- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4239
لقاء ترامب وعون: لحظة حاسمة في مسار الاتفاق بين إسرائيل ولبنان
الظروف مواتية لنجاح الزيارة، لكن كلا الرئيسين يتطلعان إلى ما هو أكثر من مجرد علاقات ودية؛ إذ يحتاج عون إلى التزامات أمريكية ملموسة بالدعم العملياتي والمالي، في حين يحتاج ترامب إلى أدلة إضافية على جدية بيروت في نزع سلاح "حزب الله".
تبدو الرهانات كبيرة بالنسبة إلى الاتفاق الإطاري الناشئ بين إسرائيل ولبنان، في ظل استعداد الرئيس جوزيف عون للقيام بأول زيارة له إلى البيت الأبيض في 21 تموز/يوليو. ويُعد لقاء عون قائد الجيش السابق، في واشنطن مع الرئيس ترامب - وهو الأول لرئيس لبناني منذ عام 2009 - ، فرصة لكلا الزعيمين لتحديد مدى جدية الطرف الآخر واستعداده للاستثمار وتحمل المخاطر اللازمة لفصل لبنان عن الفلك الإيراني، ونزع سلاح "حزب الله"، بوصفه ذراع إيران، وتمهيد الطريق نحو السلام بين لبنان وإسرائيل.
السياق الدبلوماسي
على الرغم من تاريخ المساعدات الأمريكية الممتد خمسة وسبعين عاماً، والعلاقات العسكرية الثنائية الوثيقة، ووجود جالية لبنانية قوية في الولايات المتحدة، ظل لبنان خارج دائرة التواصل رفيع المستوى مع البيت الأبيض الى ما قبل الحرب مع إيران. وخلال الأشهر الأولى من تولي عون منصبه، لم يتواصل ترامب معه بأي شكل - لا اجتماعات، ولا مكالمات هاتفية، ولا رسائل. ولم يحظ عون سوى بلقاء واحد رفيع المستوى مع مسؤول أمريكي - هو وزير الخارجية ماركو روبيو، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي. في المقابل، عقد ترامب ثلاث اجتماعات وجهاً لوجه مع أحمد الشرع، الجهادي السابق الذي يشغل الآن منصب رئيس سوريا.
في غضون ذلك، كان مسؤولو وزارة الخارجية وضباط القيادة المركزية الأمريكية يعملون على تسهيل العملية البطيئة لتنفيذ اتفاق "وقف الأعمال العدائية" الموقع بين إسرائيل ولبنان في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وهي عملية كانت قد تعثرت بحلول وقت اندلاع الحرب مع إيران في شباط/فبراير الماضي. وبعد يومين من اندلاع تلك الحرب، أطلق "حزب الله" موجة من الصواريخ على شمال إسرائيل، فاتحاً جبهة جديدة دعماً لطهران. ورداً على ذلك، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي - الذي كان وجوده في لبنان حتى ذلك الحين مقتصراً على خمس نقاط قرب الحدود الدولية – عملية عسكرية أوسع نطاقاً.
خلال الأشهر الثلاثة التالية، هاجم "حزب الله" التجمعات السكنية والقوات الإسرائيلية بأكثر من 7,000 صاروخ وقذيفة وطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل واحد وثلاثين شخصاً وإصابة العشرات. وردت إسرائيل بإرسال آلاف الجنود عبر الحدود، وأنشأت في نهاية المطاف منطقة عازلة بعمق يتراوح بين ثمانية وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وبالإضافة إلى مهاجمة مخابئ أسلحة "حزب الله" ومنشآته في وادي البقاع وضواحي بيروت، خاضت القوات الإسرائيلية معارك لتطهير منطقة أوسع في الجنوب تمتد حتى نهر الليطاني، بل وتتجاوزه. وقد خلفت هذه العمليات عشرات القرى مدمرة، وأسفرت عن مقتل آلاف من مقاتلي "حزب الله" والمدنيين، وتشريد أكثر من مليون لبناني.
سرعان ما تحول التركيز إلى الدبلوماسية بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان/أبريل، إذ توسطت واشنطن في أول لقاء مباشر وعلني بين ممثلي لبنان وإسرائيل. وشكلت هذه المبادرة خطوة غير عادية منذ البداية، لأن الحكومة اللبنانية نفسها لم تكن طرفاً في القتال. ومع ذلك، كانت بيروت تأمل، من خلال الدبلوماسية، في استعادة سلطة اتخاذ قرارات سيادية بشأن الحرب والسلام من "حزب الله" وإيران.
وفي أعقاب ذلك، أسفرت خمس جولات من المحادثات عن التوصل إلى "اتفاق إطاري" شكّل انفراجة في 26 حزيران/يونيو، وكان التدخل الشخصي لروبيو أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في تحقيقه. ويتمثل حجر الزاوية في تلك الصفقة في موافقة لبنان على نزع سلاح وتفكيك جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية - في إشارة إلى "حزب الله"- مقابل انسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي اللبنانية. ومن المتوقع أن تبدأ هذه الجهود في "مناطق تجريبية" تخضع لسيطرة القوات المسلحة اللبنانية، في إطار التزام أوسع نطاقاً بالتوصل إلى سلام ثنائي كامل على المدى الطويل.
وقد زادت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، الموقعة في 17 حزيران/يونيو، من تعقيد "اتفاق الإطار"، إذ تضمنت مساراً بديلاً يمكن من خلاله لطهران وواشنطن التوصل إلى "إنهاء دائم "للقتال في لبنان، من دون أي دور لإسرائيل فيه. وقد تمسك "حزب الله" وحلفاؤه - بمن فيهم رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري - بهذا الخيار، لأن المذكرة تنص على انسحاب إسرائيلي غير مشروط، ولا تتضمن أي إشارة إلى سلام أوسع نطاقاً بين بيروت والقدس.
ومنذ ذلك الحين، التزم الرئيس ترامب الصمت بشأن أي المسارين يؤيد فعلياً: "اتفاق الإطار" أم "مذكرة التفاهم". ورغم أنه اتصل بعون في 27 حزيران/يونيو لتهنئته على الاتفاق مع إسرائيل وتوجيه الدعوة إليه لزيارة واشنطن، فإن البيت الأبيض لم يصدر أي بيان عن محادثاتهما، كما لم يدلِ ترامب بأي تصريح علني آخر بشأن "اتفاق الإطار".
تقييم المواقف
ومن المتوقع أن تتبدد هذه الحالة من الغموض بمجرد وصول عون إلى واشنطن. وستكون زيارته لحظة حاسمة بالنسبة إلى "اتفاق الإطار"، وفرصة لتقييم التزام كل من الزعيمين به، واختباراً لجدوى المضي في هذا المسار نحو الأمن والسلام.
ويدرك ترامب بالفعل أن عون لا يكتفي بالتصريحات، بل يعلن بوضوح استعداده لمواجهة إيران وتبني فكرة السلام مع إسرائيل في نهاية المطاف، وهو ما أكسب الرئيس الماروني - رئيس الدولة المسيحي الوحيد في الشرق الأوسط - لقاء معه. وكان الخيار الأسهل أمام عون هو الاصطفاف مع بري وترك طهران تتولى زمام الأمور في لبنان من خلال محاولة ضمان انسحاب إسرائيلي عبر محادثات بين الولايات المتحدة وإيران. لكن ذلك كان سيجعل الرئيس مجرد شخصية رمزية عاجزة في نظام سياسي يهيمن عليه "حزب الله"، وهو خيار رفضه.
في المقابل، تساور المسؤولين الأمريكيين شكوك مشروعة بشأن استعداد بيروت للوفاء بوعودها بنزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه. فقد تبين أن الجولة الأولى من هذه الجهود - وهي إعلان القوات المسلحة اللبنانية فرض "السيطرة العملياتية" على القطاع الواقع جنوب نهر الليطاني في أواخر عام 2025 - لم تكن كافية، بعد اكتشاف أصول وبنية تحتية كبيرة تابعة لـ "حزب الله"هناك في وقت لاحق. ومنذ ذلك الحين، أكد قائد القوات المسلحة اللبنانية، الجنرال رودولف هيكل، مراراً أن "السلام الأهلي "يتقدم على أي مواجهة مع "حزب الله"، في حين تحدث عون بعبارات عامة عن أن نزع السلاح ينطوي على مكونات سياسية واقتصادية وعسكرية. ونظراً إلى أن القادة اللبنانيين وعدوا بنزع سلاح "حزب الله" وأخفقوا في ذلك مرات عديدة على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية - بدءاً من " اتفاق الطائف" وصولاً إلى وقف إطلاق النار لعام 2024 - فإن ترامب سيرغب في أن يشرح عون ما الذي يجعل هذه المرة مختلفة، ومتى ستبدأ بيروت في "ترجمة الأقوال إلى أفعال" باستخدام جميع الوسائل ضد التنظيم، بما في ذلك القوة العسكرية.
ومن جانبه، يتطلع عون إلى معرفة ما إذا كان البيت الأبيض سيشكل سنداً موثوقاً له في مواجهة الضغوط التي يمارسها حلفاء إيران داخل لبنان، الذين يسعون إلى إجهاض الاتفاق الإطاري باسم "الإجماع الوطني". ومن الناحية العملية، سيرغب عون في معرفة ما إذا كان ترامب سيستثمر موارد كبيرة في تطوير قدرات القوات المسلحة اللبنانية، وتنظيم الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، والضغط على إسرائيل لتسهيل مهمته من خلال عمليات انسحاب تدريجية. كما يتوجه عون إلى اللقاء وهو يستحضر شبحاً تاريخياً، إذ يحرص على تجنب أن يصبح نسخةً حديثةً من أمين الجميل، الرئيس الذي شهدت ولايته توقيع اتفاق السلام المؤرخ 17 أيار/مايو 1983 مع إسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، قبل أن ينهار بعد عشرة أشهر تحت الضغط السوري. ومن المرجح أنه يتساءل أيضاً عن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في ضوء استعداد إدارة ترامب للتفاوض على مذكرة تفاهم مع إيران دون إشراك القدس أو نيل موافقتها. وفي جميع هذه القضايا، سيرغب عون في الحصول على تطمينات.
ما يمكن توقعه
الظروف مواتية لنجاح الاجتماع، فقد أصبحت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في حالة من الارتباك، مما يحرم منتقدي الاتفاق بين إسرائيل ولبنان من بدائل سهلة. ونظراً لرفض عون خضوع لبنان لسيطرة طهران، لم يتحول البلد تلقائياً إلى ساحة قتال رئيسية عندما استؤنف القتال بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي. وعوضاً عن ذلك، مهدت بيروت والقدس الطريق لاجتماع البيت الأبيض من خلال جولة من المحادثات الفنية "المثمرة والإيجابية"، التي عُقدت في روما هذا الأسبوع، تمهيداً لإطلاق منطقتين تجريبيتين تخضعان لسيطرة القوات المسلحة اللبنانية، وفقاً لما ينص عليه الاتفاق الإطاري. أما على المستوى الشخصي، فمن المرجح أن ينسجم ترامب مع عون، باعتباره وطنياً لبنانياً خاض غمار المعارك وأرهقته الحروب، واتخذ موقفاً قوياً ضد طموحات إيران الإقليمية دفاعاً عن الشرف الوطني وسعياً إلى السلام، وهو النموذج من القادة الوطنيين الذين يعجب بهم ترامب.
لكن كلا الرئيسين يبحثان عن أكثر من مجرد حفاوة الاستقبال. فمن الناحية العملياتية، يحتاج عون إلى التزامات دعم أمريكية ملموسة تتجاوز الترحيب الشخصي والتأييد القوي للاتفاق الإطاري. وقد تشمل هذه الالتزامات ما يلي:
- مقترح لتزويد وتدريب وحدة نخبوية على غرار "قوة دلتا" ضمن القوات المسلحة اللبنانية، تكون قادرة على تنفيذ عمليات خاصة ضد "حزب الله".
- توفير طائرات مسيرة وأجهزة استشعار ومنظومات أخرى لتعزيز أمن الحدود اللبنانية لمواجهة تهريب "حزب الله" الواسع النطاق للأسلحة والمخدرات والأشخاص.
- تنظيم حملة دولية لحشد التمويل، سواء لإطلاق إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب، أو لدعم رواتب عناصر القوات المسلحة اللبنانية، حتى لا تبقى رواتبهم متدنية للغاية مقارنة بمقاتلي "حزب الله".
- إطلاق عملية تخطيط لسلسلة من المبادرات الاقتصادية الكبرى لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني المنهار، مع الاستفادة من الفرص التي قد يتيحها السلام المحتمل مع إسرائيل.
قد يساعد هذا الدعم الأمريكي الواضح في إقناع عون بأن ترامب ملتزم بدعمه وبدعم استراتيجية المحادثات المباشرة مع إسرائيل. وعلاوة على ذلك، قد يسهم في حل معضلة إظهار الفوائد القصيرة المدى للاتفاق الإطاري في وقت تنشغل فيه إسرائيل بانتخاباتها المحلية المقبلة، وهو ما سيجعل الحكومة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى رفض أي اقتراح - حتى لو جاء من ترامب - يقضى بإعادة انتشار قوات إسرائيلية على نطاق واسع خارج المناطق التجريبية.
لكن في مقابل حزمة الحوافز هذه، سيرغب ترامب بالتأكيد في سماع أدلة إضافية على جدية عون. وقد يشمل ذلك تفاصيل محددة عن خطته لنزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه؛ ووعوداً بإبعاد ضباط القوات المسلحة اللبنانية الذين ثبت تواطؤهم مع "حزب الله"، ولا سيما داخل الاستخبارات العسكرية؛ والتزاماً بتعليق القوانين الصارمة التي تحظر أي اتصال مدني بين اللبنانيين والإسرائيليين. والأهم من ذلك كله، سيحتاج عون إلى إعادة التأكيد على أن السلام مع إسرائيل هو هدفه الاستراتيجي؛ فكلما أبرز التزامه بالسلام، كان ترامب، على الأرجح، أكثر استعداداً لمنحه الوقت والحيز والدعم.
وأخيراً، سيمنح لقاء البيت الأبيض عون أيضاً فرصة لوضع حد نهائي لفكرة خطيرة يبدو أنها استحوذت على اهتمام ترامب، وهي تمكين سوريا من إرسال قوات إلى لبنان بحجة سحق "حزب الله". ويدرك عون جيداً أن أي تدخل عسكري سوري من شأنه أن يحيي ذكريات الفظائع التي ارتُكبت خلال سيطرة نظام الأسد المطلقة على بلاده، مما سيؤدي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية وتعزيز الدعم الشعبي لـ"حزب الله". وعلى الرغم من أن الشرع نفسه استبعد هذه الفكرة، فإن ترامب لا يزال يكررها. ونأمل أن يقدم عون حجة مقنعة تؤكد التزامه بتفكيك "حزب الله"، بحيث يتخلى ترامب نهائياً عن الخيار السوري.