- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4267
ماذا يُنتظر من لقاء ترامب وشي بشأن الشرق الأوسط؟
ينبغي لواشنطن أن تستغل هذه القمة لإقناع الصين بممارسة مزيد من الضغط على إيران، ووضع ضمانات بشأن الذكاء الاصطناعي، دون تقديم تنازلات في قضايا حاسمة أخرى مثل تايوان.
يستقبل البيت الأبيض هذا الأسبوع الرئيس الصيني شي جين بينغ في أول زيارة له إلى الولايات المتحدة منذ عام 2023. وقد انشغل الزعيمان في لقاءيهما السابقين خلال العام الماضي - في الصين في أيار/مايو وكوريا الجنوبية في تشرين الأول/أكتوبر - بكيفية ضبط التصعيد المتبادل في ملف الرسوم الجمركية وضوابط التصدير، ومن المرجح أن تظل هذه القضايا على رأس جدول الأعمال هذا الأسبوع. ومع ذلك، من المتوقع أن تكون قضايا الشرق الأوسط حاضرة في هذه المحادثات.
فمنذ آخر لقاء بين شي وترامب، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم قبل التخلي عنها لاحقاً، مما دفع واشنطن إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية وتشديد العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، واصلت الصين دعم طهران بطرق مختلفة، بينما تحاول تقديم نفسها بوصفها طرفاً محايداً. وفي خلفية هذه التطورات، يتصاعد التنافس بين القوتين العظميين في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يمثل فيه سوق الشرق الأوسط جائزة مهمة لكلا الطرفين. كيف ستؤثر هذه القضايا على محاولات ترامب وشي لإرساء إطار مستقر للعلاقات المستقبلية؟
دعم الصين لإيران
منذ اندلاع الأزمة الإيرانية في شباط/فبراير، توالت التقارير التي ترصد أوجه الدعم الصيني لطهران. فعلى الصعيد الاقتصادي، تظل بكين شريان الحياة الاقتصادي الأهم للنظام. وعلى الرغم من أن تدفق النفط الإيراني قد انخفض منذ دخول الحصار الأمريكي حيز التنفيذ، إلا أن الصين ظلت لفترة طويلة أكبر مستورد لهذه الإمدادات بفارق كبير، حيث بذلت جهوداً كبيرة للتحايل على العقوبات الغربية وتعويض طهران عن الشحنات التي تمكنت من الوصول إليها.
وعلى الصعيد العسكري، دأبت إدارة ترامب على فرض عقوبات على كيانات صينية بسبب تزويد إيران ببيركلورات الصوديوم ومواد أولية أخرى تستخدم في دعم برنامجها الصاروخي. وتواصل التقارير الإعلامية تسليط الضوء على الاتهامات الأمريكية بأن إيران استخدمت صور أقمار صناعية صينية للمساعدة في استهداف المواقع الأمريكية في أنحاء المنطقة. بل إن بكين، وفقاً للتقارير، أبرمت ترتيباً فريداً يسمح لأفراد من "الحرس الثوري الإيراني" (IRGC) بتكليف قمر صناعي صيني بصورة مستقلة بتنفيذ عمليات استشعار عن بعد لمواقع محددة.
غير أن إدارة ترامب دأبت على التهوين من شأن هذا الدعم. ففي تموز/يوليو، قال وزير الخارجية ماركو روبيو: "لم يغير أي شيء قامت به الصين بأي شكل من الأشكال مسار... الصراعات مع إيران"، بل ذهب إلى أن بكين "كانت في الواقع متعاونة جداً... في ما يتعلق بما كان بوسعها فعله ولم تفعله". وفي الأسبوع ذاته، أشار الرئيس ترامب في منشور على "تروث سوشيال" إلى أن شي وعد بأنه "لن يقدم أو يبيع أسلحة، تحت أي ظرف من الظروف" إلى إيران. وبعد أيام، عقب تقرير لوكالة "رويترز" بأن الصين بدأت في نقل أنظمة دفاع جوي محمولة إلى طهران، وصف ترامب الخبر بأنه "مفاجئ"، لكنه قال: "أمور كهذه تحدث". وعندما سئل الأسبوع الماضي عن الدعم الصيني من خلال صور الأقمار الصناعية للضربات الإيرانية، أجاب ترامب: "إنهم في الأساس يفعلون ما نفعله. عندما يقولون إن الصين تتجسس علينا، أقول: أنتم محقون، ونحن نتجسس عليهم أيضاً". وتعزز مثل هذه التصريحات الفكرة القائلة بأن إدارة ترامب لا تريد أن تؤثر الحرب مع إيران سلباً على هدفها الأوسع المتمثل في استقرار العلاقات مع الصين خلال الفترة المتبقية من ولايته.
ويبدو أن الإجراءات الأمريكية تدعم هذا الانطباع أيضاً. فقد كان الكشف الأخير لوزير الخزانة سكوت بيسنت عن "عملية المنبوذ الاقتصادي" لافتاً من حيث إنها لم تستهدف بشكل مباشر أهم شرايين الحياة الاقتصادية لإيران في الصين. في الواقع، على الرغم من الخطاب الحاد للإدارة بشأن الإجراءات المباشرة والعقوبات الثانوية، فقد منحت واشنطن الصينيين مجالاً واسعاً للمناورة في التعامل مع "يوم الحسم الاقتصادي" المعلن عنه. ببساطة، من شبه المؤكد أن هذه الحملة ستفشل فشلاً ذريعاً دون موافقة بكين على الأقل. وفي حال عدم الحصول على هذه الموافقة، فمن المرجح أن تظل الإدارة غير راغبة في استهداف جميع الطرق التي تتحايل بها الصين على العقوبات الغربية لإبقاء النظام الإيراني قائماً، وبالتالي ستتضاءل فعالية الضغط الأمريكي على طهران.
الذكاء الاصطناعي والشرق الأوسط
كما ستعقد القمة على خلفية منافسة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والهيمنة التكنولوجية في الخليج، حيث تتسابق المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وشركاء إقليميون آخرون للحصول على رقائق متطورة، وبناء مراكز بيانات، وجذب الاستثمارات الأجنبية من أجل أن يصبحوا لاعبين رئيسيين في هذا القطاع على الصعيد الإقليمي. ورداً على ذلك، خففت واشنطن القيود على الصادرات ومتطلبات فحص الاستثمارات في محاولة لإبقاء الشركات الأمريكية - وبالتالي البنية التحتية التكنولوجية الأمريكية - في قلب مشاريع تطوير الذكاء الاصطناعي الناشئة في الخليج. وفي المقابل، تقدم الصين أجهزة وبرامج أرخص، ونماذج ذكاء اصطناعي أكثر انفتاحاً، وشروطاً سياسية أقل صرامة - وهي ميزة جذابة بشكل خاص لقادة دول الخليج الذين يواصلون الإصرار على الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم.
ولتحقيق أقصى قدر من الفوائد المحتملة، يسعى هؤلاء القادة بنشاط إلى الاستفادة من التطورات التكنولوجية لدى كلتا القوتين العظميين. فقد أبرمت المملكة العربية السعودية شراكات مع شركات أمريكية مثل "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"سيسكو" من خلال شركة "هيومين" للذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة، بينما تستخدم في الوقت نفسه نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية وتحافظ على علاقاتها مع مزودي التكنولوجيا الصينيين .واتبعت الإمارات العربية المتحدة استراتيجية مماثلة عملياً، على الرغم من إعلانها أن الولايات المتحدة هي شريكها المفضل في مجال التكنولوجيا الحساسة. فعلى سبيل المثال، تعاونت مع "مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"أمازون" لبناء جزء كبير من بنيتها التحتية التكنولوجية، بينما اعتمدت على شركات صينية مثل "هواوي" للبنية التحتية للاتصالات، إلى جانب صفقات أخرى.
كما بحث ترامب وشي في أماكن أخرى في المنطقة عن رؤوس الأموال والاستثمارات اللازمة لدعم صناعات بلديهما المحلية. على سبيل المثال، قبل زيارة شي إلى القاهرة الشهر الماضي، أفادت التقارير بأن "هواوي" عرضت بناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي وتزويد الحكومة المصرية برقائق متطورة. وردت الولايات المتحدة بعرض من "إنفيديا" لبناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بقيمة مليار دولار وبقدرة 200 ميغاواط، وهو ما تعتزم القاهرة المضي قدماً فيه.
وسواء تحققت هذه العروض أم لا، فمن الواضح أن كلا الزعيمين ينظران إلى المنطقة باعتبارها مسرحاً رئيسياً في المنافسة التكنولوجية. ولذلك، يجب أن تخرج واشنطن من هذه القمة وهي واثقة من قدرتها على الحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي على الصين، بما في ذلك في مجال الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن "الحوار الأمريكي-الصيني حول الذكاء الاصطناعي" الذي أعلن عنه مؤخراً يمكن أن يساعد في وضع الضوابط اللازمة للتعاون، فإنه لن يحدد أي البلدين سيوفر المكونات الضرورية لأنظمة الذكاء الاصطناعي الناشئة في الشرق الأوسط. ويعد الحفاظ على حضور قوي في الأسواق الغنية برأس المال، مثل أسواق الخليج، عاملاً أساسياً في المنافسة، إلى جانب إعطاء الأولوية لحماية التقنيات الأمريكية الحساسة في الأسواق التي تعمل فيها الصين أيضاً.
توصيات سياسية
إن إنهاء الحرب مع إيران بشروط مواتية للولايات المتحدة سيتطلب ممارسة ضغوط على طهران تتجاوز ما تمكنت واشنطن من ممارسته حتى الآن، فلا تزال الصين تمثل شريان الحياة الخارجي الأهم لإيران، لذا ينبغي للرئيس ترامب أن يستغل القمة للحصول على التزامات ملموسة وقابلة للتحقق بأن بكين ستقلص هذا الدعم، وستستخدم نفوذها الكبير لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات. وللحصول على مثل هذه الالتزامات من شي دون التنازل عن قضايا حاسمة أخرى مثل تايوان، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين النظر في استخدام نقاط النفوذ التالية:
رفع السرية عن المعلومات المتعلقة بالدعم الصيني في مجال صور الأقمار الصناعية ونشرها. رغم أن ترامب قد يضغط على شي لوقف تزويد إيران بصور الأقمار الصناعية الصينية والمعلومات الاستخباراتية المرتبطة بها، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى منع طهران تماماً من الوصول إلى هذه المعلومات، نظراً إلى التداخل الفريد في الصين بين المصادر التجارية والحكومية القادرة على توفير هذا النوع من المعلومات الاستخباراتية. وبدلاً من ذلك، ينبغي لواشنطن "فضح" الكيانات الصينية المسؤولة من خلال نشر نتائج تحقيقاتها على نطاق واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ومن خلال إظهار الطرق المختلفة التي أسهمت بها هذه الصور في تعزيز قدرة إيران على تنفيذ هجماتها في الخليج وخارجه، يمكن لواشنطن حشد هذه الدول للمساعدة في الضغط على بكين بشأن هذه القضية. وسيساعد ذلك أيضاً في تذكيرها بأن الصين ليست طرفاً محايداً كما تحاول أن تصور نفسها.
توسيع نطاق العقوبات الثانوية تدريجياً في إطار "عملية المنبوذ الاقتصادي". يصعب على الولايات المتحدة فرض عقوبات مباشرة على الصين دون الإضرار بمصالحها هي أيضاً، نظراً للتشابك الشديد بين اقتصاديهما ولأن بكين طورت أدوات محددة لمقاومة مثل هذه العقوبات. في نيسان/أبريل، على سبيل المثال، أدرجت واشنطن مصفاة النفط المستقلة الصينية "هينغلي للبتروكيماويات" (Hengli Petrochemical) على قائمة العقوبات بسبب تقديمها دعماً حيوياً لإيران خلال الحرب، لكن بكين استندت إلى قانون جديد يمنع الامتثال للعقوبات الغربية. وقد أضاف نظام المقايضة الفريد بين الصين وإيران طبقة إضافية من القدرة على الصمود في وجه العقوبات. ومع ذلك، لا يزال بإمكان واشنطن ممارسة ضغط غير مباشر على بكين من خلال تطبيق العقوبات الثانوية بصرامة أكبر على الكيانات الخارجية التي تتعامل مع مؤسسات صينية محددة.
مطالبة بكين بدعم التزام علني بحرية الملاحة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
رغم أن إصدار إعلان مشترك يؤكد هذا المبدأ الدولي يبدو مستبعداً، على الرغم من اتفاق الطرفين عليه ظاهرياً، فإن لدى واشنطن أسباباً وجيهة للدفع في هذا الاتجاه. وأي تصريح يصدر عن الصين هذا الأسبوع بشأن حرية الملاحة سيبعث برسالة إلى إيران والحوثيين في اليمن مفادها أن دعم بكين له حدود. علاوة على ذلك، فإن تصريحات الحكومة الصينية تزخر بشكل روتيني بوعود بلاغية بضمان التدفق الحر للتجارة، لذا ينبغي لواشنطن أن تختبر موقف بكين: فإذا وقع شي بياناً مشتركاً يدين الهجمات على ناقلات النفط وغيرها من الأهداف المدنية، فإن أي هجوم إيراني أو حوثي لاحق على هذه الأهداف سيضع الصين أمام خيارين: تأكيد موقفها علناً أو الظهور بمظهر من يتراجع عن تعهداته. وسيتطلب الحصول على مثل هذا الإعلان دبلوماسية صبورة ومنسقة خلال القمة، لكن هذا الجهد سيكون مجدياً بالنظر إلى المكاسب التي قد يحققها للموقف الأمريكي الإقليمي على المدى الطويل. وقد يبدي شي تقبلاً لهذه الفكرة، حيث تشير تقارير حديثة إلى أن بكين ربما تكون قد مارست ضغوطاً على إيران لكبح جماح الحوثيين.
توظيف "حوار الذكاء الاصطناعي" الجديد لحماية المزايا التكنولوجية الأمريكية في المنطقة. ينبغي للمسؤولين الأمريكيين الاستفادة من هذه الآلية لوضع ضوابط واضحة للمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير نظام "الإنذار" المقترح للتعامل مع الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي قد تهدد الأمن القومي، بما في ذلك الحوادث التي تنطوي على أنظمة عسكرية أو ذات استخدام مزدوج قد تؤدي إلى سوء تقدير أو تصعيد غير مقصود. لكن عليهم في الوقت نفسه الفصل بين هذه الجهود والمنافسة الاستراتيجية الأوسع. وعلى وجه الخصوص، يجب أن تحتفظ واشنطن بحرية قرارها وبالتنسيق مع شركائها في الشرق الأوسط في ما يخص ضوابط التصدير والرقائق المتطورة وتخزين البيانات وحماية سائر البنى التحتية الحساسة، بما يضمن قدرتها على مواصلة تقديم بدائل أكثر جاذبية وتطوراً من التكنولوجيا الصينية.