- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
تآكل ثقة الليبيين في الجهود الدولية لتوحيد ليبيا
يتساءل الليبيون بشكل متزايد عن المكانة التي تحتلها إصلاحات الحوكمة في أجندات النخب الليبية، في ظل تعاملها مع خارطة الطريق الموازية لـ"بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" (UNSMIL) لعام 2025 و"مبادرة بولس".
منذ عام 2011 ووفاة معمر القذافي، وعد السياسيون الليبيون الشعب الليبي مراراً وتكراراً بأنهم سيعملون على بناء الدولة، وتحقيق العدالة، والمصالحة الوطنية، والازدهار، وتحويل ليبيا إلى "دبي أخرى". وبالمثل، تعود الجهود الدولية الرامية إلى تسهيل بناء الدولة وتوحيد ليبيا إلى ما يزيد على عقد من الزمن، فيما تُنفذ حالياً مبادرتان متوازيتان في ليبيا للمساعدة في التوسط بين المعسكرين السياسيين المتنافسين في شرق البلاد وغربها. وفى هذا السياق، تُعد خارطة الطريق لعام 2025 لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ، ومبادرة بولس، التي اقترحها مستشار الشؤون العربية الأمريكي مسعد بولس في نيسان/أبريل، أحدث الجهود الرامية إلى ردم الفجوة السياسية بين النخب الليبية في الشرق والغرب.
ومع ذلك، لا تزال ليبيا أشبه بساحة تتنافس فيها مشاريع عائلية متنافسة، حيث يدّعي كل طرف منها أنه يمثل المصالح الحقيقية للشعب الليبي، وصاحب المصلحة الفعلي في البلاد، في حين أنه في الواقع يستبعده ويقصيه. و بالنسبة لمعظم الليبيين، فإن أبرز ما يمكن ملاحظته فعلياً في هذه المسارات هو الاجتماعات الدولية رفيعة المستوى المصاحبة لها، والتي كثيراً ما تُقدَّم على أنها دليل على إحراز تقدم نحو الوحدة في حد ذاتها. وعلى نحو متزايد، ينظر الليبيون إلى انخراط نخبهم في مبادرات الوساطة الدولية على أنه استعراضي أكثر منه بنّاء. كما يدركون أن هذه النخب لديها مصالح شخصية مرتبطة بتركيز الاستثمار الدولي على "مبادرة بولس".
وإذا استمرت المناقشات حول مستقبل البلاد في توجيه اهتمام الرأي العام إلى سلسلة من الترتيبات والصفقات التجارية بين العائلات النافذة والشبكات السياسية والوسطاء الدوليين، بدلاً من التركيز على إحراز تقدم ملموس نحو إقامة مؤسسات منتخبة وتعزيز المشاركة الشعبية، فسيستمر تآكل ثقة الجمهور في الجهود الدولية الرامية إلى توحيد ليبيا.
قصة مسارين
تحظى خارطة الطريق التي اقترحتها "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا"، التي أُعلنت في آب/أغسطس 2025، بدعم المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتهدف "خارطة الطريق"، بقيادة هانا تيتيه، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ليبيا، إلى إنهاء المرحلة الانتقالية السياسية المطولة في ليبيا من خلال نهج متسلسل قائم على ثلاثة محاور، يُفترض تنفيذها خلال فترة تتراوح بين اثني عشر وثمانية عشر شهراً تضمنت: 1) اعتماد إطار انتخابي سليم من الناحية الفنية وقابل للتطبيق سياسياً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؛ 2) إعادة توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة من خلال تشكيل حكومة انتقالية موحدة جديدة ذات ولاية محددة المدة لإعداد البلاد للانتخابات؛ و3) إجراء حوار موسع ومنظم يضم الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والنساء والشباب وأصحاب المصلحة الآخرين لمعالجة قضايا الحوكمة والأمن والإصلاح الاقتصادي والمصالحة الوطنية.
وتعد مبادرة بولس، التي أُعلن عنها لاحقاً وتسير الآن بالتوازي مع خارطة طريق "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" ، جزءاً من جهوده للتوسط في التوصل إلى ترتيب لتقاسم السلطة بين الفصائل الليبية المتنافسة، واجتذاب الاستثمار الدولي، لا سيما من الشركات الأمريكية. وقد وصف بولس المبادرة بأنها "خارطة طريق" قصيرة الأجل، تيسرها الولايات المتحدة، وتهدف إلى استكمال جهود "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" بدلاً من استبدالها.
مسألة الشرعية
من ناحية، حظيت خارطة طريق "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" بتأييد شخصيات سياسية ليبية بارزة شاركت في مراحل سابقة من عملية الوساطة الأممية. ومن بين هؤلاء محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي؛ وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب؛ ومحمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة. ومع ذلك، واجهت العملية تحديات أيضاً منذ الإعلان عنها في العام الماضي، لا سيما من جانب السلطات الليبية السياسية المتنافسة وفي ظل حالة التشرذم السياسي الأوسع نطاقاً، فضلاً عن تعزيز جهات خارجية داعمة للمقاومة الموجهة ضد العملية التي تقودها الأمم المتحدة. كما تعثرت المرحلتان الأوليان من خارطة الطريق وسط تضارب المصالح ومحدودية النفوذ السياسي لـ"بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" على الأرض. وقد دفع ذلك الممثل الخاص للأمين العام إلى تجاوز المرحلتين الأوليين - "مؤسسات الحكومة الموحدة" و"الإطار الانتخابي" - والانتقال مباشرة إلى مرحلة "الحوار المنظم"، في محاولة لإحراز تقدم قبل انتهاء المهلة المحددة لخارطة الطريق.
شملت هذه المرحلة أكثر من 120 مشاركاً ليبياً، وأسفرت عما يقرب من 600 توصية محددة تغطي مجالات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية. وعلى الرغم من تناول موضوع الحوكمة في هذه التوصيات، فإن التوصل إلى إجماع كامل ظل بعيد المنال، وقوبلت التوصيات بمعارضة من بعض المشاركين بدلاً من أن تحظى بتأييدٍ موحد. فعلى سبيل المثال، تضمنت إحدى توصيات الحوكمة اقتراحاً بإنشاء سلطة تنفيذية موحدة جديدة لتحل محل الهياكل التنفيذية "الانتقالية" المنقسمة الحالية خلال الأشهر الثمانية عشر إلى الأربعة والعشرين التالية.
لكن المشاركين اختلفوا حول ما إذا كان إنشاء ترتيب انتقالي آخر سيؤدي ببساطة إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية في ليبيا، بدلاً من المساعدة على تحقيق الهدف الرئيسي لخارطة الطريق، والمتمثل في إنهائها. وأعرب المشاركون في الحوار لاحقاً عن مخاوفهم بشأن خارطة الطريق، مشيرين إلى أن التوصيات أظهرت أن تيتيه لم تكن جادة في التوصل إلى حلول قابلة للتطبيق، إذ لم تشترط التوصل إلى اتفاق نهائي أو إجماع بين المشاركين، الأمر الذي أفرغ التوصيات من أي وزن واضح، وحولها إلى مجرد مخطط عام لنوع جديد من الحكومة "الانتقالية"، بدلاً من إنهاء الحكومات "الانتقالية" كما وعد الإطار في البداية. ومنذ أن أعلن بولس عن مبادرته في حزيران/يونيو، جادل النقاد أيضاً بأن تيتيه وجدت نفسها في مأزق بسبب الاهتمام الواسع الذي حظيت به مبادرة بلوس، فلجأت إلى استخدام الحوار كوسيلة لمنافستها بدلاً من ذلك.
كما حظيت "مبادرة بولس" بتأييد عدد من أبرز الفاعلين السياسيين في ليبيا، بمن فيهم خليفة حفتر، الذي وصفها بأنها تطور "فريد من نوعه". ويعكس الاهتمام المحلي بنتائج المبادرة الدور الحاسم الذي يمكن أن تؤديه الولايات المتحدة، بالنظر إلى نفوذها. لكن كونُها مبادرةً دبلوماسيةً أمريكيةً يعني أنها تفتقر إلى التفويض الدولي الذي تتمتع به خارطة طريق "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا"، كما لا تحظى بتأييد رسمي من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة . ويُنظر إلى المبادرة أيضاً على أنها تمثل تحدياً لإطار عمل الممثل الخاص للأمين العام، رغم تصريحات بولس التي تشير إلى عكس ذلك، مما يزيد الضغوط على العملية.
علاوة على ذلك، لا تحظى المبادرة حتى الآن بدعم طرفي الصراع. ففي حين رحب معسكر حفتر صراحةً بمحاولة المبادرة توحيد المؤسسات الحكومية، ووصفها بأنها تطور "فريد من نوعه"، يعارضها عقيلة صالح، معتبراً أنها تتجاوز المؤسسات التشريعية. كما أن أعضاء "المجلس الأعلى للدولة" منقسمون بشأن المبادرة. وبما أن كلاً من "مجلس النواب" و"المجلس الأعلى للدولة" يمتلكان صلاحية سن القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة موحدة، فإن توافقهما ضروري لضمان شرعية أي اتفاق وطني أو مبادرة سياسية. وقد أسهمت هذه التعقيدات في زيادة تشكك الرأي العام الليبي في شرعية كلتا المبادرتين.
بناء سلام استعراضي
تثير مشاركة النخب الليبية في هذه العمليات قدراً كبيراً من الجدل، إذ تسهم في تقويض شرعيتها. ويتمثل الشاغل الرئيسي الأول في الطابع الاستعراضي لهذه المشاركة. فقد كان حضور الجانبين بارزاً للغاية؛ إذ قام اللواء صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، بزيارات رسمية إلى الأردن وألمانيا وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة منذ بداية عام 2026، في حين زار رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة تركيا وإيطاليا وقطر والإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، لم تسفر هذه الزيارات عن نتائج ملموسة أو عن تنازلات من جانب النخب الليبية بشأن قضايا الحوكمة الرئيسية المطروحة.
وبدلاً من ذلك، تنتج هذه الزيارات تدفقاً مستمراً من الصور المعدة بعناية ومقاطع الفيديو المنتجة باحترافية، تُنشر عبر القنوات الإعلامية التابعة للمشاركين الليبيين للاحتفاء بزيارة "ناجحة" أخرى مع شخصية دولية بارزة. ومع تزايد اعتماد الخطاب السياسي الليبي على وسائل التواصل الاجتماعي - التي أصبحت مصدراً رئيسياً للصحفيين والسياسيين والمحللين ومحطات التلفزيون والإذاعة ووسائل الإعلام الإخبارية عبر الإنترنت - يتنافس المسؤولون في بنغازي وطرابلس بنشاط على إظهار أكبر قدر ممكن من التواصل الدولي. وبالتالي، يبدو أن هذه الزيارات التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة تخدم النخب الليبية في المقام الأول، إذ تتيح لها استعراض نفوذها، وطمأنة مؤيديها، وإضعاف معنويات منافسيها، وإضفاء مظهر من الشرعية أمام المراقبين الدوليين.
كما تؤثر هذه الزيارات على عملية التوحيد، وتعد رحلة صدام حفتر إلى واشنطن العاصمة في 29 حزيران/يونيو مثالاً واضحاً على ذلك. إذ لا تزال واشنطن أهم مصدر للاعتراف السياسي الخارجي في ليبيا. وقد أشارت لقاءات حفتر مع عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين، بدعوة من بولس - ولا سيما لقاءه الذي حظي بتغطية إعلامية واسعةمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو - إلى العديد من الليبيين بأن صدام حفتر سيكون رئيس الحكومة الليبي المقبل، نظراً لعدم قيام دبيبة بزيارة مماثلة. أما لقاء دبيبة اللاحق مع رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبو ظبي، فقد فُسر عمومًا على أنه محاولة أخيرة للحصول على مساعدة من دول الخليج ردًا على زيارة حفتر. وقد دفع ذلك عدداً متزايداً من الليبيين إلى التعليق على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي متسائلين: "ماذا أنجزتم لنا؟"، في ظل غياب المساءلة والرقابة المؤسسية عن هذه الاجتماعات إلى حد كبير، رغم تفاقم المشكلات التي تعاني منها ليبيا.
كما أصبحت التصريحات الصادرة عن هذه العمليات موضع تساؤل أيضاً. فقد أثار تركيز مبادرة بولس على إنتاج النفط الليبي قلقاً خاصاً، نظراً إلى مستوى السيطرة الذي تمارسها النخب على موارد النفط والاقتصاد الليبي بشكل عام. ففي شرق وجنوب ليبيا، لا تقتصر سيطرة خليفة حفتر وأبنائه ومساعديه المقربين على النفوذ العسكري والسياسي، بل تمتد أيضاً إلى السيطرة على جميع الشركات الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ العائلة بقبضة قوية على حقول النفط في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وبالمثل، في غرب ليبيا، تدور القطاعات الأمنية والسياسية والاقتصادية حول رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة وأفراد عائلته ودائرة الموالين لهم، الذين يمتد نفوذهم إلى العديد من أهم مؤسسات الدولة، من بينها البنك المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وبالتالي، فإن مذكرات التفاهم التي انبثقت عن "مبادرة بولس" تنطوي على دلالات سياسية مهمة. ففي أوائل عام 2026، وقعت حكومة الوحدة الوطنية الليبية اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة "بوينغ" لتحديث قطاع الطيران المدني في البلاد. وتشمل الاتفاقية دعماً لشراء طائرات حديثة، وتعزيز التعاون الفني والتكنولوجي، وتطوير البنية التحتية للطيران بما يتوافق مع المعايير الدولية، والمضي قدماً في خطط إنشاء شركة طيران وطنية جديدة، وذلك في إطار شراكة اقتصادية أوسع بين الولايات المتحدة وليبيا.
بالإضافة إلى ذلك، وقعت ليبيا وشركة "شيفرون" اتفاقية في كانون الثاني/يناير من هذا العام، في خطوة تمثل عودة الشركة إلى قطاع الطاقة الليبي بعد أكثر من عقد من الزمن. وتضمنت الاتفاقية مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) لتقييم إمكانات ليبيا من النفط والغاز الصخري غير التقليدي، والتي تُقدر بنحو 123 تريليون قدم مكعب من الغاز و18 مليار برميل من النفط. وفي شباط/فبراير، حصلت شركة "شيفرون" على حق التنقيب في أحد الحقول في حوض سرت خلال أول جولة تراخيص دولية في ليبيا منذ عام 2007.
وينظر الليبيون بشكل متزايد إلى هذه التطورات - وإلى الحكومة الأمريكية بالتبعية - على أنها تسهم في تمكين نظام سياسي يستمد سلطته من الاعتراف الدولي والصفقات التجارية والوصول إلى الموارد، بدلاً من الحكم الرشيد. ووفقاً لنص مبادرات الوساطة، صُممت هذه العمليات لتسهيل إجراء الانتخابات وتعزيز المساءلة وبناء الدولة في ليبيا. ومع ذلك، إذا فشل الليبيون في رؤية تقدم ملموس في قضايا الحوكمة هذه، بينما تجني النخب السياسية في البلاد ثمار هذه الجهود، فسيستمر الدعم الشعبي لها في التراجع. بعبارة أخرى، فإن استمرار الانخراط الدولي مع الوضع السياسي الراهن في ليبيا يفيد في المقام الأول أولئك الذين لديهم مصلحة أكبر في البقاء في السلطة وتوسيع فرص الأعمال مع الشركاء الأجانب.
وطالما احتفظت النخبة الليبية بقدرة كبيرة على الوصول إلى المجتمع الدولي مع تهرّبها من مسؤوليات الحكم، فستستمر في الحصول على "الأكسجين السياسي"، بينما تبيع للشعب الليبي وهماً باستمرار التقدم. وإذا استمر هذا المسار، فإن جهود الوساطة الدولية تُخاطر بتعزيز استمرار الأزمة الليبية بدلاً من المساهمة في حلها.