أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2641

استهداف موارد «حزب الله» المالية في الجبهة الداخلية

ديفيد شينكر و كاثرين باور

متاح أيضاً في English

5 تموز/يوليو 2016


خلال خطاب متلفز في 26 حزيران/يونيو، سبب حسن نصر الله، الأمين العام للحزب الشيعي اللبناني «حزب الله»[ الحزب]، الدهشة عندما أقرّ أنّ "ميزانية ]منظمته[ ودخلها ونفقاتها وكل ما تأكله وتشربه وأسلحتها وصواريخها تأتي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية". ولم يسبق أن أدلى بمثل هذا التصريح - لكن بيانه لم يكن صحيحاً أيضاً. فبالإضافة إلى الدعم الإيراني الأساسي، استعان «حزب الله» لعقود من الزمن في تمويل مبادراته المتعلقة بالإرهاب والخدمة الاجتماعية بمجموعة متنوعة من الأنشطة التجارية. ولم يقم نصر الله بهذا الإفصاح الزائف في هذا التوقيت بالصدفة: ففي 3 أيار/مايو، أصدر "مصرف لبنان" - الذي هو المصرف المركزي في البلاد - وامتثالاً للتشريع الجديد في الولايات المتحدة - تعميماً يأمر المصارف بإغلاق الحسابات التابعة لأفراد ومؤسسات متصلة بالحزب. ووفقاً لـ "مصرف لبنان"، أُغلقت منذ ذلك الحين مئات الحسابات المماثلة المرتبطة بالحزب، الأمر الذي شكّل خطراً على شبكة الحزب الخاصة بالدعم الاجتماعي ومصالحه التجارية. ويُعتقَد إلى حدٍّ كبير أنّه ردّاً على هذه الضغوط المالية، قام «حزب الله» بتفجير قنبلة في 12 حزيران/يونيو خارج مقر "بنك لبنان والمهجر" في وسط بيروت، مما أدى إلى إصابة شخصين وإلحاق ضرر كبير بمكاتب المصرف.

الخلفية

يستهدف "قانون مكافحة تمويل «حزب الله» دولياً"، الذي تم توقيعه ليصبح قانوناً في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2015، المؤسسات المالية التي اكتُشف أنها تسهّل عن سابق معرفة عملية تجارية ضخمة بالنيابة عن «حزب الله» أو كل من كان تابعاً له أو يتصرف بالوكالة عنه. وعلى غرار التدابير المتخذة ضد إيران قبل الاتفاق النووي، يعطي هذا القانون وزارة الخزانة الأمريكية صلاحية منع مثل هذه المؤسسات من الدخول إلى النظام المالي الأمريكي. وكجزء من عملية إنفاذ القانون، نشرت الوزارة في آذار/مارس لائحة مما يقرب من مائة هيئة في العالم خاضعة مسبقاً للتجميد المحلي لأصولها بسبب علاقتها مع «حزب الله». كما حدتّ الأنظمة التنفيذية التي نُشرت في نيسان/أبريل من تعريف «حزب الله» بموجب القانون إلى المنظمة نفسها وحوالي المائة هيئة ذات العلاقة والمدرجة سابقاً.

ويستند تعميم "مصرف لبنان"، الصادر في 3 أيار/مايو، إلى "التعميم الأساسي رقم 126 لعام 2012"، الذي دعا المؤسسات المالية اللبنانية إلى "التعامل مع ]المراسلين الأجانب[ تبعاً للقوانين والأنظمة والإجراءات والعقوبات والقيود التي تعتمدها... السلطات السيادية في بلدان المراسلين". وبالإضافة إلى تذكير المصارف بـ "التعميم الأساسي رقم 126"، يقتضي تعميم 3 أيار/مايو بقيام المصارف بالإبلاغ عن إغلاق الحسابات إلى "هيئة التحقيق الخاصة"، وهي "وحدة الإخبار المالي" اللبنانية. ولا يشير تعميم 3 أيار/مايو نفسه إلى أن المصارف بحاجة إلى موافقة "مصرف لبنان" لإغلاق الحسابات. ومع ذلك، تشيع بعض البنوك اللبنانية أن "مصرف لبنان" يساهم في منع إغلاق الحسابات.

وفي حين أنّ أنظمة الولايات المتحدة مهمة بما يكفي لاتخاذ إجراءات ضد المصارف الأجنبية، تدّعي التقارير الصحفية وبعض الروايات أن المصارف اللبنانية تغلق الكثير من الحسابات لأفراد لم تتم تسميتهم، من بينهم مستشفيات تابعة لـ «حزب الله»، وأعضاء في البرلمان، وحتى أفراد أسرة [الشخص المستهدف]. واعتمدت المصارف الغربية سياسات غير متسامحة فيما يخص المراسلين الأجانب في أعقاب عدد كبير من إجراءات التنفيذ المتعلقة بالعقوبات في السنوات الأخيرة. وحيث أن 55 في المائة من التجارة اللبنانية تجري في عملة الدولار، لن تستطيع المصارف اللبنانية على الأرجح أن تعمل إذا مُنعت من تحويل العملة إلى الدولار، إما نتيجة للحذر الشديد الذي يتوخاه مصرف نيويورك أو إذا "جعلها [المسؤولون الأمريكيون] مثالاً".

الضغط على لبنان

حتى قبل تنفيذ "قانون مكافحة تمويل «حزب الله» دولياً" كان الاقتصاد اللبناني يواجه تحديات كبيرة. فمنذ 2011، أضعفت تداعيات الحرب في سوريا التجارة اللبنانية، وأبطأت البناء، وأخافت السياح المحتملين، مما سبب بتراجع النمو. ووفقاً لـ "البنك الدولي"، تباطأ نمو "الناتج المحلي الإجمالي" الفعلي إلى 1.5 في المائة في عام 2015. وتبين أيضاً أن توافد 1.5 مليون لاجئ سوري - أي 25 في المائة من العدد الحالي لسكان البلاد - مكلف مالياً وله تداعيات على صعيد الخلل الاجتماعي. ويزداد الوضع سوءاً من انتشار جنود «حزب الله» في سوريا دعماً لما هو مبدئياً نظام الأسد الشيعي العلوي، مما زاد التوتر المذهبي بين السنة والشيعة في لبنان، وأعاق قدرة الحكومة المحدودة أصلاً على اتخاذ قرارات اقتصادية وسياسية صعبة، وقدرة مجلس النواب على انتخاب رئيس للبلاد - في العامين الماضيين.

وفي شباط/فبراير، ساءت التوقعات المتعلقة بالاقتصاد اللبناني عندما امتنع وزير الخارجية اللبناني المتحالف مع «حزب الله» جبران باسيل عن التصويت على قرار اتخذته جامعة الدول العربية بالإجماع تقريباً وأدانت بموجبه إيران على التورط في 3 كانون الثاني/يناير في اقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد. وبعد هذا الامتناع، ألغت المملكة العربية السعودية هبة بقيمة ثلاثة مليارات دولار إلى "القوات المسلّحة اللبنانية" وأخرى بقيمة مليار دولار إلى "قوى الأمن الداخلي"، وهددت بسحب ودائعها من "مصرف لبنان". وكانت هذه الخطوات هي الأخيرة من مجموعة تدابير اتخذتها السعودية ضد لبنان، بما فيها التوصية الرسمية بعدم السفر إلى لبنان، وهي خطوة قد تسبب ضرراً أكبر إلى موسم السياحة هذا الصيف.

الضغط على «حزب الله»

في السنوات الأخيرة، قيّدت مجموعة من التدابير الأمريكية عمليات «حزب الله» المالية، لكن الضغط ازداد بسبب "قانون مكافحة تمويل «حزب الله» دولياً". واليوم، وفقاً للقائم بأعمال وكيل وزارة الخزانة الأمريكية آدم زوبين، تمر المنظمة حالياً "في أسوأ حالاتها المالية لعقود". وفي حين أنه من الصعب تقييم الصحة المالية لـ «حزب الله» بشكل مؤكد، تبذل وزارة الخزانة الأمريكية جهداً متعدد السنوات لاستهداف مصالح الحزب التجارية المستخدَمة من أجل توليد الدخل وتوفير التغطية التجارية للأنشطة غير المشروعة.

وفي تموز/يوليو الماضي، أنكر نصر الله أن «حزب الله» استفاد من النشاط التجاري وأدان العقوبات الأمريكية بسبب تقويضها للاستقرار المالي في لبنان. وجاءت تصريحاته في أعقاب فرض عدد من العقوبات الجديدة ضد «حزب الله»، والتي سلطت الضوء على استخدامه للتغطية التجارية، من ضمنها وضع أدهم طباجة في حزيران/يونيو 2015 و"شركة الإنماء للهندسة والمقاولات" التي يملكها، والتي استُخدمت "للحصول على مشاريع نفطية وتنموية في العراق بهدف تقديم الدعم المالي والبنى التحتية التنظيمية لـ «حزب الله»" على اللائحة السوداء. وفي شباط/فبراير، أعلنت "إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية"، بالتعاون مع "الإنتربول"، عن عدد من الاعتقالات المرتبطة بما سماه إنفاذ القانون "مركّب صفقات الأعمال لـ «حزب الله»"، الذي يعمل وفقاً لمسؤولين أمريكيين تحت سيطرة طباجة والمسؤول الرفيع في «حزب الله» عبد الله صفي الدين، الذي كان مسؤولاً عن تنقل كميات كبيرة من الكوكايين في الولايات المتحدة وأوروبا.

هل سلامة في وضع سئ؟

في محور الجدال حول الممارسات المصرفية الجديدة في لبنان يقف رياض سلامة، الذي خدم على مدى السنوات الـ23  الماضية كحاكم "مصرف لبنان". ويتمتع سلامة، الذي سبق وعمل في "ميريل لينش"، بسجل مميز في المصرف، إذ أدار بمهارة السياسة المالية في دولة تشكو من الانقسامات المذهبية العميقة، ومن احتلال سابق من الجيش السوري الذي أبطأ من نمو البلاد، واغتيالات سياسية متكررة، وحروب دورية بل مكثفة بين «حزب الله» وإسرائيل. ومن خلال كل ذلك، أثبت سلامة دوره الثابت والمتبصر، فزاد الاحتياطات الأجنبية من 300 مليون دولار في 1993 إلى حوالى 37 مليار دولار اليوم. وبالفعل، كان سلامة وسيلة لعزل لبنان عن الانهيار المالي العالمي في عام 2008، عبر إصدار تعميم مصرفي - قبل سنوات - لمنع المصارف المحلية من الاكتتاب في منتجات الرهن العقاري. وفي وقت سابق من هذا العام، وبناءً على سجله الذي كان نافعاً للسنة والشيعة والمسيحيين في لبنان على حد سواء، تم ذكر سلامة كمرشح محتمل للرئاسة.

في السنوات الأخيرة أشرف سلامة أحياناً، بصفته حاكم "مصرف لبنان" وتحت ضغط السلطات الأمريكية، على إغلاق الحسابات المصرفية لـ «حزب الله». وبما أن الحزب فهم أن هذا يشكل جزءاً من ممارسة الأعمال التجارية، لم يُظهر عدائية تُذكر تجاه سلامة بسبب هذه التدابير. ومع ذلك، فمنذ توقيع "قانون مكافحة تمويل «حزب الله» دولياً"، بدأ «حزب الله» وحلفاؤه بمهاجمة سلامة علناً في الإعلام. وفي منتصف أيار/مايو، اتهم النائب التابع للحزب حسن فضل الله الحاكم سلامة بفرط حماسه إزاء تنفيذ الأنظمة، ووصفه بأنه "أمريكي أكثر من الأمريكيين". وفي الآونة الأخيرة، وقبل يوم واحد فقط من تفجير "بنك لبنان والمهجر"، اتهمت "وكالة أنباء فارس" الإيرانية "مصرف لبنان" المركزي، تحت حكم سلامة، بارتكاب "تطهير اقتصادي وعرقي" من خلال تنفيذ العقوبات المصرفية.

وبدلاً من الامتثال إلى "الاعتداء" الأمريكي، وفقاً لصحيفة "الأخبار" الموالية لـ «حزب الله»، يريد الحزب أن "يدافع ]سلامة[ عن السيادة اللبنانية"، ويلغي تعميم 3 أيار/مايو، ويستأنف تفاهمه مع «حزب الله» لتنفيذ أحكام الولايات المتحدة على حسابات الدولار فقط - وليس على حسابات الليرة اللبنانية. وإذ تضاءلت الهجمات قليلاً ضد شخصية الحاكم في الأيام الأخيرة، من المرجح أن تستمر الضغوط على سلامة.

المحصلة

كان تفجير" بنك لبنان والمهجر" إنذاراً غامضاً من «حزب الله»: فإذا استمرت بيروت في التركيز على أصول الحزب، قد يقرر هذا الأخير استهداف القطاع المالي في لبنان بشكل أعنف، ليُضعف حلقة أساسية للاستقرار في الدولة. وعلى الرغم من ضغط «حزب الله»، فإنه ليس من الواضح أن يتمكن "مصرف لبنان" من تشجيع المصارف اللبنانية على اتباع مقاربة عدم التدخل فيما يخص حسابات «حزب الله». وتغدو تكاليف عدم الامتثال قاسية جداً لدرجة أن القليل من المصارف اللبنانية الربحية الكبيرة - وعدد قليل جداً من المؤسسات المالية الدولية - ستكون مستعدة للمخاطرة.

وحيث يواجه ضغوط مالية متزايدة، من الممكن أن يردّ «حزب الله» بعنف على غرار ما قام به عام 2008، عندما اجتاح بيروت، مسبباً بمقتل مئة شخص، لكي يؤدي إلى عكس مراسيم حكومية غير مناسبة. لكن من المحتمل على الأرجح أن تجد المنظمة طرقاً مختصرة مؤقتة، وإن كانت متعبة. ومع ذلك، ستستمر تدابير وزارة الخزانة الأمريكية في تعقيد موارد المنظمة المالية إلى حد كبير. ومنذ عام 2001، ركزت واشنطن عن كثب على استهداف تنظيم «القاعدة» ومؤخراً تنظيم «الدولة الإسلامية». ويمثل "قانون مكافحة تمويل «حزب الله» دولياً" مبادرة أمريكية مرحب بها لاستهداف، على الأقل من الناحية المالية، "المجموعة الأبرز" من الإرهابيين.

 

ديفيد شينكر هو زميل "أوفزين" ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. كاثرين باور هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأمريكية.