- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4248
«حماس» تقبل خارطة طريق غزة: انفراجة سياسية وغموض بشأن التنفيذ
على الرغم من موافقة الحركة، لا تزال هناك فجوات كبيرة مع إسرائيل بشأن التسلسل الزمني ونزع السلاح وآليات الرقابة، مما يلقي بظلال من الشك على جدوى الاتفاق.
قد لا يكون قبول "حماس لـ"خارطة طريق" غزة حدثاً "تاريخياً"، كما وصفه الرئيس ترامب، لكنه بلا شك تطور مهم. تقدم "خارطة الطريق"، التي عرضها الممثل الأعلى للأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، خطة لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام التي وضعتها إدارة ترامب لغزة. ولأول مرة، وافقت "حماس" رسمياً وصراحةً على عملية من المفترض أن تبلغ ذروتها بنزع سلاحها بالكامل في غضون ثلاث سنوات - بل وحتى قبل ذلك، من خلال نقل جميع الصلاحيات الحكومية والمدنية والأمنية إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية، هي "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG)، دون أي تمثيل لـ"حماس".
لماذا وافقت "حماس" أخيراً على الاتفاق؟
جاء قرار الحركة بعد ما يقرب من عشرة أشهر من المفاوضات، ويبدو أنه ناجم عن عدة ضغوط متراكمة. أولاً، أدى الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر إلى تآكل سيطرة "حماس" على الأراضي وإلحاق خسائر متواصلة بصفوفها. ووفقاً لمعظم التقديرات، تقلصت منطقة سيطرتها من حوالي 47 في المئة من غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى حوالي 36 في المئة اليوم.
ثانياً، مارست تركيا وقطر، اللتان تتمتعان بعلاقات وثيقة مع "حماس"، ضغوطاً سياسية على الحركة من أجل إثبات دورهما بالنسبة لإدارة ترامب وتحقيق الاستقرار في الوضع الإقليمي الأوسع نطاقاً. ويبدو أنهما عازمتان أيضاً على الحفاظ على مسار يتيح لـ"حماس" الانتقال إلى دور فاعل سياسي "شرعي" بدلاً من البقاء مجرد حركة مسلحة.
ثالثاً، توجت التغييرات القيادية الأخيرة في "حماس" بتولي خليل الحية دوراً قيادياً. وقد وفر ذلك الشرعية الداخلية اللازمة لقبول "خارطة الطريق".
رابعاً، بدأت الاستعدادات لإجراء انتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام. وقد شكّل ذلك حافزاً لـ"حماس" للعودة إلى الساحة السياسية الفلسطينية الرسمية عبر القنوات المؤسسية.
تحديات التنفيذ
على الرغم من هذه العوامل الدافعة، فإن "حماس" ليست في أزمة عميقة ولا تتصرف انطلاقاً من موقف يائس استراتيجياً. بل على العكس، فهي تُشير بالفعل إلى نيتها التفاوض بشدة حول صياغة الاتفاق، لا سيما فيما يتعلق بنزع السلاح والربط المقترح بين التزامات إسرائيل والتزامات "حماس". ولذلك، يُتوقع إجراء مفاوضات صعبة ومطولة - ليس فقط خلال الأربعة عشر يوماً المخصصة لوضع الصيغة النهائية للنص بعد الموافقة المبدئية من جانب إسرائيل، بل طوال فترة التنفيذ بأكملها. ووفقاً لتقارير متنوعة، من المتوقع أن تستمر مرحلة نزع السلاح وحدها حوالي ثمانية أشهر، ومن المرجح أن تتفاقم خلالها الخلافات حول التعريفات وتسلسل الإجراءات والتحقق.
فور صدور تقارير عن قبول "حماس"، أدان "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة والدول الوسيطة - مصر وتركيا وقطر - تزايد الغارات الإسرائيلية على غزة. ووصف ملادينوف هذه الضربات بأنها عقبة أمام المفاوضات، وقال الوسطاء إنها تشكل انتهاكاً لالتزامات إسرائيل بموجب المرحلة الأولى من خطة ترامب.
وبعيداً عن الإشارات العامة إلى الاحتياجات الأمنية المستمرة، لم تقدم قوات الدفاع الإسرائيلية أي معلومات علنية حول توقيت أو طبيعة التهديد الذي برر عملياتها الأخيرة، مما سمح للمنتقدين بتصوير الضربات على أنها ذات دوافع سياسية أو ضارة بالعملية الدبلوماسية.
وقد أصدر مجلس الوزراء الإسرائيلي مؤخراً قراراً يوجه جيش الدفاع الإسرائيلي إلى تقليص الأنشطة الهجومية في غزة لإتاحة إحراز تقدم في المرحلة الثانية. ولم يكن هذا وقفاً لإطلاق النار، بل تغييراً في آلية صنع القرار. فأي عمل هجومي يتطلب الآن موافقة رئيس الأركان - وهو تعديل محدود تم إجراؤه بناءً على طلب ملادينوف خلال اجتماع عُقد في آب/أغسطس مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكان الهدف منه تسهيل العملية الدبلوماسية.
من غير المرجح أن تقيد إسرائيل رسمياً حرية عملياتها، حيث ترى في الضغط العسكري وسيلة أساسية للتأثير على موقف "حماس" التفاوضي. ومع ذلك، سيتعين على القدس التركيز على التهديدات المباشرة فقط وتقليل الضربات غير الضرورية للحفاظ على الزخم الدبلوماسي واستمرار التنسيق مع واشنطن.
وفيما يتعلق بالانسحابات الإسرائيلية، أدت اعتراضات القدس على صياغة "خارطة الطريق" الأصلية إلى تغيير كبير في موقف "مجلس السلام". فقد أشارت الوثيقة الأولية ضمناً إلى أن الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح "حماس" سيحدثان بالتوازي. وعقب اجتماع ملادينوف ونتنياهو، تحول المجلس نحو التسلسل الزمني الذي تفضله إسرائيل، حيث أوضحت أن الانسحاب من "الخط الأصفر" - وهو حدود وقف إطلاق النار لعام 2025 - لن يتم إلا بعد نزع السلاح الذي تم التحقق منه. بالإضافة إلى ذلك، تجنب المجلس تكرار الالتزام السابق بـ"الانسحاب الكامل"، متبنياً فعلياً تفسير إسرائيل بأن العملية ستنتهي بإنشاء منطقة أمنية قرب الحدود. وقد دأبت القدس وواشنطن على التنسيق بشأن هذه المسألة، ولا يزال هناك مجال لتطور سيناريوهات مختلفة: الانسحاب من "الخط البرتقالي"، حيث تنتشر القوات الإسرائيلية حالياً؛ أو العودة إلى "الخط الأصفر"؛ أو، على الأقل، الاعتماد على حاجز بري أنجزته مؤخراً قوات الدفاع الإسرائيلية ويقع بين هذين الخطين. وفي أي من هذه السيناريوهات، يُتوقع من السلطات الفلسطينية أن تنفذ التزاماتها بموجب "خارطة الطريق" بالتوازي.
من المرجح أن يكون نزع السلاح هو نقطة الخلاف الرئيسية، إذ تستخدم "خارطة الطريق" مصطلح «إخراج الأسلحة من الخدمة»، الذي تفسره "حماس" على أنه تخزين الأسلحة تحت رقابة داخل غزة، بينما تصر إسرائيل على إزالتها فعلياً من الأراضي. ولا تحدد "خارطة الطريق" ما الذي يشكل أسلحة محظورة، أو ما إذا كان سيُسمح بالأسلحة النارية الشخصية، أو من يمكنه حملها وتحت أي شروط، أو كيف ستبدو الرقابة الفعالة. وبموجب القانون الفلسطيني، يشير مصطلح «الأسلحة الشخصية» حصرياً إلى المسدسات المرخصة — وليست الأسلحة التي بحوزة أعضاء المنظمات الإرهابية مثل القذائف الصاروخية، أو بنادق الكلاشينكوف، أو البنادق الهجومية الأخرى. ومن المرجح أن ملادينوف اعتمد على هذا التعريف القانوني في صياغة موقف المجلس، إلا أن هذه الفقرة غامضة. يجب على المسؤولين توضيحها لمنع "حماس" من تفسير الصياغة على نحو واسع للغاية أو محاولة الحفاظ على قدراتها العسكرية بينما تدعي أنها تحتفظ ببساطة بـ«أسلحة شخصية».
من جانبها، ستحتاج إسرائيل إلى وضع خطوط حمراء واضحة بشأن نزع السلاح لمنع الجماعة من الاحتفاظ بمثل هذه القدرات. ويشمل ذلك وضع تعريف دقيق لـ«إخراج الأسلحة من الخدمة»، وحظر تخزين الأسلحة داخل غزة، ومعايير واضحة للتحقق الفعال. في الوضع الراهن، حذر رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي ديفيد زيني مجلس الوزراء من أن موافقة "حماس" على المضي قدماً في اتفاق نزع السلاح قد تكون مجرد «فخ».
ومن المتوقع أن تنشأ خلافات إضافية حول تفكيك الأنفاق ومواقع إنتاج الأسلحة والبنية التحتية للميليشيات - ليس فقط تلك التابعة لـ"حماس"، بل أيضاً تلك التابعة للميليشيات التي تعمل في غزة تحت رعاية إسرائيلية. ولا تحدد "خارطة الطريق" كيفية التعامل مع هذه المجموعات الأخيرة أو من سيشرف على نزع سلاحها.
وهناك عقبة عملية رئيسية أخرى تتمثل في غياب آلية أمنية مدنية فعالة في غزة. فلا توجد قوة شرطة، ولم يتم بعد تشكيل «قوة الاستقرار الدولية» المقترحة والذراع الأمني لـ"الجنة الوطنية لإدارة غزة". وبدون هذه القوات، فإن تنفيذ "خارطة الطريق" سيكون غير ممكن. وينبغي للمجلس أن يعطي الأولوية لتمويل وبناء آلية أمنية مدنية فعالة، ويجب على إسرائيل ألا تمنعه من القيام بذلك.
بالإضافة إلى ذلك، هناك فجوة كبيرة بين سياسة المجلس رفيعة المستوى وعمل "مركز التنسيق المدني-العسكري"، الذي أصيب بالشلل إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب مع إيران. وبدون آلية تنسيق فعالة، ستظل حتى المشاريع المدنية الصغيرة معلقة، مما يهدد بتحويل "خارطة الطريق" إلى مجرد إطار نظري.
ما هي الخطوة التالية؟
لمعالجة هذه الثغرات، يتعين على إسرائيل إجراء مفاوضات متسقة وحازمة مع "مجلس السلام"، مستفيدة من المرونة التي تم تحقيقها بالفعل بشأن تسلسل الخطوات، والضغط من أجل ترسيخ مواقفها بشكل أكبر - كل ذلك مع الحفاظ على علاقات مستقرة مع واشنطن. وهذا يستلزم تبادل المعلومات العامة والسرية ذات الصلة كلما أثارت واشنطن مخاوف بشأن أنشطة "حماس" أو الإجراءات الإسرائيلية التي قد تؤثر على "خارطة الطريق".
والجدير بالذكر أن "خارطة الطريق" تركز حصرياً على غزة ولا تشير إلى الضفة الغربية. وهذا يعني أن "حماس" قد تشجع أو تمول أعمال العنف في تلك المنطقة دون أن تنتهك الاتفاق رسمياً. ولمنع أن تصبح الضفة الغربية ساحة الصراع التالية لـ"حماس"، يجب أن يكون هناك تفاهم واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أن أي عمل إرهابي مرتبط بـ"حماس" هناك سيشكل انتهاكاً مباشراً لـ"خارطة الطريق" - دون أي غموض تفسيري.
وفي الساحة السياسية الفلسطينية، كانت الشخصية البارزة محمد دحلان من أوائل الذين رحبوا بـ"خارطة الطريق"، بل وألمح إلى أنه شارك في المفاوضات. كما أفادت التقارير أنه كان على اتصال مباشر مع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، وهو ما قد يؤثر على كيفية تفسير إدارة ترامب لـ"خارطة الطريق" في المستقبل. وشدد دحلان على أن الفلسطينيين يتوقعون من الإدارة أن تضمن قيام إسرائيل بوقف الضربات في غزة من أجل تمكين إعادة الإعمار وتحقيق التقدم السياسي.
بالإضافة إلى ذلك، أبدى دحلان مؤخراً اهتماماً كبيراً بـإجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، المقرر إجراؤها في تشرين الثاني/نوفمبر، ويبدو أن المقربين منه يتخذون خطوات مهمة لتنظيم جهود الحملة الانتخابية وتعبئة الناخبين. بل إنه قد يكون ينسق بشأن هذه المسألة مع حركة "حماس"، التي لا ترفض من حيث المبدأ فكرة إجراء الانتخابات.
قد يؤدي التنفيذ الناجح لـ"خارطة الطريق" إلى تهيئة الظروف الملائمة لإجراء هذه الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر كما هو مخطط لها، سواء في غزة أو الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن الاعتراضات الإسرائيلية على بعض القضايا الانتخابية - على سبيل المثال، تصويت سكان القدس الشرقية - قد تصبح العقبة الرئيسية أمام المضي قدماً في عملية يرى البعض أنها أساسية لجهود الإصلاح الأوسع نطاقاً للسلطة الفلسطينية. ومع تزايد احتمالات المضي قدماً في المرحلة الثانية من خطة ترامب، من المهم أن تنسق إسرائيل موقفها بشأن هذه القضايا مع الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة، ولا سيما الولايات المتحدة. ويشمل ذلك الاتفاق على شروط واضحة لإجراء الانتخابات ومعالجة المسألة الحساسة المتعلقة بالتصويت في القدس الشرقية.
وبالفعل، سيتعين على إسرائيل صياغة سياساتها تجاه عملية "خارطة الطريق" بعناية. فعليها أن تتجنب إعطاء الانطباع بأنها تقوض مبادرة استثمر فيها الرئيس الأمريكي رأس مال سياسياً كبيراً، مع منع "حماس" في الوقت نفسه من الاحتفاظ بنفوذ عسكري أو سياسي. وفي الوقت نفسه، إذا أرادت واشنطن أن تنجح الخطة، فسيتعين عليها توضيح رؤيتها لمستقبل "حماس" السياسي بعد نزع السلاح - إذا ما تم نزع السلاح بالفعل. فقد أتاح الغموض الحالي بشأن القضايا الرئيسية للجهات الفاعلة الإقليمية طرح تفسيرات متباينة، ومتضاربة أحياناً. ورغم أن تركيا وقطر قد تستمران في لعب أدوار دبلوماسية في هذه العملية، فإن مشاركتهما في آليات المراقبة الميدانية يجب أن تكون محدودة لتجنب منح "حماس" مجالاً إضافياً للمناورة. وفي نهاية المطاف، سيتوقف نجاح "خارطة الطريق" أو فشلها على قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على إنشاء إطار تنفيذي لا يضفي الشرعية على "حماس" أو يعزز قوتها، بل يعزز الحوكمة والمساءلة الفلسطينية، ويسهم في الوقت نفسه في الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.