت للعمليات " أو "حصر العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق الاحتكاك المباشر مع "حزب الله ""، بما يعكس عملياً ما نفذته إسرائيل ميدانياً منذ غارات الأسبوع الماضي. ويمكن أن تُركّز هذه الترتيبات جغرافياً على المناطق التي تنتشر فيها القوات المسلحة اللبنانية لمصادرة الأسلحة غير الشرعية، مع إدراج استثناءات واضحة تتيح لإسرائيل التعامل مع التهديدات الوشيكة أو الرد على هجمات "حزب الله. كما أن تحديد إطار زمني محدود لهذه المرحلة - على سبيل المثال، من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع - من شأنه زيادة الضغط على القوات المسلحة اللبنانية لإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها بشكل مختلف عما حدث في اتفاق 2024.
وفي هذا السياق، يمكن أن يسهم القرار الحكومي الجديد القاضي بتأمين العاصمة في معالجة إحدى الإشكاليات الأساسية، والمتمثلة في كيفية تجنب تكرار فشل وقف إطلاق النار السابق في تأمين القطاع الجنوبي المحاذي للحدود. ففي الوقت الراهن، تعمل القوات الإسرائيلية على إنشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين خمسة وثمانية أميال داخل هذا القطاع، مستخدمةً مزيجاً من الوسائل التكنولوجية والغارات الانتقائية التي تمتد فعلياً حتى نهر الليطاني. وبناءً عليه، من غير المرجح أن تمنح إسرائيل القوات المسلحة اللبنانية فرصة جديدة لإثبات فعاليتها في هذه المنطقة الحساسة في المدى القريب. الحساسة في المدى القريب. ومع ذلك، فإن قرار الحكومة اللبنانية بتحويل بيروت إلى "منطقة خالية من السلاح" يطرح خياراً عملياً لافتاً يتمثل في إعادة ترتيب مراحل خطة وقف إطلاق النار الأصلية، أي أن تبدأ القوات المسلحة اللبنانية بعمليات نزع السلاح في الشمال، ثم تتدرج نحو الجنوب. وبذلك، لا تتعامل لبنان مع المناطق الأقرب إلى إسرائيل إلا بعد إثبات قدرتها على معالجة التحديات الأساسية في مناطق أخرى من البلاد، مثل تأمين العاصمة وتعزيز الرقابة على شبكات التهريب على طول الحدود مع سوريا.
وهناك ابتكار إضافي يجدر النظر فيه، يتمثل في توسيع نطاق الآلية التي تقودها الولايات المتحدة. وقد يشمل ذلك تعيين ضباط عسكريين أمريكيين كضباط ارتباط مع وحدات القوات المسلحة اللبنانية على مستوى الأقاليم والقطاعات، بما يسهّل تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي بين إسرائيل والقوات المسلحة اللبنانية. كما يمكن لضباط "الآلية " مراقبة فاعلية الالية التي اعتمدتها للقوات المسلحة اللبنانية باستخدام مقاييس حاسمة، مثل عدد ونوعية الأسلحة التي جرى نزعها، وعدد مقاتلي "حزب الله" الذين تم اعتقالهم.
بالتوازي مع المناقشات حول القضايا الأمنية قصيرة المدى، يمكن أن تتناول محادثات هذا الأسبوع أيضاً الهدف طويل المدى المتمثل في السلام الرسمي بين إسرائيل ولبنان. بعد أن رفض نتنياهو لأسابيع حتى الرد على دعوة عون، غير مؤخراً مساره ورفع الرهان باقتراحه أن يكون هدف المحادثات هو التوصل إلى اتفاق سلام ثنائي كامل. قد يكون هذا صعباً على بعض اللبنانيين تقبله، خاصةً في ضوء الهجوم الهائل الذي تعرضت له بيروت الأسبوع الماضي. ومع ذلك، قد تفاجأ القدس بأن تجد عون وزملاءه مستعدين لبدء تلك العملية - لا سيما إذا كانت إسرائيل مستعدة للتأكيد رسمياً على أنها لا تطالب بأي أراضٍ خارج الحدود الدولية، والتي لن يتطلب ترسيمها النهائي سوى بعض المحادثات الفنية لتحقيقه.
فرصة لواشنطن
بعد فشل مفاوضات إيران في إسلام أباد ورفض "حماس" الواضح لخطة نزع السلاح في غزة التي اقترحها ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، قد تكون محادثات إسرائيل ولبنان هذا الأسبوع الفرصة الوحيدة على المدى القريب للدبلوماسية الأمريكية لترجمة النجاح العسكري إلى إنجاز دبلوماسي. وبالتالي، فإن الحافز الذي يدفع وزير الخارجية ماركو روبيو إلى تحقيق نتيجة إيجابية كبير للغاية، وقد يتبين أن الدور الأمريكي في المحادثات محوري لنجاحها. وبالإضافة إلى تعزيز آلية عام 2024، ينبغي لإدارة ترامب أن تعطي الأولوية لجهدين:
- تحفيز الجيش اللبناني على اتخاذ إجراءات فعالة وفي الوقت المناسب ضد "حزب الله" من خلال تقديم تمويل سريع الصرف لدعم أفراده وقدراته - مع التحذير في الوقت نفسه من قطع المساعدات إذا فشل الجيش اللبناني في الأداء بشكل ملائم.
- استمرار للضغط العسكري الإسرائيلي على نبيه بري بفرض عقوبات مالية أمريكية عليه وعلى عائلته ومساعديه.
بالتأكيد، قد يتطلب الأمر بعض الدبلوماسية الإبداعية حتى يتوصل المفاوضون إلى نوع الخطة المتفق عليها الموضحة أعلاه - أي بيان مشترك (1) يؤكد الالتزام المشترك بين لبنان وإسرائيل بمكافحة الميليشيات غير الحكومية التي تهدد سيادة الدولة، (2) يشير إلى ضبط النفس الإسرائيلي المحدود زمنياً بشأن عمليات عسكرية معينة، و(3) يعلن عن عقد محادثات أمنية ودبلوماسية متوازية تركز على نزع سلاح "حزب الله" والتفاوض من أجل السلام على التوالي. ومع ذلك، فإن هذا الأمر ليس مستحيلاً.