- تحليل السياسات
- صفحات رأي ومقالات
آفاق العلاقات بين سوريا وإسرائيل
Also published in "جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون"
قد ترى إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر قابل للاستمرار، غير أن واشنطن تبدي إحباطاًً متزايداً إزاء تداعياته المحتملة على مسارات التطبيع العربي، ومستوى التوتر العسكري مع تركيا، والخطط الاقتصادية قصيرة الأجل.
تراجعت في الأشهر الأخيرة احتمالات إقامة علاقات أكثر طبيعية – إن لم تكن سلمية رسمياً – بين سوريا وإسرائيل. ومع ذلك، شكّل اجتماع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني/يناير تطوراً إيجابياً لمناقشة الترتيبات الأمنية.
وقد لعب مسؤولون أمريكيون دور الوساطة في هذه المحادثات. ويؤكد الرئيس ترامب أنه يرغب في أن " تتوافق "إسرائيل مع سوريا، إلا أن التوفيق بين متطلبات إسرائيل الأمنية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر ومسألة سيادة سوريا في مرحلة ما بعد نظام الأسد لا يزال تحدياً قائماً.
وعلى الرغم من تفاخر الرئيس ترامب بقربه من إسرائيل، إلا أنه انتقد في أوائل كانون الأول/ديسمبر العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا. فبعد أن أسفرت غارة إسرائيلية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر عن مقتل ثلاثة عشر سورياً، وجّه الرئيس تحذيراً لإسرائيل في منشور على منصة Truth Social من القيام بأي أنشطة قد" تتعارض مع مسار تطور سوريا إلى دولة مزدهرة". ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها الرئيس ترامب وإدارته العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا. ففي تموز/يوليو، وعقب قصف القوات الجوية الإسرائيلية وزارة الدفاع السورية وهدفاً قريباً من القصر الرئاسي، اتهم كبار المسؤولين في الإدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"بالتسرع في اتخاذ القرارات". وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض مشتكياً: " إنه يقصف كل شيء باستمرار، وقد يقوض ذلك ما يحاول ترامب إنجازه".
تحول الخطاب السوري تجاه إسرائيل
ترامب ليس الوحيد الذي يشعر بالإحباط تجاه هجمات إسرائيل داخل سوريا. مؤخراً، أعرب الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، عن استيائه علناً. خلال مقابلة في أوائل كانون الأول/ديسمبر في منتدى الدوحة، اتهم إسرائيل بالانخراط في" حرب ضد أشباح". وقد ادعى الشرع أنه منذ توليه السلطة، أرسل رسائل سلام واستقرار إلى إسرائيل. ولكن بدلاً من احتضان سوريا الجديدة، " قابلتنا إسرائيل بالعنف الشديد"، حيث شنت أكثر من 1000 غارة جوية، ونفذت حوالي 400 غارة، واحتلت أجزاء من الأراضي السورية المجاورة لحدود الجولان.
من المؤكد أن منتدى الدوحة غالباً ما يلهم استخدام لغة حادة تجاه إسرائيل. لكن هجوم الشرع شكّل خروجاً واضحاً عن موقفه التوفيقي العام تجاه إسرائيل خلال عامه الأول في السلطة.
وتتزايد أصداء لهجته الأكثر حدة داخل الوكالات الحكومية السورية. في تشرين الثاني/نوفمبر، أدانت وزارة الخارجية السورية علناً زيارة نتنياهو للقوات الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا، والتي كانت تخضع سابقاً لرقابة وحدات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ووصفتها بأنها" انتهاك خطير "للسيادة ومحاولة لفرض" أمر واقع "على الحدود. وفي الوقت نفسه، عادت وسائل الإعلام السورية إلى الإشارة إلى إسرائيل، كما كانت تفعل في السابق، بـ" العدو الصهيوني ". ولا يبدو هذا المسار مشجعاً.
طوال معظم العام الماضي، سعى الشرع ونظامه إلى طمأنة إسرائيل لفظياً بأن دمشق ليست مهتمة بالصراع. فبعد أسابيع من وصوله إلى السلطة، صرح بأنه" لا ينوي مواجهة إسرائيل "وتعهد بعدم" السماح باستخدام سوريا كقاعدة انطلاق لشن هجمات "ضد الدول المجاورة. كما قدم محافظ دمشق نقطة حوار مماثلة حيث قال: " مشكلتنا ليست مع إسرائيل"، واضاف، " لا نريد التدخل في أي شيء من شأنه أن يهدد أمن إسرائيل ".
وعندما سُئل عن احتمالات التطبيع مع إسرائيل، كان الشرع متحفظاً دون أن يكون رافضاً تماماً. وأوضح: " نريد السلام مع جميع الأطراف"، لكنه شدد على" الحساسية الشديدة تجاه القضية الإسرائيلية "لأن الإسرائيليين" يحتلون "هضبة الجولان، معتبراً أنه" من السابق لأوانه مناقشة الأمر". وبدلاً من التطبيع، دعا الشرع إلى انسحاب إسرائيل من المنطقة العازلة التي أنشأتها اتفاقية الانسحاب بإشراف الأمم المتحدة عام 1974، إضافة إلى المناطق المجاورة الأخرى على طول حدود هضبة الجولان.
انخرطت الحكومة الجديدة في دمشق في قنوات تواصل منتظمة مع إسرائيل. وخلال فصلي الصيف والخريف الماضيين، أوفد الشرع مراراً وزير خارجيته، أسعد الشيباني، لإجراء محادثات مباشرة حول الترتيبات الأمنية مع رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي. ومؤخراً، التقى الشيباني في باريس بالسفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، إضافة إلى المرشح لرئاسة الموساد.
العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا
يبدو أن بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 يمكن تبريرها جزئياً على الأقل. فقد أدى قرار إسرائيل بتدمير الأسلحة السورية إلى الحيلولة دون وقوع هذه الأصول في أيدي الجهاديين أو فاعلين إجراميين آخرين من غير الدول. كما أن الانتشار الإسرائيلي الأولي عبر الحدود أسهم في منع حدوث فراغ أمني على طول حدود الجولان في الأيام الفوضوية التي أعقبت التمرد الشعبي.
وتهدف العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية والمبررة بشكل متزايد في سوريا، إلى احتواء النفوذ التركي المتزايد في البلاد، إذ تستهدف إسرائيل أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات التركية المتمركزة في دمشق أو التي جرى تزويدها بها. وربما يكون من المفهوم أن إسرائيل اعتمدت موقفاً عسكرياً أكثر اندفاعاً في أعقاب أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويبدو أن هذا النهج حقق نجاحاً نسبياً في لبنان، حيث أضعفت إسرائيل حزب الله، وتواصل استهداف أفراده وأصوله، وتضغط على بيروت لنزع سلاح هذه الميليشيا الخطيرة المدعومة من إيران.
في المقابل، يبدو أن التدخل العسكري الإسرائيلي لحماية الطائفة الدرزية في سوريا في صيف 2025 أقل ارتباطاً مباشرة بالأمن القومي الإسرائيلي. ففي عام 2018، اختار نتنياهو عدم التدخل عندما هاجم تنظيم "داعش" بلدة السويداء الدرزية السورية، ما أسفر عن مقتل نحو 250 مدنياً. غير أنه في الصيف الماضي، شنت إسرائيل غارات جوية على القوات الحكومية السورية بعد أن تعرضت البلدة نفسها مرة أخرى لهجوم من قبل الميليشيات العربية السنية التابعة للنظام السوري. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تقوم حالياً بتسليح الدروز في محافظة السويداء.
غموض الاستراتيجية الإسرائيلية
من الصعب تحديد استراتيجية إسرائيل على المدى الطويل. قد يكون التشكيك في الشرع، العضو السابق في تنظيم القاعدة، مبرراً. لكن لا يزال من غير الواضح ما الذي تأمل إسرائيل في تحقيقه من خلال نهجها التصعيدي. لقد وضعت إسرائيل خطاً أحمر يمنع وجود أنظمة تركية متطورة في سوريا، غير أن الجهود الرامية إلى إقامة نظام جديد لأمن الحدود مع دمشق لم تُسفر عن نتائج بعد.
تُعد سوريا عنصراً أساسياً في التحالف الإقليمي لاحتواء النفوذ الإيراني. إذ يقوم نظام الشرع بشكل روتيني باعتراض شحنات الأسلحة التي ترسلها إيران والميليشيات العراقية المدعومة منها والموجهة إلى "حزب الله" في لبنان. ومؤخراً، في 17 كانون الأول/ديسمبر، نصبت سوريا كميناً للمهربين الذين كانوا يحاولون إعادة تزويد "حزب الله" بعشرات القذائف الصاروخية.
قد تعتقد إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر في سوريا قابل للاستمرار، إلا أن إدارة ترامب تبدو غير مقتنعة بذلك. ورغم أن آمال الولايات المتحدة في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وسوريا وانضمام دمشق إلى اتفاقيات "أبراهام" قد تكون سابقة لأوانها، فإن موقف إسرائيل الحالي يستبعد حتى إبرام اتفاق عدم اعتداء.
لا يبدو أن نتنياهو يدرك ذلك بعد، لكن ترامب وشركاءه العرب في الرياض وأبو ظبي يبدون التزاماً واضحاً بنجاح سوريا. وقد تتمتع إسرائيل بحرية أوسع للتصرف في لبنان، لكن ليس بالقدر نفسه في سوريا. إذ يؤثر نهج إسرائيل في التصورات الإقليمية، حيث ترى الدول العربية أن النشاط العسكري المكثف لإسرائيل في سوريا يزعزع الاستقرار، وهو ما لا يخدم تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة.
بالنسبة لواشنطن، فإن القضية الأكثر إلحاحاً هي التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وتركيا. وستكون الوساطة الأمريكية ضرورية للتفاوض على قواعد أساسية تحول دون تحول سوريا إلى ساحة صراع تركي – إسرائيلي. كما ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة تعزيز التواصل بين دمشق والقدس للتوصل إلى ترتيب مؤقت على طول حدود الجولان. ويتمثل الهدف قصير المدى في إعادة سوريا من كونها جارة معادية لإسرائيل إلى جارة أكثر حياداً. وبالنسبة للقدس، وفي ظل عدم استجابة دمشق للمطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، قد يكون التوصل إلى حل وسط أمراً لا غنى عنه لإبرام اتفاق مع سوريا الجديدة.