- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4245
"سد فجوة التحقق بشأن مخصصات السجناء التي تقدمها "السلطة الفلسطينية
في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة في الضفة الغربية، لا يمكن إلا لآلية تقودها الولايات المتحدة أن تحدد، بصورة موثوقة، مدى امتثال السلطة الفلسطينية لقانون تايلور فورس، وأن تسهم في تعزيز الاستقرار على نطاق أوسع.
في تموز/يوليو، أصدرت السلطة الفلسطينية تقريراً استشارياً أعدته شركة "ألفاريز ومارسال" (A&M) بهدف إظهار الإصلاحات التي أُدخلت على نظامها السابق لمخصصات السجناء، مع التأكيد خصوصاً على التحول إلى برنامج للرعاية الاجتماعية قائم على الاحتياجات. لكن إسرائيل رفضت نتائج التقرير على الفور، وأصرت على أن سياسة "الدفع مقابل القتل" لا تزال قائمة. كما رفضت وزارة الخارجية الأمريكية التقرير، الذي كانت واشنطن قد طلبت إعداده، مؤكدةً أنه "لا يمكن اعتباره، في حد ذاته، دليلاً" على توقف المدفوعات المخصصة للسجناء الفلسطينيين وعائلاتهم، ومتهمة السلطة الفلسطينية بمحاولة "تضليل المجتمع الدولي".
ومن الناحية العملية، سيحدد نجاح هذه الإصلاحات ما إذا كان بالإمكان استئناف المساعدة الاقتصادية الأمريكية المباشرة للسلطة الفلسطينية، التي توقفت عام 2018 عقب إقرار الكونغرس لقانون تايلور فورس. وعلى نطاق أوسع، أصبح هذا الخلاف مصدراً عميقاً لانعدام الثقة بين القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، في وقت لا يزال فيه التنسيق الأمني بينهما يشكل الركيزة الأساسية للتعاون في الضفة الغربية. وفي ظل الادعاءات المتضاربة، لا يمكن حسم هذه القضية إلا من خلال آلية تحقق موثوقة تحظى بقبول الطرفين.
تطور قانون تايلور فورس
يمكن إرجاع الجدل الحالي إلى آذار/مارس 2016، عندما قُتل خريج أكاديمية ويست بوينت، تايلور فورس، على يد مهاجم فلسطيني أثناء وجوده في إسرائيل في رحلة دراسية. وأثار الحادث غضباً واسعاً بين الحزبين في الولايات المتحدة، انطلاقاً من الاعتقاد بأن دافع المهاجم كان احتمال حصول أسرته على دعم مالي من السلطة الفلسطينية. وبالتالي، أوقف القانون المساعدات الأمريكية المباشرة المقدمة إلى السلطة الفلسطينية "ما لم يتوقف المسؤولون الفلسطينيون عن دفع مبالغ معينة تُعتبر، بموجب القانون الأمريكي، مكافآت على أعمال إرهابية". وعلى وجه التحديد، حُرمت السلطة الفلسطينية من نحو 165 مليون دولار من المساعدات الأمريكية السنوية إلى أن تتمكن وزارة الخارجية الأمريكية من التأكد من أن السلطة الفلسطينية اتخذت خطوات قابلة للتحقق لوقف المدفوعات المرتبطة بالإرهاب، وإلغاء القوانين التي تستند إليها، ومكافحة العنف الخاضع لولايتها القضائية، وإدانة الهجمات الإرهابية علناً، والتحقيق فيها. والجدير بالذكر أن إسرائيل سنت نسختها الخاصة من قانون تايلور فورس في عام 2018، ونص هذا الإجراء على اقتطاع مبالغ مماثلة من التحويلات الضريبية الفلسطينية.
ولسنوات، دافع المسؤولون الفلسطينيون عن هذه المدفوعات باعتبارها التزاماً اجتماعياً تجاه الأسر التي فُقد معيلها الرئيسي بسبب السجن أو القتل، بحجة أن على الحكومة تكريم تضحيات السجين. في المقابل، رأى المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون أن هذا النظام يشجع على الإرهاب من خلال ربط قيمة المخصصات بمدة عقوبة السجن، وبالتالي بجسامة الجريمة. ومن أجل استئناف المساعدة الاقتصادية الأمريكية، التي تسهم بلا شك في تعزيز الاستقرار في الضفة الغربية، شجعت إدارة بايدن السلطة الفلسطينية على استبدال نظام مخصصات السجناء ببرنامج للرعاية الاجتماعية قائم على الاحتياجات للأسر المستحقة، بما يقطع أي صلة بين المساعدة المالية والجرائم المرتبطة بالإرهاب.
وقد تُوجت تلك الجهود بصدور مرسوم تنفيذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في عام 2025 يقضي بإنشاء برنامج قائم على الاحتياجات. ولتنفيذ تلك الإصلاحات، استعانت السلطة الفلسطينية بهيئة تُعرف باسم "المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي". وبموجب الإطار المعدل، يُحظر صراحةً أخذ السجن، أو الاحتجاز، أو الانتماء السياسي ،أو الأيديولوجي في الاعتبار عند تحديد الأهلية للحصول على المساعدة المالية.
وفي معرض تأكيدهم أن التغييرات، رغم حساسيتها السياسية، بدأت تترسخ، يشير مسؤولو السلطة الفلسطينية إلى الاحتجاجات المحلية على خفض مخصصات السجناء. كما يشيرون إلى إقالة وزير المالية عمر البيطار في أواخر عام 2025 بعد اتهامه بالإبقاء على عناصر من هيكل المدفوعات السابق. ويبدو أن هذه الخطوات وفرت لشركة A&M أساساً كافياً لتقديم استنتاجاتها، لكن واشنطن والقدس لم تقتنعا بذلك.
الطعن في ادعاءات السلطة الفلسطينية بشأن استمرار المدفوعات
ورداً على الادعاءات الفلسطينية بشأن الاحتجاجات المحلية، يؤكد المسؤولون الإسرائيليون أن هذه الاحتجاجات قادتها إلى حد كبير حركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني" وجماعات أخرى غير تابعة لفتح. ويجادلون كذلك بأن قنوات الدعم المالي السرية لا تزال قائمة بالنسبة للسجناء المنتمين إلى قيادات "حركة فتح" المهيمنة. كما يشير المسؤولون الأمريكيون إلى أن مراجعة شركة A&M اقتصرت على برنامج الرعاية الاجتماعية الرسمي، ولم تتحقق من الادعاءات بشأن استمرار المدفوعات عبر رواتب غير رسمية، أو معاشات تقاعدية ،أو تحويلات نقدية ،أو قنوات غير مباشرة أخرى.
ويخضع ما يقارب 3,400 حساب في بنك فلسطين لتدقيق خاص من جانب الولايات المتحدة، بدعوى أنها لا تزال تُستخدم لتيسير المدفوعات للسجناء وعائلاتهم وفق النظام القديم. وينفي المسؤولون الفلسطينيون هذه الادعاءات نفياً قاطعاً، ويصرون على أن النظام قد شهد تغييراً جذرياً.
ولا يقتصر تشكك الولايات المتحدة على حسابات بنك فلسطين. ففي تقرير رُفع إلى الكونغرس في وقت سابق من هذا العام، استشهدت وزارة الخارجية بإعلان صادر في 28 كانون الثاني/يناير 2026 عن لجنة شؤون المعتقلين والمفرج عنهم التابعة لـ"منظمة التحرير الفلسطينية"، حدد هوية اثنين وخمسين سجيناً مفرجاً عنهم طُلب منهم تحديث معلوماتهم المصرفية لمواصلة تلقي رواتب شهرية من السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية. واعتبر المسؤولون الأمريكيون هذا الإعلان دليلاً إضافياً على أن نظام المدفوعات السابق لم يُفكك بالكامل.
وسواء تبين في نهاية المطاف أن الحسابات المصرفية المتنازع عليها تمثل آليات رسمية تابعة للسلطة الفلسطينية، أو قنوات تديرها أطراف ثالثة بموافقة ضمنية، أو ترتيباً مختلفاً تماماً، فقد أصبح الجدل نفسه عقبة سياسية رئيسية. ويجادل المسؤولون الإسرائيليون بأن أجهزة الاستخبارات وحدها - وليس المدققون الماليون التقليديون - تمتلك الأدوات اللازمة للكشف عن التحويلات المالية المخفية والتعويضات غير المباشرة. في المقابل، يرد المسؤولون الفلسطينيون بأنهم لا يستطيعون دحض ادعاءات تستند إلى معلومات استخباراتية لا تتاح لهم. والنتيجة هي فجوة في آليات التحقق لم تتمكن المراجعات العامة ولا التصريحات السياسية من سدها. وفي غياب إقرار من وزارة الخارجية أمام الكونغرس بأن سياسة "الدفع مقابل القتل" قد انتهت، سيظل قانون تايلور فورس نافذاً، مع تزايد تداعياته على الضفة الغربية وتفاقم انعدام الثقة بين الطرفين.
رهانات المرحلة المقبلة
لا تمثل الإيرادات الأمريكية المفقودة التحدي المالي الوحيد الذي تواجهه السلطة الفلسطينية. فمنذ الهجوم الذي قادته "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، احتجز وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جميع الإيرادات الضريبية التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، والتي كانت تبلغ في السابق نحو 300 مليون دولار شهرياً، أو ما يقرب من 70 في المئة من إيرادات السلطة الفلسطينية، وفقاً للمسؤولين الفلسطينيين. وبذلك، تواجه السلطة الفلسطينية أخطر أزمة مالية تشهدها منذ عقود.
وقد تفاقمت الأزمة بقرار إسرائيل منع نحو 140 ألف فلسطيني من الضفة الغربية من العمل في إسرائيل، مما حرم اقتصاد الأراضي الفلسطينية من إيرادات تُقدر بنحو 5 مليارات دولار سنوياً. ولا يشمل ذلك نحو 70 ألف عامل فلسطيني لا يزالون يدخلون إسرائيل يومياً بشكل غير قانوني، من دون أن يسهموا في إيرادات السلطة الفلسطينية. وقد أجبرت الضغوط المالية الناتجة عن هذه الإجراءات السلطة الفلسطينية على صرف رواتب جزئية فقط لموظفي الخدمة المدنية. ويؤكد كبار المسؤولين الفلسطينيين أن التخفيضات طالت الجهاز البيروقراطي بأكمله. وفي وقت تشتد فيه الحاجة إلى قيادة فلسطينية فعالة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، باتت استعادة الثقة في السلطة الفلسطينية - إلى جانب الدعم المالي لها - أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ويترتب على هذا التدهور المالي تداعيات أمنية أيضاً. لطالما نظر المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون إلى وجود سلطة فلسطينية فاعلة يتعاونون معها أمنياً على أنه يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، على الرغم من الخلافات السياسية العميقة. ومع ذلك، فإن الأزمة المالية المتفاقمة للسلطة الفلسطينية تهدد بتقويض هذا التعاون. وستظل استعادة الدعم الأمريكي للسلطة الفلسطينية أمراً صعباً ما دامت قضية مخصصات السجناء من دون حل.
حجج تأييد آلية تقودها الولايات المتحدة
في ظل الوضع الراهن، أدت الروايات العامة المتنافسة إلى تعميق الخلاف بين الجانبين، وثبت أن عمليات التدقيق التقليدية غير كافية لتحديد ما إذا كان الجانب الفلسطيني يمتثل فعلاً. لذا، ينبغي على الولايات المتحدة المساعدة في إعادة بناء الثقة من خلال إنشاء آلية تحقق مشتركة تجمع بين خبراء في الاستخبارات والدبلوماسية والمالية وإنفاذ القانون من الولايات المتحدة، ومسؤولي الأمن ،والمالية الإسرائيليين ،والفلسطينيين. وعلى عكس عمليات التدقيق التقليدية، ستتولى هذه الآلية التحقق من الادعاءات المتعلقة باستمرار المدفوعات عبر قنوات سرية أو غير مباشرة يتعذر على شركات المحاسبة الخارجية الوصول إليها.
ومن خلال هذه العملية، ينبغي للسلطات الإسرائيلية أن تقدم، بصورة سرية، الأدلة التي تستند إليها ادعاءاتها، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بحوالي 3,400 حساب محل نزاع في بنك فلسطين وآليات الدفع الأخرى المشتبه بها. وفي المقابل، ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تمنح المحققين صلاحية الوصول الكامل إلى السجلات المصرفية وسجلات الرواتب والمعاشات التقاعدية والرعاية الاجتماعية ذات الصلة.
وينبغي تقييم التقدم المحرز استناداً إلى معايير شفافة بدلاً من الروايات السياسية المتنافسة. ومن المرجح أن ترحب السلطة الفلسطينية بتوسيع المشاركة الأمريكية باعتبارها إشارة إلى أن واشنطن تسعى إلى تقييم موضوعي، كما يُفترض أن ترحب إسرائيل بآلية تختبر ادعاءاتها الاستخباراتية بدقة، مع ضمان القضاء على أي قنوات دفع متبقية.
وينبغي إطلاع الكونغرس الأمريكي، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والشركاء الأمريكيين في المنطقة على نتائج آلية التحقق. وسيُتاح للمسؤولين الإسرائيليين دائماً، عبر القنوات الأمريكية، تقديم أي آراء مخالفة. وبالمثل، ينبغي على الولايات المتحدة الإعلان عن أي إخفاق من جانب السلطة الفلسطينية في استيفاء المتطلبات التي تكشفها جهود التحقق.
ومن المؤكد أن الضغوط الداخلية قبيل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر قد تؤخر إطلاق مثل هذه الآلية، لكن ينبغي أن تبدأ التحضيرات السرية من الآن. وبدون تبادل المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية وإتاحة الشفافية المالية الفلسطينية بشكل فعال، ستظل واشنطن غير قادرة على الجزم بما إذا كانت السلطة الفلسطينية قد استوفت المتطلبات القانونية لقانون تايلور فورس.
الخلاصة
في نهاية المطاف، لم يعد الجدل حول مخصصات السجناء يتعلق بالإصلاح التشريعي، بل بكيفية تنفيذ الإصلاحات عملياً. فقد أقرت السلطة الفلسطينية تغييرات تُعدل النظام السابق جوهرياً على الورق، لكن التساؤلات لا تزال قائمة حول ما إذا كانت قد طُبقت بالكامل أم جرى الالتفاف عليها من خلال آليات بديلة.
ويُعد حل هذه المسألة الجوهرية ضرورياً، ليس فقط لاستئناف المساعدة الاقتصادية الأمريكية للسلطة الفلسطينية وإنهاء قيود قانون تايلور فورس، بل أيضاً لإعادة بناء الثقة بين المؤسسات الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والأمنية في الضفة الغربية. وبدون دور أمريكي فاعل، من المرجح أن يظل الطرفان عالقين في روايتيهما المتنافستين. وتوفر آلية تحقق صارمة تستند إلى المعلومات الاستخباراتية أفضل فرصة لاختبار ادعاءات السلطة الفلسطينية بإجراء إصلاحات حقيقية، وتحديد ما إذا كان يمكن مرة أخرى تقديم مساعدات أمريكية أوسع نطاقاً للسلطة الفلسطينية.