- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4226
إعادة تقييم تقليص المساعدات الخارجية وانعكاساته على المصالح الأمريكية
على الرغم من الأهداف التحويلية التي يطرحها الرئيس ترامب في الشرق الأوسط والحاجة المستمرة إلى المساعدة الأمريكية في تجاوز أزمات إقليمية متعددة، فإن طلب الموازنة الجديد يُمعِن في مجموعة من التقليصات التمويلية الإشكالية.
في الأسبوع الماضي، أدلى وزير الخارجية ماركوروبيوبشهادته أمام الكونغرس بشأن موازنة وزارة الخارجية المقترحة من إدارة ترامب للسنة المالية 2027، وهي الموازنة التي تُمعِن في التقليصات السابقة للمساعدات الخارجية وتُظهر بوضوح أكبر التحوّل المنشود نحو"التجارة بدلاً من المساعدات". وتتعرّض البرامج الإنسانية وبرامج الحوكمة وتحقيق الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط وخارجه لضربة قاسية على نحوخاص. وعلى الرغم من ثبات مسارات التمويل الرئيسية الموجَّهة إلى إسرائيل ومصر والأردن، فإن تقليصات مقترحة أخرى من شأنها أن تقلّص المساعدات الموجَّهة إلى أجزاء أساسية من المنطقة في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة وشركاؤها يتعاملون مع الحرب مع إيران، ومهمة إعادة إعمار غزة الشاقة، واستمرار عدم الاستقرار في ليبيا وسوريا واليمن، من بين تحديات أخرى. وكما أشار نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو مؤخراً، تعتقد الإدارة أن إعطاء الأولوية لجوار أمريكا في نصف الكرة الغربي يمثّل "وضعاً أكثر طبيعية"، بما يردّد الفكرة الرئيسية في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
لكن الأرقام التمويلية ليست سوى جزء من القصة. فمن خلال نقل المساعدات من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي باتت ملغاة الآن إلى وزارة الخارجية، قلّصت الإدارة عدد الموظفين والخبرات اللازمة لتنفيذ مبادرات المساعدات الخارجية. وتثير هذه المقترحات تساؤلات جدية حول الكيفية التي يعتزم بها الرئيس ترامب تحقيق الأهداف الطموحة التي وضعها للشرق الأوسط، ولا سيما في المدى القريب فيما تجتاز المنطقة أزمات متعددة.
الإمعان في التقليص مع إعادة التركيز على الأعمال التجارية
في العام الماضي، ألغت الإدارة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، واقتطعت أكثر من 8 مليارات دولار من الأموال المخصَّصة سابقاً عبر مشروع قانون لسحب الاعتمادات، واشترطت أن تجعل أي مساعدات خارجية الولايات المتحدة "أكثر أماناً وأقوى وأكثر أمناً". وعلى الرغم من أن الكونغرس أعاد كثيراً من هذه التقليصات في السنة المالية 2026 (إذ خصّص 33.8 مليار دولار رغم طلب الإدارة البالغ 19.2 مليار دولار)، فإن طلب عام 2027 يقترح مجدداً تقليص المساعدات الخارجية بأكثر من 11 مليار دولار لتصل إلى 22.8 مليار دولار.
وإضافة إلى ذلك، يشير شعار الإدارة الجديد "التجارة بدلاً من المساعدات" إلى تركيز على دعم وصول الشركات التجارية الأمريكية إلى الأسواق الخارجية وتعزيز الاستثمار داخل الولايات المتحدة، بدلاً من إنفاق الأموال في الخارج على أهداف التنمية التقليدية والمنظمات غير الحكومية. وتحقيقاً لهذه الغاية، رفع المسؤولون من مكانة مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) وبنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM) لتوفير تأمين ضد المخاطر وقروض وأدوات استثمارية للشركات الأمريكية العاملة في مناطق وقطاعات استراتيجية.
وعلى وجه التحديد، عملت الإدارة مع الكونغرس على تعزيز تمويل مؤسسة تمويل التنمية الدولية. فقد رفعت إعادة الترخيص لها عام 2025 سقف التزاماتها الطارئة من 60 إلى 212 مليار دولار، وتقترح الإدارة الآن أداة لرأس المال السهمي بقيمة 3 مليارات دولار تتيح لها الاستحواذ على حصص ملكية تصل إلى 40 في المئة في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية. غير أنه ليس من الواضح إلى أي مدى ستُكرَّس هذه الأنشطة للشرق الأوسط، إذ إن التركيز المعلَن لاستثمارات المؤسسة المستقبلية سيكون على المعادن الحيوية والبنية التحتية الحديثة وسلاسل التوريد والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي غضون ذلك، وافق بنك التصدير والاستيراد الشهر الماضي على ترخيص تأمين ائتماني بقيمة ملياري دولار لتصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى مصر. وكان القرار خطوة مهمة نحوالتخفيف من أزمة الطاقة في البلاد، وإظهار قدرة البنك على العمل بفعالية في الشرق الأوسط إذا أعاد الكونغرس الترخيص له قبل نهاية العام.
حصيلة متباينة على صعيد الأمن
يُبقي الطلب على المساعدات العسكرية التقليدية لإسرائيل (3.3 مليار دولار) ومصر (1.3 مليار دولار) والأردن (400 مليون دولار). وإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من مليار دولار من المساعدات الاقتصادية للأردن، ومعظمها دعم للموازنة، ستمرّ عبر "صندوق أمريكا أولاً للفرص"، وهوحساب قيّده الكونغرس العام الماضي.
غير أن برامج أمنية أخرى تتعرّض لتقليصات كبيرة. فمقترح السنة المالية 2027 لبرامج الشرق الأوسط التي يديرها مكتب شؤون مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون الدولي التابع لوزارة الخارجية لا يتجاوز نصف مقترح عام 2025، مع تركيز الإدارة على اعتراض المخدرات في نصف الكرة الغربي بدلاً من ذلك. وعلاوة على ذلك، فإن الطلب المتبقي البالغ 36 مليون دولار موزَّع بشكل ضئيل بين الأردن والمغرب وتونس والضفة الغربية وربما سوريا. كما تقترح الإدارة 240 مليون دولار لتمويل وزارة الخارجية لمكافحة الإرهاب عالمياً – وهوانخفاض حاد عن طلب إدارة بايدن لعام 2025 البالغ 330 مليون دولار، وخطوة مفاجئة بالنظر إلى تداعياتها على منطقة جرت العادة على إعطاء الأولوية فيها لتمويل مكافحة الإرهاب. وإضافة إلى ذلك، اقترح المسؤولون إنهاء كل دعم لعمليات حفظ السلام الدولية عالمياً باستثناء القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء.
وثمة خطوة محيّرة أخرى تتمثّل في قرار تقليص المساعدات المقدَّمة للقوات المسلحة اللبنانية إلى 36 مليون دولار فحسب – على الرغم من جهود الإدارة للتوسّط في اتفاق بين إسرائيل ولبنان من شأنه أن يُلقي مسؤولية أكبر على الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله. فمنذ عام 2021، يتلقّى هذا الجيش ما بين 100 و200 مليون دولار سنوياً.
تقليصات وثغرات إضافية
في العام الماضي، وافق الكونغرس على تقليصات الإدارة للمساعدات الاقتصادية التقليدية (مثل تمويل البنية التحتية الذي وصفته الإدارة بأنه "عمل خيري"). وكان أحد الاستثناءات هو"مؤسسة تحدّي الألفية"، التي تدعم البلدان التي تتعهّد بإجراء إصلاحات وتخصيص مواردها الخاصة لبرنامج محدّد. ومع ذلك، ففيما حافظ مسؤولوترامب في السابق على هذه المؤسسة، فإنهم يقترحون الآن تقليص تمويلها وزيادة تركيزها على نصف الكرة الغربي في آنٍ معاً. وليس استبعاد الشرق الأوسط من هذا البرنامج بالأمر الهيّن – فالمغرب على سبيل المثال أبرم اتفاقيتين اقتصاديتين مع المؤسسة بقيمة تتجاوز مليار دولار؛ كما استفاد منها الأردن وتونس على نطاق أصغر.
وتمثّل المساعدات الإنمائية في الشرق الأوسط ثغرة رئيسية أخرى. فقد سُحبت بالكامل في السنة المالية 2026، وعلى الرغم من أن الكونغرس أحيا "صندوق الديمقراطية" التابع لوزارة الخارجية وأعاد الدعم إلى "الصندوق الوطني للديمقراطية"، فإن الإدارة قد ألغت كليهما مجدداً في طلبها الحالي.
وعلى نحو مماثل، فإن موازنة برامج التبادل التعليمي والثقافي الدولي، التي استفاد منها كثير من بلدان الشرق الأوسط، ستُقلَّص بمقدار الثلثين لتصل إلى 215 مليون دولار عالمياً. ويشمل ذلك منح فولبرايت وبرنامج تبادل قيادة الزوّار الدوليين، اللذين يوفّران للولايات المتحدة روابط طويلة الأمد مع قادة المنطقة المستقبليين. وتتصل ثغرات تمويلية أخرى يُحتمل أن تكون مهمة بسوريا (حيث طلبت الإدارة 200 مليون دولار لترميم منشأة دبلوماسية لكن من دون أي تمويل لأعمال تحقيق الاستقرار مع الحكومة الجديدة) واليمن (الذي لا يُذكر في الطلب على الإطلاق رغم حملة القصف الأمريكية الكبرى العام الماضي واستمرار التهديد الحوثي).
كيف ستُموَّل طموحات ترامب في الشرق الأوسط؟
كما أُشير أعلاه، تتوافق التقليصات المقترحة من الإدارة مع توجّهها العام نحوإعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي. لكن في الوقت نفسه، دعا الرئيس ترامب مراراً إلى إحداث تحوّل في الشرق الأوسط، راسماً صورة لمنطقة أكثر ازدهاراً ونجاحاً "تصدّر التكنولوجيا لا الإرهاب". ولتحقيق هذه الطموحات في أماكن مثل سوريا وغزة، شدّد على زيادة الاستثمار والتجارة وتقاسم الأعباء من جانب الدول الأخرى بوصفها الأساس الرئيسي للتقدّم. غير أنه بالنظر إلى الاضطراب الراهن في المنطقة، فمن المرجَّح أن يُحجم معظم القطاع الخاص عن ضخّ الاستثمارات الواسعة النطاق المطلوبة هناك. وعلى نحومماثل، لم يعد من الممكن التعويل على دول الخليج لسدّ هذه الفجوة بالنظر إلى التبعات المالية المباشرة التي تكبّدتها جرّاء الحرب مع إيران.
وفي ظل هذه البيئة، يمكن للمساعدات الخارجية الأمريكية أن تؤدّي دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في البلدان التي تضرّرت بشدة من الاضطراب والتخفيف من الأوضاع الإنسانية المروّعة – وهما شرطان أساسيان قبل أن يتسنّى لأي تحسينات أوسع نطاقاً أن تترسّخ. ففي سوريا على سبيل المثال، طالما قدّمت الولايات المتحدة وشركاؤها تمويلاً كبيراً للمجتمعات المحرَّرة حديثاً من تنظيم "الدولة الإسلامية". وعلى الرغم من أن التنظيم لم يعد يسيطر على أراضٍ هناك، فإن كثيراً من هذه المجتمعات لا يزال في أوضاع بالغة الصعوبة – وهووضع يفاقم المخاطر الإنسانية وتهديد عودة العناصر الإرهابية العالمية إلى الظهور، وهي عناصر لا تزال نشطة ومن المرجّح أنها تعزّزت جرّاء حالات الفرار من مواقع الاحتجاز في الشمال الشرقي هذا العام. غير أن التمويل قد نضب إلى حد كبير.
كما يُطيح طلب الموازنة الجديد بخبرة أمريكا العميقة والفريدة في تدريب الجيوش وقوات الأمن الأجنبية وتجهيزها. فإضافة إلى تقليص تمويل وزارة الخارجية لمكافحة الإرهاب، تقلّص الإدارة الموارد العسكرية الأمريكية المخصَّصة لمساعدة الشركاء على مواجهة تهديد تنظيم "الدولة الإسلامية"، والتي انخفضت من نحو530 مليون دولار في طلب إدارة بايدن للسنة المالية 2025 إلى نحو300 مليون دولار اليوم (وإن كانت هذه الأموال تأتي من البنتاغون لا من وزارة الخارجية).
وأخيراً، نشأت مخاوف فنية من قرار وضع جميع المساعدات الخارجية تحت مظلة وزارة الخارجية، التي تفتقر إلى الخبرة المؤسسية اللازمة لكثير من هذه المهام. فمن خلال تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتسريح معظم موظفيها، تخلّصت الإدارة من مسؤولين يتمتعون بالخبرة الفنية والميدانية العميقة اللازمة لتطوير البرامج وتنفيذها والإشراف عليها في سفارات الشرق الأوسط وفي واشنطن. وعلاوة على ذلك، فإن فقدان الموظفين الميدانيين سيُكلّف الولايات المتحدة القدرة على الوصول إلى شريحة من السكان تختلف عن تلك التي يستطيع الموظفون السياسيون أوالاقتصاديون الوصول إليها عادةً.
الخلاصة
إن الإحباط المعلَن إزاء بعض النتائج الاستراتيجية للمساعدات الخارجية الأمريكية السابقة للشرق الأوسط أمر مفهوم. فقد أُنفقت أموال طائلة على مشاريع لم تعُد بفائدة مباشرة تُذكر على الشراكات الاستراتيجية في المنطقة، وكثيراً ما جرى ذلك من دون مراعاة لنظرة السكان إلى الولايات المتحدة. ومن ثمّ، فإن قدراً من التشكيك أمر مبرَّر.
غير أنه في هذه الحقبة التي يسودها قدر هائل من التحوّل وعدم اليقين في الشرق الأوسط، تبقى المساعدات الخارجية أداة مهمة للنفوذ الأمريكي، وينبغي أن تُوزَن أي تقليصات إضافية بعناية في مقابل المصلحة الاستراتيجية الأمريكية الأطول أمداً في استقرار المنطقة وأمنها. ولزيادة تأثير واشنطن خلال هذه المرحلة الانتقالية، ينبغي للمسؤولين اتخاذ الخطوات التالية:
• ينبغي للكونغرس أن يعيد تمويل تحقيق الاستقرار والتمويل الإنساني وتمويل مكافحة الإرهاب المخصَّص للشرق الأوسط.
• ينبغي لإدارة ترامب أن تنفّذ استراتيجيتها لدعم القطاع الخاص الأمريكي عبر التمكين الكامل لمؤسسة تمويل التنمية الدولية وبنك التصدير والاستيراد، بما في ذلك في الشرق الأوسط.
• ينبغي للكونغرس أن يعيد الترخيص لبنك التصدير والاستيراد قبل انتهاء صلاحياته في نهاية هذا العام.
• على الرغم من أن معظم بلدان الشرق الأوسط قد لا تستوفي معايير الاتفاقيات الكاملة لـ"مؤسسة تحدّي الألفية"، فإنه ينبغي للإدارة أن تستكشف ما إذا كان من الممكن إبرام أي ترتيبات عتبة.
• ينبغي للإدارة والكونغرس أن يعزّزا تمويل المنح والتبادل الدولي بشكل كبير، لا أن يقلّصاه. وسيكون هذا وسيلة منخفضة التكلفة نسبياً لكنها مهمة لزيادة الثقة بأن سياسة "أمريكا أولاً" التي ينتهجها الرئيس ترامب لا تستبعد التواصل الشعبي في الشرق الأوسط.