- تحليل السياسات
- تنبيه سياسي
السلام بين إسرائيل ولبنان: هل سيظل بري عقبة؟
اتفقت الحكومتان على إجراء محادثات مباشرة يمكن أن تتحول إلى عملية سلام أوسع نطاقاً بوساطة أمريكية، ولكن بشرط أن يكون المسؤولون مستعدين للتصدي للعوامل المُعرقلة المحتملة لاسيما "نبيه بري"، حليف "حزب الله".
ربما تكون الحسابات الإسرائيلية والأمريكية بشأن لبنان قد اتخذت منعطفاً مهماً هذا الأسبوع مع تسليط الضوء على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف القديم لـ"حزب الله" وزعيم "حركة أمل". وسط تصاعد الضربات في بيروت في 8 نيسان/أبريل، بدا أن إسرائيل وجّهت رسالة مباشرة عبر استهداف الأحياء التي يسيطر عليها "حزب أمل"، ما أسفر عن مقتل عدد من أعضائه، إضافة إلى استهداف موقع يُعتقد أنه مرتبط ببري. وبدا أنه تلقى الرسالة بوضوح تام - إذ لم يعترض، عندما أُعلن عن مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان في اليوم التالي.
حتى الآن، كان بري يعتقد على الأرجح أنه محصّن ضد الضغوط الخارجية، إذ مكنته خبرته الطويلة في الساحة السياسية اللبنانية من الحفاظ على مسافة خطابية بينه وبين "حزب الله"، بينما كان في الوقت نفسه يؤدي دور الحارس الرئيسي لمصالح الحزب السياسية والأمنية.
بعد اندلاع الحرب مع إيران واستئناف "حزب الله" هجماته على إسرائيل، أصبح بري، كما كان متوقعاً، العقبة الرئيسية أمام الدبلوماسية. وفى التاسع من آذار/مارس، أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن اهتمامه ببدء محادثات مباشرة مع إسرائيل، لكن بري أحبط هذه المحاولة برفضه تعيين ممثل شيعي في فريق التفاوض. وعلى الرغم من أن الدستور اللبناني لا يمنح رئيس البرلمان حق التصويت في مثل هذه القرارات، إلا أن عون كان حريصاً بشكل واضح على عدم المضي قدماً دون موافقة بري ومشاركة الطائفة الشيعية. لكن الحكومة أعطت أمس الضوء الأخضر لمحادثات جديدة، مما يشير إلى أن بري أُجبر على الموافقة.
علاقة التبعية المتبادلة بين بري و"حزب الله"
في السنوات الأخيرة، ازداد نفوذ بري من خلال نظام سلطة "حزب الله". وهو يدرك أنه لا يمكنه الفوز في الانتخابات البرلمانية من دون هذه الجماعة، وقد أصبحت مصالحهما المالية والسياسية أكثر تشابكاً. وعلى الرغم من أنه ليس مرتبطاً أيديولوجياً بـ"حزب الله"، فقد أدرك بري أنه يمكنه أن يرث بشكل غير مباشر سيطرة واسعة على شبكات الجماعة في لبنان إذا عزز علاقاته مع قادة الحزب. وبذلك، لم يكتسب فقط سلطة سياسية أكبر داخل مؤسسات الدولة، بل أمّن أيضاً المزيد من القوة المالية لنفسه ولشبكات أعمال عائلته.
عندما قرر بري دعم المفاوضات لإنهاء الحرب السابقة مع إسرائيل في أواخر عام 2024، أعرب زعيم "حزب الله" نعيم قاسم عن "ثقته الكاملة" في رئيس مجلس النواب ووصفه بـ "الأخ الأكبر" وسرعان ما أدرك بري دلالات هذا الخطاب - إذ إن "حزب الله" الضعيف (ولكن غير المنهار) قد يعني المزيد من القوة له ولحاشيته السياسية. وكانت الجماعة بحاجة إليه، فاستغل هذا النفوذ بسرور. وبعد عام، أرسل بري مساعده علي حسن خليل للقاء رعاة "حزب الله" في طهران، في أول زيارة رسمية لبنانية إلى إيران منذ وقف إطلاق النار عام 2024. ووفقاً لروايات مختلفة عن محادثاته مع كبار مسؤولي النظام علي لاريجاني ومحمد باقر قاليباف وعباس أراغشي، كانت رسالة خليل واضحة: أصبح بري الآن الزعيم الشيعي الوحيد القادر على مساعدة "حزب الله" في إعادة البناء.
ومنذ ذلك الحين، سهّل بري إعادة تشكيل الجماعة الإرهابية من خلال فرض تعيينات موالية لحزب الله في الحكومة والجهاز الأمني، وضمان قدرة الضباط الإيرانيين من "الحرس الثوري الإسلامي" على التنقل بحرية في جميع أنحاء لبنان، وإعاقة الجهود الرامية إلى تفكيك الشبكة المالية لـ"حزب الله". وبعد ملاحظة إسرائيل لهذه الأنشطة، قررت أخيراً أن تبعث برسالة إلى بري مفادها أنه لم يعد يتمتع بالحصانة.
ماذا بعد؟
عند الإعلان عن المحادثات الجديدة، شدد الرئيس عون على الحاجة إلى وقف إطلاق النار، بينما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ضرورة نزع سلاح "حزب الله". حتى الآن، تركت إدارة ترامب الطرفين يتوصلان إلى توافق بشأن هذه الأولويات، على الرغم من أنها ستحتاج على الأرجح إلى التوسط في مثل هذه الخلافات إذا انتهى الأمر بواشنطن إلى رعاية المحادثات كما هو متوقع.
بالإضافة إلى تسوية الجوانب اللوجستية للمفاوضات - مثل من سيمثل كل بلد وأين ستُعقد الاجتماعات - يجب على واشنطن أن توضح لبري أنه لا يمكنه التعامل مع العملية على أنها مجرد وسيلة أخرى لكسب الوقت. وبصفته الحارس السياسي لـ"حزب الله"، فقد أعاق مراراً وتكراراً الجهود اللبنانية الرامية إلى نزع سلاح الحزب والحد من سلطتها. وإذا حاول عرقلة المحادثات الجديدة بفرض شروط أو استخدام أساليب مماطلة أخرى، فيجب على إدارة ترامب إدراجه في القائمة بموجب الأمر التنفيذي 13441 (الذي يجمد ممتلكات الأفراد الذين يقوضون السيادة اللبنانية) و/أو استهدافه بفرض عقوبات بموجب "قانون ماغنيتسكي" العالمي.
يمكن لواشنطن أيضاً مواجهة المناورات المحتملة لبري من خلال اتخاذ الخطوات التالية:
- سواء في المرحلة الأولى أو لاحقاً، ينبغي على إدارة ترامب الاضطلاع بدور رعاية مباشر في المحادثات. وربما يشجع هذا بيروت على الوفاء أخيراً بالتزاماتها في وقف إطلاق النار لعام 2024 عبر المضي قدماً في نزع سلاح "حزب الله". ومن دون إشراف أمريكي، قد تتعثر المحادثات، مما يسمح لـ"حزب الله" بمواصلة إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية.
- على واشنطن أن تحرص على أن يدرك المسؤولون اللبنانيون أن نزع السلاح سيظل قضية مركزية في المحادثات. كما ينبغي أن تأتي بيروت مستعدة بخطة واضحة حول كيفية مصادرة وتدمير الترسانة العسكرية لـ"حزب الله"، بما في ذلك الضمانات وإطار زمني محدد. وإذا رفض قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل تنفيذ هذه التوجيهات، فيجب على الحكومة استبداله. وستكون جهود بناء الثقة في هذه المسألة حاسمة للتوصل إلى وقف إطلاق نار محتمل والحفاظ عليه.
- وللمساعدة في ضمان تحقيق نتائج ملموسة من جانب لبنان، يجب على واشنطن أن ترهن زيادة المساعدات الأمريكية للجيش اللبناني بالتقدم في ملف نزع السلاح. فعلى سبيل المثال، يمكن وضع معايير واضحة لصرف مساعدات محددة إذا تم تطهير قطاعات معينة من أسلحة وبنية "حزب الله" التحتية بحلول مواعيد محددة. وعلى العكس، إذا لم يوسع الجيش اللبناني جهوده شمال نهر الليطاني، يجب على واشنطن أن تهدد بتجميد كامل المساعدات العسكرية للبنان.
- ولتحسين فرص التوصل إلى اتفاق سلام في نهاية المطاف بين لبنان وإسرائيل، يمكن لواشنطن أن تطالب بيروت بتخفيف أو إلغاء قوانينها المناهضة للتطبيع القائمة منذ فترة طويلة. وقد تساعد سياسة "العصا والجزرة" في هذا السياق، حيث يمكن لإدارة ترامب أن تعرض حوافز اقتصادية مقابل تخفيف هذه القوانين، مع توجيه وزارتي الخارجية والخزانة في الوقت نفسه إلى فرض عقوبات على المسؤولين القضائيين ومسؤولي إنفاذ القانون اللبنانيين المشاركين في تطبيقها.