أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3150

ثلاثة عشر عاماً على الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل

غادي آيزنكوت

متاح أيضاً في English

8 تموز/يوليو 2019


احتفلت إسرائيل في آذار/مارس هذا العام مرور سبعين عاماً على توقيعها اتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان. وفي 12 تموز/يوليو ستصادف ذكرى مرور 13 عاماً على اندلاع الحرب التي بدأت حين خطف «حزب الله» اللبناني جنديين من الأراضي الإسرائيلية وقتل ثلاثة آخرين. وبعد ثلاثة وثلاثين يوماً من القتال، تغيّر ميزان القوى على الحدود الشمالية لإسرائيل بشكل غير قابل للرجوع، في حين تم إثارة خطاب حاد بشأن إدارة الحكومة الإسرائيلية للقتال وأداء "جيش الدفاع الإسرائيلي". 

وسيقيّم هذا "المرصد السياسي" الإرث الاستراتيجي للحرب من خلال وجهتي نظر تبحث الأولى من بينهما في كيفية تأثير الأعمال العدائية وتداعياتها على القدرات العسكرية والمكانة الاستراتيجية لكل من «حزب الله» و«فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني في سياق مهمتهما ضدّ إسرائيل. أما الثانية، فستناقش الإنجازات الاستراتيجية لإسرائيل والتحديات التي تواجهها منذ الحرب وكيف يجب أن تمضي البلاد قدماً على ضوئها.

ميزان القوى ما بعد الحرب

بعد فترة وجيزة من الحرب، صرّح أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله صراحةً خلال مقابلة قائلاً: "لم نعتقد ولو بنسبة 1 في المائة أن عملية الخطف ستؤدي إلى اندلاع حرب في هذا التوقيت وبهذا الحجم... لو كنت أعلم في 11 تموز/يوليو... أن هذه العملية ستؤدي إلى مثل هذه الحرب، هل كنت سأقدم عليها؟ لا، بالتأكيد لا". لكن، في حين شهدت الحدود منذ ذلك الوقت ثلاثة عشر عاماً من الهدوء والاستقرار النسبيين، واصل الحزب تعزيز ترسانته القوية وطوّر ما يعتبره المضاعفات الثلاثة الأساسية للقوة:  

1. قدرة الدقة لصواريخه.

2. جبهة ثانية ضد إسرائيل انطلاقاً من سوريا.

3. خطة هجومية للتوغل في الأراضي الإسرائيلية، فوق الأرض وعبر الأنفاق على حد سواء.

وقد واجه "جيش الدفاع الإسرائيلي" هذه التحديات بفعالية خلال السنوات الأخيرة، حيث ألحق أضراراً بقدرات الحزب وقوّض خططه إلى حدّ كبير. ومن أجل التصدي للدقة المحسنة لصواريخ «حزب الله»، استهدف "الجيش الإسرائيلي" مصانع إنتاج الصواريخ ومخزوناتها متخذاً خطوات علنية وسرية ضدّ عمليات نقل الأسلحة من إيران - الراعي الرئيسي للحزب. وبينما سعى «حزب الله» وإيران إلى إنشاء جبهة ثانية ضدّ إسرائيل في مرتفعات الجولان، ضرب "جيش الدفاع الإسرائيلي" بيد من حديد على طول الحدود، واضعاً آليات لتجنب النزاع مع القوات الروسية في سوريا التي سمحت لإسرائيل بتقليص قدرات أعدائها بشكل كبير. وفي الآونة الأخيرة، واجه "الجيش الإسرائيلي" خطط «حزب الله» للتوغل عبر أنفاق تمتد داخل إسرائيل من خلال إطلاق "عملية درع الشمال".   

إبطال مفعول تهديد الأنفاق

في أواخر عام 2014، ظهرت التلميحات الأولى لمشروع سري يجمع بين «فيلق القدس» و«حزب الله» - وهو خطة رئيسية لتطوير نظام ضخم من الأنفاق الهجومية. وفي إطار هجوم محتمل أوسع نطاقاً، قد تكون هذه الشبكة قد سمحت لآلاف الجنود بالخروج من هذه الانفاق التي امتدت من داخل لبنان باتجاه المجتمعات الإسرائيلية، مما ساعد إيران و «حزب الله» على تحقيق إنجاز عسكري استراتيجي والسير نحو تحقيق هدفهما المشترك المتمثل بإلحاق ضرر بدولة إسرائيل وتدميرها في النهاية.

ولسنوات، عمل "جيش الدفاع الإسرائيلي" على إجراء تقييم دقيق لعدد هذه الانفاق ومواقعها بدقة مستخدماً القدرات الاستخباراتية الموحدة إلى جانب موارد تكنولوجية وعملياتية وتلك الخاصة بالهندسة القتالية. وتمخضت عن هذه الجهود "عملية درع الشمال" التي بدأت في 4 كانون الأول/ديسمبر 2018. وبانتهاء العملية في 13 كانون الثاني/يناير، دُمّرت الأنفاق وتمّ إبطال مفعول التهديد الذي طرحته هذه الانفاق على الحدود الشمالية لإسرائيل.

وعند خسارة كلاً من «فيلق القدس» و «حزب الله» نظام أنفاق كان قد عملا عليه لأكثر من عقد، اعترتهما الصدمة بوضوح - وهو ردّ فعل تجلى في إنكارهما للمشروع ومحاولتهما التقليل من أهمية البرنامج الذي كان أساسياً لاستراتيجيتهما. ومن المنطقي الافتراض أن كشف هذا المشروع السري وتدميره أظهرا للجماعتين مدى تغلغل إسرائيل في أسرارهما الأساسية، مما عزّز على الأرجح قوة الردع التي تتمتع بها إسرائيل في نظر صناع القرار في إيران و «حزب الله». 

«حزب الله» منذ عام 2006

في السنوات التي أعقبت الحرب على لبنان، ركّز «حزب الله» على إعادة بناء ضاحية بيروت الشيعية وقرى جنوب لبنان، فضلاً عن تعزيز قدراته العسكرية واستيعاب العبر المستخلصة خلال النزاع. وبحلول عام 2011، دفعت الاضطرابات في العالم العربي وتدهور الأوضاع في سوريا إلى قيام إيران بمطالبة قوات «حزب الله» بمساعدة نظام بشار الأسد ودعم وكلاء إيران في نزاعات أخرى تشهدها المنطقة. وقد ساعد دور قتالي ناشط قام به الحزب في سوريا، على اكتسابه خبرة ميدانية قيّمة في نشر "العناصر" على مستوى السريات والكتائب.

ومع ذلك، كانت هناك تداعيات سلبية للتدخلات الخارجية. فبعد خمس سنوات من القتال في سوريا، لقي نحو 2000 عنصر من «حزب الله» حتفهم بينما أصيب 8000 آخرين بجراح. وخلافاً لممارسته الماضية، لجأ الحزب إلى استخدام مقاتلين لا تزيد أعمارهم عن ستة عشر عاماً، قُتل العديد منهم في ساحة المعركة. وفي أوائل عام 2018، بدأ «حزب الله» بسحب قواته من سوريا، لتعود غالبية العناصر إلى ديارها بحلول نهاية العام. وسرعان ما واجه الحزب انقسامات داخلية ومشاكل اقتصادية حادة دفعت به إلى خفض كل من عدد الوحدات المرسلة إلى ميدان القتال بشكل كبير، وبرامج الرفاه الاجتماعي التي يرعاها في لبنان، فضلاً عن الأجور التي يدفعها إلى عناصره. 

ومع ذلك، فجلّ ما حصل هو أن تعاون الحزب مع إيران، ولا سيما «فيلق القدس» ازداد وثاقة. ولربما تجلى هذا الاندماج بأفضل صورة في عام 2016 حين قُتل القائد العسكري لقوات «حزب الله» في سوريا مصطفى بدر الدين، بعد وقت قصير من لقائه بقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في قاعدة إيرانية بالقرب من دمشق. وبدا أن القرار عكس رغبتيْ كل من سليماني ونصرالله؛ ومنذ ذلك الحين عمل الحزب من دون قائد عسكري مستقل خاص به.

 

إسرائيل حققت معظم أهدافها الاستراتيجية

كانت المعضلة الرئيسية التي واجهها مجلس الوزراء الأمني ​​الإسرائيلي عشية حرب 2006 تتمثل في تحديد الهدف الرئيسي للحملة - هل كانت الدولة اللبنانية أم «حزب الله» أم كليهما؟ وفي النهاية، أوصى "الجيش الإسرائيلي" بوضع ستة أهداف للحملة، ووافق عليها مجلس الوزراء، وهي:

1.         تعزيز قوة الردع الإسرائيلية في المنطقة.

2.         وقف الإرهاب المنطلق من الأراضي السيادية اللبنانية.

3.         إرغام الحكومة اللبنانية على تحمّل مسؤولية الوضع في الجنوب.

4.         الضغط على «حزب الله» لإعادة الجنديين المخطوفين.

5.         إلحاق ضرر كبير بـ «حزب الله» وبقدراته العسكرية.

6.         تحييد سوريا والأراضي الفلسطينية عن الحرب.

وبعد ثلاثة عشر عاماً، يمكن القول إنه تمّ تحقيق معظم هذه الأهداف. فقوة الردع الإسرائيلية لا تزال قوية كما أثبتت سنوات من الهدوء النسبي على الحدود الشمالية لإسرائيل. وقد تحملت الحكومة اللبنانية و"قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" ("اليونيفيل") بعض المسؤولية في الجنوب. وعلى نطاق أوسع، تلقى «حزب الله» ضربة قوية بعد سنوات طويلة صوّرت خلالها طهران الحزب كنموذج لبسط السيطرة الإيرانية في الشرق الأوسط.  

وفي الوقت نفسه، عزّز «حزب الله» قوته العسكرية بشكل كبير رغم الانتكاسة التي تعرّض لها، حتى في جنوب نهر الليطاني -وهي البقعة التي كان من المفترض أن يتم إخلاؤها وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. ولم تبسط بيروت و"الجيش اللبناني" السيادة الكاملة التي نصّ عليها القرار، كما أن المراقبة التي تقوم بها قوات "اليونيفيل" محدودة. وعلى الصعيد السياسي، يستمر نفوذ «حزب الله» في النمو داخل لبنان.

التطلع للمستقبل

حتى في ظل الإنجازات الكبيرة التي حققها "الجيش الإسرائيلي" خلال الحرب، أدّى واقع قدرة «حزب الله» على إطلاق حوالي 4000 صاروخ وقذيفة على المناطق الشمالية، إلى هز المجتمع الإسرائيلي بأجمعه، بإثارته تساؤلات تصعب الإجابة عليها حول مستوى استعداد الجيش. وكما جاء في وثيقة استراتيجية لعام 2015، أسفر ذلك عن إعادة تنظيم في صفوف "جيش الدفاع الإسرائيلي" وإعادة التركيز على مصادر المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب زيادة الاستعداد لأي عملية مستقبلية ضد «حزب الله» وحماية الداخل الإسرائيلي.

واليوم، أصبح «حزب الله» قادراً على إطلاق صواريخ على إسرائيل على مقياس أكبر حتى من عام 2006. غير أن قدرات إسرائيل الدفاعية والهجومية ضد الحزب قد تحسّنت بشكل ملحوظ، علماً بأن "الجيش الإسرائيلي" يتفوق على صعيد الاستخبارات والعمليات الجوية والبرية إلى حدّ كبير - مما يكفي لضمان تحقيق نصر في أي صراع مستقبلي وجعل إيران و «حزب الله» يدفعان ثمناً باهظاً.

ومن ناحية أخرى، أوجدت التطورات الإقليمية الأخيرة والضغوط المتزايدة على إيران فرصة لتقليص تهديد الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية. وبشكل خاص، تعتقد إسرائيل أن الخطوات التالية أساسية:

  • تعزيز جهود قوات حفظ السلام الدولية القائمة. من شأن تمديد مهمة "اليونيفيل" المتوقّع في آب/أغسطس إلى جانب تعزيز جهود التطبيق العملياتي للقرار 1701 في جنوب لبنان، تحسين الاستقرار في المنطقة وكبح نفوذ «حزب الله». ووفقاً لذلك، يجدر بالأمم المتحدة تنشيط مهمة حفظ السلام في سوريا ولبنان من خلال زيادة عدد القوات، وتوسيع صلاحياتها على الأرض، وفرض متطلبات إنفاذ أكثر صرامة عليها.    
  • الضغط على "الجيش اللبناني" وبيروت لكي يتحمّلا المسؤولية. بما أن "الجيش اللبناني" يعتمد على المساعدات الخارجية، يمكن للدول المانحة أن تشرط مساهمتها باضطلاع الجيش اللبناني بدور أكبر على صعيدين: اعتراض الأسلحة المنقولة عبر سوريا وزيادة العمليات في معاقل «حزب الله» جنوب نهر الليطاني. وبالتزامن، على المجتمع الدولي الضغط على الحكومة المدنية لتعزيز سيادتها في الجنوب وتحمّل كامل المسؤولية عما يجري هناك. 
  • الضغط على إيران للانسحاب. أوجد الضغط الدولي المتزايد على طهران فرصة لدفع النظام نحو سحب قواته من سوريا و"مستشاريه" من لبنان. ومن شأن تعزيز الجهود المبذولة التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران أن يُضعف أيضاً المكانة الاستراتيجية لـ «حزب الله»، جزئياً من خلال الحدّ من مدى تأثير الحزب وراعيته على لبنان.
  • مراقبة الحدود اللبنانية - السورية. من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة، على الجهات الفاعلة الدولية مراقبة هذه الحدود عن كثب لمنع نقل الأسلحة الإيرانية إلى «حزب الله». وتُعتبر هذه المهمة صائبة بشكل خاص في ضوء القمة الثلاثية التي عُقدت الشهر الماضي في القدس بين مستشاري الأمن القومي لإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة.
  • تشجيع التعاون الإسرائيلي-اللبناني. على الحكومة الإسرائيلية بذل المزيد من الجهود لتعزيز المصالح المشتركة مع بيروت، على غرار التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية وضبط الحدود البرية والبحرية (باستثناء "مزارع شبعا" المثيرة للجدل).

باختصار، أسفرت حرب 2006 عن تحقيق إنجازات استراتيجية مهمة بالنسبة لإسرائيل، وطالما يتمّ الحفاظ على هذه الإنجازات، فمن المرجح أن يبقى الاستقرار سائداً على الحدود الشمالية لإسرائيل. علاوةً على ذلك، قد يوفّر الوضع الراهن الذي يواجهه «حزب الله» وإيران و«فيلق القدس» فرصة استراتيجية لإضعاف نفوذهم بشكل أكبر في لبنان. ومهما كان الأمر، على إسرائيل أن تحافظ على استعدادها وتفوقها العسكري، باعتبارهما رادعيْن لتأخير اندلاع الصراع التالي وكأداتيْن لتحقيق نصر ساحق في حال اندلاع مثل هذا الصراع.  

 

اللفتنانت جنرال غادي آيزنكوت، هو زميل عسكري في معهد واشنطن، كان قد تقاعد من "جيش الدفاع الإسرائيلي" في كانون الثاني/يناير بعد أن شغل منصب رئيس الأركان العامة.