- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4227
حلم سوريا في إنشاء خط الأنابيب يواجه حقائق قاسية
قد تحد ديناميكيات الأسواق الآسيوية والمخاطر المستمرة التي تواجه استثمارات الطاقة داخل سوريا من جدوى أي خطط كبرى للبنية التحتية، رغم أن دمشق تستطيع تحسين آفاقها عبر تعزيز الاستقرار وتسريع وتيرة الإصلاحات.
تضج واشنطن بأحاديث عن سوريا باعتبارها البديل التالي لمضيق هرمز، أو على الأقل جزءاً من هذا البديل. ومع استمرار التوترات مع إيران حول إعادة فتح الممر المائي، يبحث صانعو السياسات والمستثمرون عن سبل للحد من الاعتماد على أحد أكثر الممرات البحرية عرضة للخطر في العالم، الذي كان ينقل نحو 20– 25% من تجارة النفط والغاز الطبيعي العالمية قبل الحرب.
في أعقاب انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أدى قرار الرئيس ترامب بالتعامل مع القادة الجدد في سوريا إلى إحياء الاهتمام بدور البلاد الذي طال إهماله كدولة عبور إقليمية للطاقة. ويتصور المؤيدون إنشاء خطوط أنابيب تنقل النفط العراقي والخليجي إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، وتدفق الغاز من قطر إلى أوروبا، وشبكات بنية تحتية تربط الخليج الفارسي وشرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والقوقاز. وفي رأيهم، من شأن مثل هذه المشاريع أن تُنوّع مسارات الطاقة العالمية، وتعزز حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، وتحدّ من قدرة إيران على التلاعب بأسواق الطاقة خلال أي أزمات مستقبلية.
ومع ذلك، فبينما تسلط هذه المقترحات الضوء بشكل صحيح على الجغرافيا الاستراتيجية لسوريا، فإنها تتجاهل إلى حد كبير حقيقة أقل جاذبية: فقد جعلت خطوط الأنابيب البلاد مراراً وتكراراً هدفاً للصراع السياسي، والمواجهة العسكرية، والتخريب. ويشير هذا التاريخ إلى أن خطوط الأنابيب التي تعبر الأراضي السورية ليست مجرد أصول اقتصادية، بل هي أيضاً نقاط ضعف استراتيجية. وينطبق هذا بشكل خاص على مقترحات إحياء خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، وبناء خط أنابيب غاز بين قطر وتركيا. فكلاهما سيمر عبر مساحات شاسعة من الأراضي ذات الكثافة السكانية المنخفضة حيث لا تزال فلول "تنظيم داعش" والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران نشطة. والأهم من ذلك، أن العديد من هذه الخطط تتجاهل حقيقة تجارية أساسية: لا تزال الأسواق الأكبر والأسرع نمواً للطاقة الخليجية في آسيا، وليس في أوروبا، مما يحد من جاذبية سوريا كممر تصدير رئيسي لمعظم منتجي الخليج.
خطوط الأنابيب وقرن من عدم الاستقرار
لعبت خطوط الأنابيب الإقليمية دوراً مهماً بشكل مدهش في تاريخ سوريا السياسي منذ البداية. فقد ساهم خط الأنابيب العابر للجزيرة العربية (تابلاين)، المدعوم من قبل الولايات المتحدة، والذي بُني لنقل النفط الخام السعودي إلى البحر الأبيض المتوسط، في أول انقلاب سياسي من بين العديد من الانقلابات التي شهدتها سوريا. بعد أن حصلت الدولة على استقلالها في عام 1946، قاوم الرئيس شكري القوتلي الضغوط الأمريكية للموافقة على عبور خط الأنابيب عبر مرتفعات الجولان، معتبراً ذلك انتهاكاً للسيادة السورية. في اذار/مارس 1949، أطاح قائد الجيش حسني الزعيم بالقوتلي ووافق سريعاً على إنشاء خط الأنابيب - ليُطاح به هو نفسه بعد أشهر، مع تحول سوريا إلى واحدة من أكثر دول العالم اضطراباً.
ظلت مسارات خطوط الأنابيب السورية عرضة للخطر عندما اندلعت الصراعات الإقليمية في العقود التالية. خلال أزمة السويس عام 1956، استهدفت القوات الإسرائيلية محطات الضخ على طول خط أنابيب كركوك - بانياس. وفي عام 1982، أغلق الرئيس حافظ الأسد الخط بعد تحالفه مع طهران ضد صدام حسين في الحرب الإيرانية - العراقية. وفي وقت لاحق، عاد هذا المسار إلى الأضواء لفترة وجيزة عقب ترتيب سري بين بشار الأسد وصدام حسين، مما سمح للنفط العراقي بالتدفق مرة أخرى عبر سوريا على الرغم من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على بغداد. ومع ذلك، قصفت القوات الأمريكية البنية التحتية للخط خلال غزو العراق عام 2003، مما أدى فعلياً إلى إنهاء عملياته.
دمرت الحرب الأهلية في سوريا الكثير مما تبقى. فبدءاً من عام 2011، استهدف "تنظيم الدولة الإسلامية" وجماعات مسلحة أخرى بشكل منهجي البنية التحتية للنفط والغاز في البلاد. وأصبحت خطوط الأنابيب ومحطات الضخ ومنشآت التصدير أهدافاً عسكرية، ومصادر للدخل، ورموزاً لسلطة الدولة. ومع انهيار النظام في عام 2024، كان جزء كبير من شبكة نقل الطاقة في سوريا قد تعرض للتلف أو النهب أو أصبح غير قابل للتشغيل.
والدرس المستفاد واضح: فنادراً ما كانت خطوط الأنابيب التي تعبر سوريا بمنأى عن الأزمات المحلية أو الإقليمية، بل غالباً ما أصبحت ضحية للصراعات السياسية والعسكرية.
محدودية إحياء خطوط الأنابيب في مرحلة ما بعد الأسد
على الرغم من هذا التاريخ، أثارت الحكومة السورية الجديدة الحماس لإحياء مشاريع الطاقة الإقليمية. وهناك عدة مبادرات مهمة قيد التنفيذ بالفعل:
- يعود خط أنابيب الغاز العربي مرة أخرى لنقل الإمدادات شمالاًمن الأردن إلى سوريا. ويساعد الغاز القادم من مصادر إسرائيلية – والذي يتم في بعض الحالات مبادلته بالغاز الطبيعي المسال القطري (LNG) في العقبة - سوريا في تزويد محطات الطاقة بالوقود واستعادة توليد الكهرباء تدريجياً بعد سنوات من النقص المدمر.
- وينقل خط أنابيب كيليس – حلب الذي اكتمل مؤخراً الغاز الطبيعي الأذربيجانيبتمويل من قطر) عبر شبكة الأنابيب التركية إلى شمال سوريا، مما يحسن توافر الطاقة بشكل أكبر).
وقد ظهر "خط أنابيب متحرك" مرتجل بين العراق والساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط. وتفيد التقارير بأن شاحنات صهريجية تنقل ما يتراوح بين 140 ألفاً و220 ألف برميل من النفط الخام يومياً من النفط الخام عبر كردستان العراق إلى مصفاة بانياس ومنشآت التصدير، مما يساعد على تجاوز مضيق هرمز.
تُظهر هذه المشاريع أن سوريا يمكنها أن تلعب دوراً مفيداً في لوجستيات الطاقة الإقليمية. ومع ذلك، تظهر التحديات عندما ينتقل المؤيدون من المشاريع العملية والتدريجية إلى الرؤى الاستراتيجية الكبرى التي تتجاهل تاريخ البلاد.
فعلى سبيل المثال، سيتطلب إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس إعادة بناء مئات الأميال من البنية التحتية عبر أراضٍ قليلة السكان لا يزال من الصعب تأمينها. وينطبق الأمر نفسه على خط أنابيب الغاز بين قطر وتركيا الذي طال نقاشه، والذي يُقال إن الأسد تخلى عن خططه بشأنه في عام 2011 تحت ضغط من روسيا. سيعبر كلا المشروعين أجزاء كبيرة من المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تمتد عبر وسط وشرق سوريا والتي أرهقت الإمبراطوريات – من العثمانيين إلى البريطانيين – لقرون. لم يتمكن نظام الأسد من تأمينها بالكامل أبداً، وتواجه الحكومة الحالية قيوداً أكبر في قدراتها. ومع ذلك، سيتطلب حماية البنية التحتية المكشوفة لخطوط الأنابيب في هذه المناطق من التخريب موارد أمنية واسعة النطاق، وتعاوناً استخباراتياً، واستقراراً سياسياً مستداماً. ولا يتوفر أي من هذه الشروط حالياً.
لا تقتصر هذه المخاوف على المشاريع الدولية. وستواجه خطوط الأنابيب المحلية المقترحة التي تربط حقول الطاقة في شمال شرق سوريا بحمص وبانياس ووصلات أخرى العديد من المخاطر نفسها.
الجغرافيا الوعرة
لا تشكل المخاوف الأمنية سوى جزء من التحدي، إذ قد يكون العائق الأكبر اقتصادياً. ويفترض الكثير من الحماس المحيط بطرق العبور السورية أن منتجي الخليج حريصون على إعادة توجيه الصادرات نحو أوروبا، غير أن مركز الطلب العالمي على الطاقة يميل بصورة متزايدة نحو آسيا. تظل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا الأسواق الرئيسية للنمو للنفط والغاز الخليجي، مما يمنح المنتجين هناك حافزاً قوياً لإعطاء الأولوية لطرق التصدير التي تخدم الأسواق الشرقية على حساب الأسواق الغربية.
تعزز هذه الحقيقة جاذبية البدائل التي تتجاوز مضيق هرمز دون عبور سوريا. تمتلك المملكة العربية السعودية بالفعل سعة خطوط أنابيب تربط منشآت الإنتاج الخليجية بمواني البحر الأحمر، بينما توفر الإمارات العربية المتحدة وعُمان طرق تصدير إلى خليج عُمان والبحر العربي. بالنسبة لمعظم المنتجين، توفر هذه الخيارات وصولاً إلى الأسواق الآسيوية مع تجنب العديد من المخاطر في سوريا.
هناك استثناءات، فلا يزال إقليم كردستان العراق محصوراً جغرافياً بين تركيا وإيران وبغداد، مما يجعل الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا ذا قيمة محتملة. وقد تُظهر قطر أيضاً اهتماماً متجدداً بالطرق البرية الآن بعد أن كشفت الحرب مع إيران عن ضعف صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تعتمد على الملاحة دون انقطاع عبر هرمز.
على الرغم من أن خط أنابيب بين قطر وتركيا سيكون مكلفاً للغاية ومعقداً سياسياً، فإن المبررات الاستراتيجية لتنويع مسارات التصدير بعيداً عن الممرات التقليدية أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل الصراع، لا سيما ذا نجحت الدوحة في تعزيز حضورها في أسواق الغاز الأوروبية. ومع ذلك، تظل الحقيقة الإقليمية الأوسع نطاقاً دون تغيير، حيث تقع الأسواق الرئيسية للهيدروكربونات الخليجية في الشرق، وليس في الغرب، مما يحد من جاذبية سوريا كممر رئيسي.
التحدي الذى تواجهه واشنطن
إن إدارة ترامب ومجموعات رجال الأعمال الأمريكيين من أصل سوري محقون في رؤية فرصة استراتيجية في سوريا. وتستند رؤيتهم الأوسع إلى مفاهيم مرتبطة بـ "مبادرة البحار الأربعة " - وهو اقتراح حديث لربط الخليج الفارسي وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود من خلال شبكات بنية تحتية مترابطة. وإذا تم تنفيذها، فإن مثل هذه المشاريع يمكن أن تنوع طرق نقل الطاقة وتقلل من النفوذ الجيوسياسي لإيران.
ولكن قبل أن يلتزم المستثمرون بضخ مليارات الدولارات في خطوط الأنابيب، يجب أن تصبح سوريا مكاناً أكثر استقراراً لممارسة الأعمال التجارية. ويمكن لواشنطن أن تساعد في ذلك من خلال الحد من ثلاث فئات من المخاطر:
المخاطر السياسية. ينبغي لإدارة ترامب أن تُبني على "آلية التواصل " التي توسطت فيها الولايات المتحدة وأُنشئت بين سوريا وإسرائيل في باريس في كانون الثاني/يناير الماضي، وتوسيعها لتصبح إطاراً أوسع للانسحاب على طول حدود الجولان. وقد يقلل ذلك من التوترات، ويهيئ الظروف لمفاوضات سلام في نهاية المطاف، ويساعد في الوقت نفسه على تهدئة مخاوف مستثمري الطاقة.
كما ينبغي على واشنطن أن تواصل تشجيع حكومة الرئيس أحمد الشرع على توسيع المشاركة السياسية. يشكل العلويون والمسيحيون والدروز والأكراد والأقليات الأخرى ما يقرب من ربع سكان سوريا - وإشراكهم ليس مجرد مسألة حقوق إنسان، بل هو مسألة استقرار. فمن المرجح أن يلتزم المستثمرون بضخ رؤوس أموالهم عندما تبدو الأنظمة السياسية مستدامة وتمثيلية.
المخاطر الأمنية. ينبغي على الولايات المتحدة العمل مع سوريا وتركيا والأردن والعراق وإسرائيل وشركاء الخليج لتحسين الأمن على طول ممرات الطاقة المحتملة. سيكون تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مجال أمن الحدود، وعمليات مكافحة الإرهاب، وحماية البنية التحتية أموراً ضرورية إذا ما أريد للمشاريع الكبرى لخطوط الأنابيب أن تمضي قدماً. وبما أن الولايات المتحدة سحبت قواتها من سوريا قبل شهرين، فسوف تحتاج إلى معالجة هذه المسألة من الدول المجاورة. وبدون ضمانات أمنية موثوقة، سيظل من الصعب الحصول على تمويل للبنية التحتية للطاقة على نطاق واسع.
مخاطر التنظيم والحوكمة. لا تزال سوريا تعاني من ضعف المؤسسات، وممارسات الأعمال غير الشفافة، والفساد المتفشي. لم تسهم الخلافات الأخيرة داخل شركة النفط السورية بين الرئيس التنفيذي يوسف قبلاوي ومجلس الإدارة - بقيادة وزير الطاقة محمد البشير - في طمأنة المستثمرين. تتطلب شركات الطاقة الدولية عقوداً شفافة، ولوائح يمكن التنبؤ بها، وحماية قانونية قابلة للتنفيذ قبل الالتزام برؤوس أموال كبيرة. قد يتبين في النهاية أن تحسين الحوكمة أكثر أهمية من بناء خطوط الأنابيب نفسها.
لا يزال تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب يمثل أقوى أوراق النفوذ المتبقية بيد واشنطن في هذه الملفات. لذا، ينبغي على إدارة ترامب أن تنظر في تقديم مسار واضح وتدريجي نحو رفع هذا التصنيف إذا أحرزت دمشق تقدماً ملموساً في مجالات الشراكة السياسية والتعاون الأمني والإصلاح الاقتصادي. ومن شأن هذا النهج أن يمنح دمشق حافزاً قوياً للتحرك مع الحفاظ على النفوذ الأمريكي على مسار سوريا.
باختصار، يجب على واشنطن ودمشق والجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة بمستقبل الطاقة في سوريا أن تضع في اعتبارها أن الجغرافيا وحدها لا تخلق الاستثمار. نعم، تقع سوريا على مفترق طرق بين مناطق متعددة وتمتلك إمكانات حقيقية لتكون مركزاً لنقل الطاقة في المستقبل. ومع ذلك، وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً، وقعت خطوط الأنابيب التي تعبر سوريا مراراً وتكراراً ضحية للحرب وعدم الاستقرار السياسي والتنافس الإقليمي والتخريب. تقدم حقبة ما بعد الأسد فرصة لتغيير هذا التاريخ، لكن تحقيق ذلك سيتطلب ما هو أكثر بكثير من الخرائط الطموحة والتوقعات المتفائلة.
إذا تمكنت دمشق من الحد من المخاطر التي عانت منها المشاريع السابقة، فقد تبرز سوريا بالفعل كجزء من حل أوسع للمخاطر التي كشف عنها إغلاق مضيق هرمز. وإذا لم يحدث ذلك، فمن المرجح أن يبحث المستثمرون عن بدائل أكثر أماناً في أماكن أخرى، تاركين سوريا مرة أخرى تشاهد طرق الطاقة الإقليمية الرئيسية تمر من أمامها.