- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4163
الخيارات العسكرية الأمريكية في إيران: وسائل تبحث عن غاية
قد تؤدي الضربات العسكرية وفرض عقوبات صارمة وتقديم الدعم للمعارضة إلى تعميق أزمات متداخلة قد تفضي، في نهاية المطاف، إلى سقوط النظام.
في الثاني من كانون الثاني/يناير، رد الرئيس ترامب على الاحتجاجات التي عمت إيران بتحذير مفاده أن الولايات المتحدة ستقوم بإنقاذ "المتظاهرين إذا قمعهم النظام بعنف". ومنذ ذلك الحين، قُتل الآلاف، وأُصيب آلاف آخرون، واعتُقل عدد أكبر بكثير، مما دفع الولايات المتحدة إلى إرسال مجموعة حاملة طائرات، وعدد من المقاتلات، وأنظمة دفاع صاروخي إلى المنطقة. ويواجه الرئيس ترامب الآن معضلة حقيقية، فبعد أن هدد باتخاذ إجراءات، فإن الامتناع عن التحرك، أو التحرك بشكل غير فعّال، من شأنه الإضرار بمصداقية الولايات المتحدة، بما يشجع إيران ويقوض الردع الأمريكي خارج المنطقة.
الغايات والوسائل الأمريكية
منذ تحذيره الأولي، صرح الرئيس ترامب: "حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران"، بالتوازي مع حث النظام على التفاوض بشأن اتفاق نووي جديد. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأنه طلب من جنرالاته إعداد خيارات عسكرية "حاسمة".
تقول الحكمة التقليدية إن الرئيس يفضل الضربات السريعة والموجهة، على غرار تلك التي أمر بها العام الماضي ضد خلايا "تنظيم الدولة الإسلامية" في عدة بلدان وضد بعض مكونات برنامج إيران النووي. لكنه أمر أيضا بشن حملة جوية استمرت 52 يوما ضد الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى حملة ضغط طويلة الأمد استمرت شهورا ضد فنزويلا وأسفرت في النهاية عن إضعاف الرئيس نيكولاس مادورو. وبالتالي، قد تختار الإدارة الأمريكية اتباع حملة ضغط خارجية لتسهيل انتقال منظم في إيران، أو تنفيذ ضربات لقطع رأس النظام أو إسقاطه وتقويض قواته العسكرية والأمنية.
بالنسبة للرئيس ترامب، فإن القضاء على المرشد الأعلى علي خامنئي بعد تجربة الإطاحة بمادورو من شأنه أن يعزز صورته كرجل قوي. يُعد خامنئي محور النظام؛ وإزاحته، سواء عبر اتفاق دبلوماسي أو هجوم عسكري، قد تفتح الطريق أمام مسار تفاوضي مع من يخلفه. من ناحية أخرى، قد يؤدي مثل هذا الإجراء إلى إغراق النظام في أزمة خلافة طويلة الأمد أو صراع داخلي فوضوي على السلطة بين الفصائل المتنافسة داخل "الحرس الثوري "، مما يوفر فرصة للعناصر الانفصالية في المناطق الطرفية من البلاد لتوسيع نفوذها. هناك خيار آخر محتمل وهو شن ضربات لتصفية قادة "الحرس الثوري" الذين حلوا محل القتلى في الصيف الماضي، مما قد ينقل رسالة ردع واضحة إلى خلفائهم بشأن التكاليف المحتملة لاستمرار دعم النظام.
وفي الوقت نفسه، قد تنظر واشنطن في تشديد إنفاذ العقوبات عبر تحويل مسار ناقلات النفط أو استهداف عدد قليل من محطات تصدير النفط الإيرانية على طول الساحل الجنوبي للبلاد، مما قد يقلص بشكل كبير عائدات النفط ويحفز بعض كبار ضباط "الحرس الثوري" الذين استفادوا من خرق العقوبات على إعادة النظر في دعمهم للنظام. ومع ذلك، فإن هذا قد يتجاوز الخط الأحمر بالنسبة لقادة البلاد، الذين أعلنوا مراراً وتكراراً أنه إذا لم تتمكن إيران من تصدير النفط، فلن يسمح لأي دولة أخرى بتصدير النفط من الخليج أيضاً. في هذا السيناريو، من شبه المؤكد أن طهران ستأمر بشن هجمات على البنية التحتية الحيوية في الخليج، كما فعلت في عام 2019 عندما استهدفت أكبر منشأة لتكرير النفط في العالم في بقيق بالمملكة العربية السعودية، بعد أن حاولت واشنطن تقليص صادراتها النفطية بدرجة أكبر عبر فرض عقوبات.
يمكن للولايات المتحدة أيضاً أن تضرب المقرات الوطنية والإقليمية لقوات الأمن التابعة للنظام (مثل قيادة إنفاذ القانون، والباسيج، وفيلق الحرس الثوري الإيراني الإقليمي)، وأن تستخدم وسائل إلكترونية أو حركية لاستهداف العناصر الحيوية في منظومة الدولة الإيرانية المراقبة وجهاز القمع، مثل مراكز مراقبة الدوائر التلفزيونية المغلقة وقواعد البيانات الديموغرافية والبيومترية للنظام. ومع ذلك، فإن قوات الأمن تضم مئات الآلاف من الأعضاء المنتشرين في جميع أنحاء البلاد، والعديد منهم يعملون في أحيائهم المحلية، لذا فإن الضربات على المقرات لن تحدث سوى تأثير محدود على العمليات الميدانية.
بالإضافة إلى ذلك، قد تستهدف الضربات العسكرية:
- أنظمة الدفاعات الجوية، لضمان بقاء النظام وقواته الأمنية عرضة للهجمات الجوية، مما قد يدفع طهران إلى توخي مزيد من الحذر مستقبلا؛
- ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة، مما قد يحد من قدرة النظام على الرد عسكرياً (على الرغم من أن هذه الترسانة كبيرة جدا بحيث من المرجح أن تبقى قدرات كبيرة متبقية)؛
- القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني، مما يقلل من قدرة طهران على تعطيل شحنات النفط في الخليج وخارجه (على الرغم من أن حتى قوة متبقية محدودة يمكن أن تكون مدمرة للغاية)؛
- منشآت البحث والتطوير النووي مثل "تالقان 2"، التي أعادت إيران بناءها بعد تدميرها من قبل إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
تصدعات في النظام؟
ستكون الانشقاقات العسكرية عاملاً حاسماً لأي نوع من أنواع الانتقال أو التغيير في النظام في إيران. ومع ذلك، من الصعب تصور أن تعمل عناصر من قيادة "الحرس الثوري الإيراني" ضد خامنئي، لأن ذلك قد يؤدي إلى نفور حوالي 20 في المئة من السكان الذين يشكلون المؤيدين المخلصين للجمهورية الإسلامية، بالإضافة إلى حوالي 80 في المئة من الإيرانيين الذين يعتقد أنهم يعارضون النظام والذين من شبه المؤكد أنهم لا يريدون أن يحكمهم مجلس عسكري، ناهيك عن مجلس عسكري ملطخة يداه بالدماء.
علاوة على ذلك، قد يكون التعامل مع مجلس عسكري بقيادة "الحرس الثوري " أكثر تعقيدأ بالنسبة لواشنطن من التعامل مع نظام خامنئي، ومن المؤكد أنه سيستمر في الحكم بالقمع. وفى هذا الصدد، غالباً ما أظهرت قيادة "الحرس الثوري " أنها أشد صرامة أيديولوجياً من المرشد الأعلى؛ على سبيل المثال، عارض قائد "الحرس الثوري " آنذاك محمد علي جعفري الاتفاق النووي لعام 2015. وبالمثل، كان ضباط "الحرس الثوري" مستعدين للتضحية بأعداد كبيرة خلال الحرب الأهلية في سوريا، حيث قُتل ما لا يقل عن سبعة عشر جنرالاً في القتال هناك، مما يدل على تجذر ثقافة الجهاد والاستشهاد والمقاومة التي يتبناها النظام، على الرغم من إحباط خامنئي عندما بلغت خسائر "الحرس الثوري" في سوريا ذروتها في أواخر عام 2015. وقد تلجأ قيادة "الحرس الثوري" غير المقيدة إلى تصعيد خطاب "المقاومة" من خلال محاولة الحصول على سلاح نووي، مهما كان الثمن.
على العكس من ذلك، ربما أدى الفساد المستشري في "الحرس الثوري" إلى جعل بعض الضباط عرضة للاختراق من قبل أجهزة الاستخبارات الأجنبية، كما يشير إلى ذلك اغتيال الموساد الإسرائيلي زعيم حماس إسماعيل هنية في دار ضيافة تابعة للحرس الثوري الإيراني في طهران في تموز/يوليو 2024، إضافة إلى إنجازات استخباراتية أخرى تطلبت اختراقا عميقا للحرس الثوري الإيراني. ومع ذلك، وعلى الرغم من احتمال حدوث مفاجآت سياسية أو أمنية، من الصعب تصور أن أعضاء "الحرس الثوري"، الذين تلطخت أيديهم بالكثير من الدماء، سينشقون وينضمون إلى المعارضة بأعداد كبيرة. وبدون مثل هذه الانشقاقات، ستظل المعارضة محدودة التأثير.
خيارات الرد الإيراني
ردت طهران في الغالب بالمثل وبشكل محسوب إلى حد ما على التهديدات والتحديات، سعياً إلى فرض تكاليف دون الانزلاق إلى التصعيد. فعلى سبيل المثال، عندما سعت إدارة ترامب إلى تصفير صادرات النفط الإيرانية في أيار/مايو 2019، رد النظام بالهجمات المشار إليها سابقاً على البنية التحتية النفطية والشحن في الخليج. لكن إذا اعتقدت طهران أنها تواجه تهديداً وجودياً وشيكاً، فمن المرجح أن ترد بشكل أكثر حدة، أو حتى تتخذ إجراءات استباقية. وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية عباس عراقجي الأسبوع الماضي من أن إيران "سترد بكل ما لديها من قوة إذا تعرضت لهجوم جديد"، وأن مثل هذه الحرب "ستستمر لفترة أطول بكثير" مما يتوقع أعداؤها.
ومع ذلك، إذا لم تكن قبضتها على السلطة مهددة على نحو فوري، فهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن النظام سيلتزم إلى حد كبير بصيغة معززة من استراتيجيته التقليدية القائمة على "المقاومة" في حالة تعرضه لهجوم. وهذا يعني تجنب التصعيد والانخراط في صراع مطول مع عدو يتمتع بتفوق عسكري كبير وهيمنة تصعيدية واضحة - مع احتمال الامتناع عن الإعلان المسبق عن الضربات الانتقامية والرد بدرجة أعلى من الشدة مقارنة بالمراحل السابقة.
وهناك أسباب أخرى تدفع إيران إلى تجنب الرد الانتقامي المكثف في المرحلة الراهنة، وتتعلق بحالة ترسانتها العسكرية. ففي حالة الحرب، ستحتاج إيران إلى مئات من الطائرات المسيرة والصواريخ لاختراق الدفاعات الأمريكية والدفاعات الإسرائيلية إذا شاركت الأخيرة. لكن من المرجح أن تكون منشآت إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ ضمن الأهداف الأولى للهجوم، وقد يستغرق إعادة بنائها فترة زمنية طويلة نسبياً. علاوة على ذلك، قد تفتقر إيران إلى عدد كاف من قاذفات الصواريخ اللازمة لمثل هذه الضربات الكبيرة، بسبب الخسائر التي تكبدتها خلال حرب الصيف الماضي. لذا، سيكون من الضروري الحفاظ على هذه القدرات لاستخدامها في جولات محتملة من الصراع في المستقبل.
علاوة على ذلك، من المرجح أن يعوق اعتماد طهران على مضيق هرمز كممر اقتصادي حيوي أي محاولات لإغلاقه إلا في حالات الطوارئ القصوى. وبدلاً من ذلك، من المتوقع أن تواصل إيران سياستها الحالية المتمثلة في"التحكم الذكي "، حيث تستجيب لتشديد العقوبات عن طريق تحويل مسار ناقلات النفط بانتقائية، وإذا لزم الأمر، شن ضربات محدودة وموجّهة على المنشآت النفطية البرية، كل ذلك بهدف فرض تكاليف مع تجنب الأضرار الجسيمة على صناعتها النفطية. ومع ذلك، فإن أي اضطرابات محدودة في صادرات النفط الخليجية من شأنها أن تزيد التوترات بين واشنطن وشركائها الخليجيين الرئيسيين، الذين من المرجح أن يلوموا الولايات المتحدة على أي عدم استقرار إقليمي ينجم عن أي ضربة على إيران.
أما بالنسبة للوكلاء الإقليميين لإيران، فمن غير الواضح الدور الذي قد يلعبونه في الرد على الضربات الأمريكية، أو ما إذا كانوا سيبقون خارج القتال كما فعلوا في صيف العام الماضي. على أي حال، فإن الحوثيين هم الوكلاء الوحيدون القادرون على تحقيق أثر استراتيجي ملموس، أي تقييد حرية الملاحة عبر البحر الأحمر.
التداعيات على السياسة الأمريكية
لقد وضع الرئيس ترامب توقعات قد يكون تحقيقها صعباً، وقد تخفي النجاحات الأمريكية الأخيرة التحديات المقبلة. ومن المرجح ان تساهم الضربات الميدانية في تغيير الديناميات السياسية في إيران، وربما تقنع أفراد الأمن بإعادة النظر في دعمهم للنظام، بينما تمنح الاحتجاجات زخماً متجدداً. لكن غياب التنظيم قد يمنع المعارضة من الاستفادة من هذه الفرصة. إن مساعدة الإيرانيين على إقامة مثل هذا الإطار هو أهم شيء يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة وشركاؤها لبناء مستقبل أفضل لإيران.
على أقل تقدير، يجب أن يكون الهدف من الضربات العسكرية هو جعل الجمهورية الإسلامية أكثر هشاشة وأقل قدرة وأقل استقراراً، وبالتالي تقييد خياراتها المستقبلية وربما دفعها إلى التصرف بحذر أكبر في تعاملاتها مع الشعب الإيراني، والولايات المتحدة، وشركاء، واشنطن. ومع ذلك، فإن الضربات العسكرية المقترنة بعقوبات أشد صرامة يمكن أن تُطلق عمليات طويلة الأمد وتواجه النظام بأزمات متعددة، مما يجبره على القتال على عدة جبهات مع تآكل مصادر الدخل وتفاقم المشاكل الاقتصادية والبيئية المستعصية. ومن خلال تعميق التناقضات التي تغذى الاضطرابات الحالية في الجمهورية الإسلامية بما في ذلك فقدان شرعية النظام، وتراجع قدرة الحكومة، ووجود معارضة أوسع نطاقاً وأشد حزماً، قد يهيئ هذا النوع من النهج الأمريكي المزدوج الظروف لانهيار النظام في نهاية المطاف.