- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4177
الدور الحربي لـ"محور" إيران: التصدي لتهديدات الوكلاء والإرهاب
يُقيّم عددٌ من باحثي معهد واشنطن استجابةَ "حزب الله" والحوثيين وفصائل الحشد العراقية وسائر وكلاء إيران وحلفائها للحرب الدائرة، فضلاً عن السبل المتاحة أمام إدارة ترامب والحكومات الشريكة للتصدي لمخاطر الهجمات الإرهابية، في ضوء سجل طهران الحافل بتنفيذ مخططات خارجية.
إسرائيل في مواجهة المحور الإيراني — هذه المرة حملة مشتركة
بقلم "أساف أوريون"
ينبغي للمسؤولين المتحالفين، وهم يستحضرون احتمال انضمام جماعات أجنبية إضافية إلى الحرب في صف إيران، أن يضعوا في حسبانهم مدى ما تُلقيه الجبهات المتعددة من أعباء على الطاقة العسكرية. فالحرب المطولة تختبر قدرة الأطراف على الصمود، وتستنزف مخزون الذخيرة وقطع الغيار، وتُرهق البنى اللوجستية والاقتصادية برمّتها. والنقص في القوات مشكلة قابلة للمعالجة عبر تناوب الجبهات زمنياً؛ ففي أعقاب السابع من أكتوبر مثلاً، شنّت إسرائيل هجومها على قطاع غزة وتولّت الدفاع في آنٍ واحد على الجبهة اللبنانية، ثم حوّلت ثقلها نحو عمليات هجومية واسعة ضد "حزب الله" في أيلول/سبتمبر 2024، وضد إيران في حزيران/يونيو 2025.
يواجه التحدي الإسرائيلي الرئيسي في الحرب الراهنة مع إيران بُعدين متشابكين: مواصلة ضرب الأهداف على الأراضي الإيرانية، وصون الجبهة الداخلية في الوقت ذاته من وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة. وسيزيد انخراط "حزب الله" في الصراع — ولعل الحوثيين سيلحقون به لاحقاً — الضغطَ على منظومات الدفاع الإسرائيلية ومخزون الصواريخ الاعتراضية. ولذا يظل ضرب مصادر التهديد في عقر دارها، من خلال تتبع منصات الإطلاق وتدمير المستودعات والمخازن ومنشآت الإنتاج في العمق، المقاربةَ الأجدى كلفةً للقضاء على التهديدات وصون الموارد الدفاعية المحدودة والمكلفة.
على الجبهة اللبنانية، ستتمكن إسرائيل من توظيف كامل قدراتها البرية والبحرية في مواجهة "حزب الله"، إذ لا تستلزم العمليات الجارية في إيران نشر هذه الأصول حالياً. غير أنها ستضطر إلى توزيع قدراتها الجوية بين الجبهتين وفق ما يفرضه تطور كلٍّ منهما. وتقتصر ضربات سلاح الجو الإسرائيلي حتى الآن على مئات الأهداف يومياً في إيران في مقابل عشرات فحسب في لبنان، وهو ما يعكس سلم الأولويات الراهن وإلحاحية المشهد الميداني. في الوقت ذاته، يواصل الجيش الدفاع عن حدود إسرائيل في غزة والضفة الغربية وسواها. وإن عادت الصواريخ الحوثية إلى الانهمار، فبإمكان إسرائيل تشكيل ردّها وتوقيته وفق ما تمليه المسارح الأخرى. وعلى امتداد هذا كله، لن تتردد إسرائيل في الاتكاء على العنصر الأكثر تفرداً في هذه الحرب، ألا وهو العمليات المشتركة غير المسبوقة مع الولايات المتحدة، التي ترفع سقف الاستجابة على مستويات الاستخبارات وحجم القوات وقوة الضربات والاحتياطيات والقدرة على التحمل.
كيف يمكن إعاقة استراتيجية "حزب الله" الحربية
بقلم "حنين غدار"
قبل أن يلتحق "حزب الله" بالحرب، كان الاعتقاد السائد في لبنان أن الحزب سيتحاشى على الأرجح المخاطرة ببنيته الداخلية الهشة وقاعدة دعمه الشعبي، ما لم يتعرض لهجوم مباشر. إلا أن هذا التقدير أخطأ في استيعاب حقيقة جوهرية، مفادها أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني قد أسّس "حزب الله" قبل عقود تحديداً لهذه اللحظة؛ إذ لا وظيفة للحزب في نظر الحرس الثوري سوى الدفاع عن النظام الإيراني، لا عن لبنان ولا عن نفسه. وقد أفادت مصادر مقربة من دوائر "حزب الله" للكاتبة بأن قوة القدس، الذراع الخارجية الرئيسية للحرس الثوري، هي التي اتخذت قرار فتح الجبهة اللبنانية.
بافتتاح جبهة جديدة أمام إسرائيل، يسعى الحرس الثوري إلى تحويل جزء من الضغط العسكري عن إيران، وإيصال رسالة مفادها أن النظام سيُفعّل كل وكلائه الإقليميين إن تواصلت الضربات المتحالفة. بيد أن ثمن هذه الاستراتيجية عمليات إسرائيلية أشد وطأة في لبنان، تزيد من إضعاف "حزب الله" وتهدد بعزله سياسياً. وفي الثاني من آذار/مارس، أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً رسمياً يحظر على الحزب تنفيذ أي عمليات عسكرية داخل البلاد بما فيها الدفاعية. وفي المقابل، تُعبّر القاعدة الشيعية للحزب بصوت عالٍ عن استيائها المتنامي، لا سيما أن الحزب لم يُقدم أي نوع من المساعدة للآلاف الذين شردتهم العمليات الإسرائيلية على مدى السنتين ونصف السنة الماضيتين.
ستكون المرحلة المقبلة فارقة بالنسبة للبنان، ولذا يغدو من الحكمة أن تُركّز بيروت جهودها على أربعة محاور جوهرية:
أولاً، على الجيش اللبناني تطبيق القرار الحكومي الأخير بالانتشار في المناطق التي يستطيع منها منع "حزب الله" من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل. ثانياً، على السلطات اللبنانية إصدار مذكرات اعتقال بحق كل عنصر من عناصر الحزب يتجاهل قرار الحكومة. ثالثاً، على مجلس الوزراء إعادة النظر في قراره القاصر على حظر الأنشطة العسكرية وحدها، إذ يُبقي هذا النهج الحزبَ مشاركاً في القرار السياسي الحكومي، وهو الدور الذي مكّن "حزب الله" من إعادة بناء نفسه في أعقاب نزاعاته السابقة مع إسرائيل. وبما أن الانتخابات البرلمانية المقررة في أيار/مايو أُجّلت إلى أجل غير مسمى بسبب الحرب، فقد تكون الإجراءات الحكومية الإضافية المسارَ الوحيد لتقليص نفوذه السياسي في المرحلة الراهنة. رابعاً، على القادة اللبنانيين ترجمة مساعيهم الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة، وذلك بتوجيه رسالة إلى إدارة ترامب عبر السفير "ميشيل عيسى" تؤكد استعدادهم للتفاوض المباشر مع إسرائيل على اتفاق سلام يضع حداً للحرب الدائمة بين البلدين.
إن أثبتت بيروت جدّيتها في تطبيق الحظر العسكري على "حزب الله" وأبدت شجاعة كافية في كبح هجماته، فينبغي على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لإحياء آلية وقف إطلاق النار التي أُرسيت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وتوسيع نطاقها. هذه الآلية الفاعلة تحظى فعلاً بمشاركة مدنية إسرائيلية ولبنانية ملموسة، ومن شأنها تيسير التوصل إلى اتفاق سلام أكثر شمولاً. غير أن توسيع نطاقها يبقى ضرورة لا مفر منها، إذ إن آليةً منصبّة على تطبيق وقف إطلاق النار وحده لن تحول دون اندلاع حرب قادمة بين إسرائيل و"حزب الله"، بل ستؤجّلها فحسب.
ردع هجمات الميليشيات العراقية
بقلم "مايكل نايتس"
تكاد العلاقة بين النظام الإيراني وجماعات "المقاومة" العراقية المسلحة تكون بعمر الشراكة الإيرانية مع "حزب الله"، وإن كان معظم هذه الجماعات قد أثبت قدرة أدنى وموثوقية أضعف على الصعيد العسكري. مما يجعل الميليشيات الفاعلة منها — كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء وكتائب السيد الشهداء — تتضاعف حماستها في استرضاء رعاتها في طهران، فضلاً عن دوافعها الحقيقية للثأر لمقتل المرشد الأعلى "علي خامنئي".
منذ اندلاع الحرب الأسبوع الماضي، التزمت هذه الجماعات الثلاث نطاقات عملياتها المعهودة. فقد اضطلعت "كتائب حزب الله" بإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ نحو الأردن، الذي بات هدفاً خصباً إثر نقل معظم الطائرات الأمريكية في المنطقة إليه مؤخراً، وقد استقرت في قاعدة "مفرق" الجوية بوصفها بديلاً عن قواعد خليجية رُفض استخدامها في الحرب، وكانت ستقع في مدى خطير من إيران. أما "كتائب حزب الله" و"كتائب السيد الشهداء" — الأخيرة من خلال واجهتها المعروفة بـسرايا أولياء الدم — فتستهدفان دول الخليج وفي مقدمتها الكويت، انطلاقاً من منصات إطلاق في محافظتي المثنى والبصرة جنوبي العراق. وقد أغرقت الجماعات الثلاث إقليم كردستان العراق بعشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ. وربما تلجأ "سرايا أولياء الدم" إلى الصاروخ الباليستي الموجَّه قصير المدى الجديد الذي باتت تمتلكه، وهو سلاح يحمل خمسة أضعاف حمولة الطائرة المسيّرة الاعتيادية ويتمتع بدقة استهداف عالية على مسافات تتجاوز مئة كيلومتر. وقد ضبطت قوات الأمن في البصرة أمس منصة إطلاق مزدوجة لم تُستخدم بعد من هذا الطراز.
في المقابل، يبدو أن القوات المتحالفة ترد بضربات لا ترقى بعدُ إلى مستوى الردع الكافي لوقف تصاعد هجمات الميليشيات. لذا ينبغي على الولايات المتحدة استعادة المقاربة الناجحة التي طبّقتها في المرة الأخيرة التي شنّت فيها هذه الميليشيات هجمات مميتة ضد القوات الأمريكية في مطلع عام 2024، حين استهدفت قيادات ميليشياوية رفيعة في ضربتين موجّهتين داخل بغداد: الأولى أودت بـ"أبو تقوى الساعدي" من حركة النجباء (في الرابع من كانون الثاني/يناير 2024)، والثانية استهدفت "أبو بقر الساعدي" من "كتائب حزب الله" (في السابع من شباط/فبراير 2024). وقد أوقفت هاتان الضربتان سلسلة الهجمات الدموية ضد الأفراد الأمريكيين.
وفي الحرب الراهنة، يمكن للقوات المتحالفة أن تسعى إلى تحقيق أثر مماثل باستهداف الأفراد الآتية أسماؤهم: "أكرم الكعبي" زعيم حركة النجباء، و"أبو فدك" المعروف بـ"عبد العزيز المحمداوي" القائد العملياتي لـ"كتائب حزب الله"، و"أبو حسين" المعروف بـ"أحمد محسن فرج الحميداوي" القائد العملياتي لـ"كتائب حزب الله" أيضاً. يُضاف إلى ذلك ضرورة تكثيف استهداف منظومة الإطلاق في السماوة التي تديرها شركة المهندس العامة الخاضعة للعقوبات الأمريكية، وذلك لحماية دول الخليج من أضرار أشد وطأة.
ما الذي سيفعله الحوثيون؟
بقلم "أبريل لونغلي ألي"
تضع الحرب الحوثيين في اليمن أمام خيارات عسيرة. فقد اكتفى زعيمهم "عبد الملك الحوثي" بإطلاق تصريحات داعمة، من قبيل إدانة "الإجرام" الأمريكي-الإسرائيلي، والنعي على مقتل "خامنئي"، والتعهد بالتضامن مع طهران. بيد أنه أحجم عن التعهد بأي رد عسكري، مكتفياً بالإشارة إلى أن "الموقف الإيراني صامد والرد قوي". وفي الأول من آذار/مارس، نظّم الحوثيون مسيرة في صنعاء تحت شعار التضامن مع الشعب الإيراني.
داخل الحركة، يدور جدل محتدم بلا شك حول جدوى الانخراط العسكري. كثير من المنظّرين الحوثيين يريدون على الأرجح استئناف الهجمات ضد إسرائيل وحركة الملاحة في البحر الأحمر والأهداف الأمريكية وربما حلفاء واشنطن الخليجيين، في إطار ما يعدّونه معركة مصيرية على مستقبل المنطقة. فهم قد يشعرون بالتزام أخلاقي بمنع إسرائيل والولايات المتحدة من هزيمة إيران وإزاحة ما يصفونه بأنه ركيزة أساسية في مواجهة ما يسمّونه "المشروع الهيمني"، مهما بلغت التكاليف. ولا شك أن جزءاً من القاعدة الشعبية للحوثيين سيتوقع المشاركة العسكرية في ضوء سنوات من الخطاب الحماسي، ليس دعماً لإيران بالضرورة، بل تعبيراً عن العداء للولايات المتحدة وإسرائيل. والتزام الصمت قد يجعل الحركة تبدو ضعيفة في لحظة بالغة الحساسية. ويرى بعضهم أن الحركة موضوعة أصلاً على قوائم الاستهداف الأمريكية-الإسرائيلية بوصفها وكيلاً إيرانياً، فلتدخل الحرب إذن بشروطها لا بشروط الآخرين. أما المعارضون للحوثيين من اليمنيين، فيرون أن الحركة قد تنخرط عسكرياً للتغطية على تردي الأوضاع الاقتصادية، وإن كانت قبضتها الحديدية على الأوضاع الأمنية تعني أن هذا الاعتبار لن يكون وحده العامل الفاصل.
في المقابل، يحتج البراغماتيون داخل الحركة بأن الحوثيين سيخسرون الكثير إن انضموا إلى القتال. فالحركة تخوض حواراً مستمراً مع المملكة العربية السعودية، ولديها فرصة لتحقيق تفاهم قد يتيح لها دوراً بارزاً في اليمن ما بعد الحرب. والانحياز العسكري إلى جانب طهران في وقت تضرب فيه إيران أهدافاً سعودية كفيل بنسف هذه المكتسبات وفتح المجال أمام خصوم الحوثيين في الحكومة اليمنية. وعلى الرغم من أن هذه الحكومة أخفقت في انتهاز الفرصة حين كان الحوثيون تحت وطأة ضربات أمريكية وإسرائيلية مكثفة العام الماضي، فإن أحاديث الكاتبة مع مسؤولين يمنيين تكشف أنهم يعملون على تحسين التنسيق فيما بينهم حتى لا يُفاجأوا غير مستعدين في المرحلة المقبلة.
وقد يرى بعض عناصر الحركة في هذه الحرب فرصة لإظهار قدر من الاستقلالية عن طهران؛ إذ بالتزام الحياد يأمل هؤلاء في إثبات أن قراراتهم تصدر بإرادة مستقلة، مقدّمين لشعبهم صورة حركة تضع اليمن فوق مصالح راعيها الأجنبي.
لن يكون أيٌّ من هذه الخيارات يسيراً على الحركة. والكلمة الفصل ستبقى لـ"عبد الملك"، الذي أظهر ميلاً راسخاً نحو الانخراط في المعارك الإقليمية والإيديولوجية منذ اندلاع حرب غزة. وفي الوقت الراهن يتريّث ولا يُفصح، واليمنيون معه في انتظار ما ستؤول إليه الأمور.
تقييم التهديد الإرهابي في الداخل والخارج في زمن الحرب
بقلم "مايكل جيكوبسون" و"ماثيو ليفيت"
في اليوم الثالث من الحرب، جاهر الحرس الثوري الإيراني بما كان يُخفيه؛ فقوة القدس تنفّذ منذ أمد بعيد مخططات إرهابية في شتى أنحاء العالم، بما فيها الولايات المتحدة، وهي تعتزم الآن تصعيد هذا النشاط. وقد بثّ التلفزيون الإيراني بياناً لقوة القدس يحذّر من استهداف الأمريكيين قريباً داخل وطنهم وخارجه، معلناً أن "أيام الطمأنينة ولّت، وأن العدو لن يكون بمأمن في أي مكان على وجه الأرض، ولا حتى في عقر داره."
جاء هذا التهديد بعد ساعات من تصريح الرئيس ترامب بأن الحرب قد تمتد شهراً آخر، مما يوفر وقتاً وفيراً لتطوير مخططات خطيرة وتنفيذها، أو إكمال ما هو في طور الإعداد منها. وينبغي أخذ هذه التهديدات على محمل الجد، حتى في ظل تدمير منشآت رئيسية تابعة للحرس الثوري ووزارة الاستخبارات، والتصفية المنهجية لكثير من العمليين الاستخباراتيين الذين أشرفوا على العمليات الخارجية للنظام. والجدير بالذكر أنه حتى في الحرب القصيرة التي دامت اثني عشر يوماً العام الماضي، كشفت السلطات الأوروبية عن مخططين إيرانيَّين على الأقل: أحدهما يستهدف مصالح إسرائيلية وأمريكية في السويد، والآخر يستهدف مؤسسات ومواطنين يهوداً في ألمانيا. ويبدو أن النظام يعيد استخدام هذا النموذج الآن. ففي الثالث من آذار/مارس، أعلنت قطر اعتقال خليتين تابعتين للحرس الثوري؛ كان سبعة من المشتبه بهم يجمعون معلومات استخباراتية عن البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية، فيما كُلّف الثلاثة الآخرون بتنفيذ عمليات تخريبية.
سعت الولايات المتحدة إلى حشد المجتمع الدولي في مواجهة هذه التهديدات منذ عام 2011، حين أحبطت مخططاً للحرس الثوري لاغتيال السفير السعودي في واشنطن. وعلى الرغم من الشكوك العميقة التي أبدتها دول كثيرة في حينه، فقد تبددت تلك الشكوك إلى حد بعيد على مر السنين، ويعزى ذلك جزئياً إلى تواتر محاولات التخطيط التي أجرتها قوة القدس ووزارة الاستخبارات و"حزب الله" اللبناني.
وفي السنوات الخمس الأخيرة وحدها، أحبطت السلطات الأمريكية ما لا يقل عن سبعة عشر مخططاً مرتبطاً بإيران داخل الأراضي الأمريكية، تورط فيها عمليون من النظام أو وكلاء من الميليشيات الإرهابية والعناصر الجنائية أو كلاهما معاً. وقبل ذلك، كانت قضية "علي كوراني" — العنصر في "حزب الله" المدان في نيويورك عام 2019 — تحذيراً مقلقاً مما قد ينتظرنا؛ إذ وصف كوراني نفسه بأنه عميل نائم أُوكل إليه تنفيذ مهام استطلاعية تمهيدية في الولايات المتحدة وكندا، مفيداً بأن خليته ستتلقى أوامر بشن هجمات حال دخول الولايات المتحدة في حرب مع إيران.
وفيما يتعلق بالهجوم الذي وقع هذا الأسبوع في مدينة "أوستن" بولاية تكساس وأودى بحياة ثلاثة أشخاص وخلّف إصابات كثيرة، تتحقق السلطات من احتمال كون الحرب الدافع الكامن وراءه، وإن كان الأرجح أن يكون هجوماً "متأثراً" بالأحداث لا مخططاً إيرانياً موجَّهاً.
في كلتا الحالتين، تعمل السلطات الأمريكية في حالة تأهب قصوى إزاء المخططات الإيرانية، وينبغي أن يستمر هذا التأهب إلى أجل غير محدد، نظراً لاحتمال أن تحتاج بعض المخططات إلى وقت طويل في الإعداد والتحضير. وكلما تنامت مخاوف طهران من انهيار نظامها، تصاعد احتمال لجوئها إلى العمليات الخارجية بهدف رفع تكلفة الحرب والضغط من أجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.
يتعيّن على السلطات الأجنبية بدورها الحفاظ على يقظتها. فعلى مر السنين، أسهم الانخراط الدبلوماسي الدؤوب لوزارة الخارجية الأمريكية في تزويد تلك السلطات بالأدوات اللازمة للكشف عن الإرهاب المدعوم إيرانياً وتفكيكه وملاحقته قضائياً بفاعلية، وذلك من خلال برامج تدريبية ممولة من الخارجية وتديرها وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخزانة. كما أنشأت الخارجية منتديين دوليين رئيسيين معنيين بهذه القضايا، هما: مجموعة تنسيق إنفاذ القانون، ومنتدى مكافحة الإرهاب العابر للحدود، مما أتاح للممارسين تبادل الخبرات الاحترافية وصقل أساليبهم في فرض العقوبات على الفاعلين الإرهابيين الإيرانيين والمرتبطين بـ"حزب الله"، وتجميد الأصول، وتبادل المعلومات الاستخباراتية القابلة للتنفيذ في الوقت المناسب داخل حكوماتهم ومع الشركاء الآخرين.
غير أنه وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في الجاهزية للتعامل مع المخططات الإرهابية المحتملة المنبثقة عن إيران أو "حزب الله" في زمن الحرب، لا تزال الدول الأجنبية تعاني ثغرات استخباراتية واسعة في هذا الملف. لذا ينبغي لإدارة ترامب أن تحث الحكومات الشريكة على تعزيز تركيزها الاستخباراتي والأمني على العناصر الإيرانية ووكلائها، مع التأكيد على أن مواطنيها قد يقعون ضحاياً لتلك الهجمات حتى لو لم يكونوا الهدف المباشر منها. كما ينبغي تذكير هذه الحكومات بأن هذا النوع من النشاط يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادتها ويستوجب عواقب حقيقية وملموسة، وهو مبدأ تبطأ في استيعابه شريحة من الحكومات. وفيما يخص الشركاء الذين لا يزالون يخشون الانتقام الإيراني أو انتقام "حزب الله"، فينبغي للإدارة الأمريكية تذكيرهم بأن الإجراءات الأمنية من قبيل الاعتقالات وفرض العقوبات لم تُفضِ تاريخياً إلى هجمات عسكرية أو إرهابية انتقامية.