- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4152
كيفية البناء على صفقة الغاز المتعثرة بين مصر وإسرائيل
تُعد موافقة إسرائيل على اتفاقية التصدير المتأخرة تطوراً إيجابياً، غير أنه يتعين على المسؤولين الأميركيين النظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق وليست محطة وصول للجهود الهادفة إلى تخفيف حدة التوترات بين شريكي سلام أساسيين.
في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر، كشفت إسرائيل النقاب عن أضخم صفقة غاز طبيعي في تاريخها - اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار لتوسيع نطاق الصادرات إلى مصر من حقول بحرية تشرف على إدارتها شركة الطاقة الأميركية العملاقة "شيفرون". وسارع المسؤولون في القدس وواشنطن إلى الترحيب بالصفقة ووصفها بقصة نجاح استثنائية، إذ اعتبرتها إدارة "ترامب" "إنجازاً كبيراً للأعمال الأميركية والتعاون الإقليمي". كما لمّحوا إلى أنها ستكون حاضرة على جدول أعمال زيارة رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" المقررة في التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر للرئيس "ترامب" في فلوريدا، بل طرحوا احتمال تنظيم لقاء احتفالي ثلاثي يضم الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي".
غير أن القمة الثلاثية لم ترَ النور، فيما عمدت القاهرة إلى التقليل علناً من أهمية الصفقة الجديدة، حيث أفاد أحد المتحدثين الرسميين بأن "الاتفاق المعني يمثل صفقة تجارية بحتة أُبرمت حصرياً بناءً على اعتبارات اقتصادية واستثمارية دون أن تنطوي على أي أبعاد أو تفاهمات سياسية على الإطلاق". وبالإضافة إلى ذلك، يكشف غياب أي إشارة إلى مصر في المؤتمر الصحفي الذي عقده "ترامب" و"نتنياهو" عقب اللقاء أو في التقارير التي تلته أن عقد الغاز أو العلاقات المصرية الإسرائيلية على نحو أشمل لم تحظَ بمناقشة معمقة، هذا إن طُرحت أصلاً. ومع ذلك، وعلى الرغم من تراجع مستوى الإلحاح الذي يحيط بهذا الملف في خضم قضايا ملحة أخرى تشهدها المنطقة، ينبغي لواشنطن أن تبدي قلقها إزاء المسار التنازلي المتواصل الذي تشهده التفاعلات بين القاهرة والقدس منذ اندلاع حرب غزة. فربما نجحت صفقة الغاز في إرجاء مزيد من التدهور راهناً، إلا أن التوقعات على المدى البعيد تبقى بعيدة عن الطمأنينة.
تأخر التوقيع
جرى توقيع الصفقة مبدئياً في آب/أغسطس، لكن إسرائيل أرجأت لشهور الخطوة الختامية - منح ترخيص التصدير - لأسباب سنتناولها لاحقاً، الأمر الذي أثار استياء واشنطن. ففي تشرين الأول/أكتوبر، ألغى وزير الطاقة الأميركي "كريس رايت" رحلة كان من المقرر أن تستغرق ستة أيام إلى إسرائيل في خطوة تعبّر عن امتعاض الإدارة، الذي يبدو أنه نبع جزئياً على أقل تقدير من دواعٍ تجارية. إذ تمتلك شركة "شيفرون" الأميركية متعددة الجنسيات حصصاً ضخمة في حقلي "لفياثان" و"تمار" البحريين الإسرائيليين. كما تتولى إدارة المرافق المسؤولة عن استخراج الغاز من هذين الحقلين، إلى جانب الأنبوب الممتد تحت الماء (خط غاز شرق المتوسط، أو EMG) الذي ينقله إلى مصر، الزبون الأبرز لهذه الإمدادات.
وبالرغم من كون مصر منتجاً للغاز أكبر حجماً من إسرائيل، فإنها تعجز منذ سنوات عن تلبية الطلب المحلي المتصاعد بمفردها. واليوم، يشكّل الغاز الإسرائيلي ما يقارب 20 بالمئة من إجمالي الاستهلاك المصري، وقد مثّل هذا الاعتماد المتنامي قضية سياسية حساسة بالنسبة للقاهرة حتى قبيل أزمة غزة. وعلى غرار الأردن - الذي يعتمد بدرجة أكبر على الغاز الإسرائيلي في توليد الطاقة - تسعى مصر جاهدة لتأمين شركاء طاقة بديلين لتعويض الإمدادات القادمة من القدس. وفي هذا الإطار، أبرمت القاهرة اتفاقاً مع قطر في الرابع من كانون الثاني/يناير يقضي بشراء ما يصل إلى أربع وعشرين شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026.
تصاعد التوترات
يبدو التراجع الحاصل في العلاقات المصرية الإسرائيلية لافتاً للنظر بشكل خاص لكونها كانت قد بلغت ذروة تاريخية في العقد الذي سبق حرب غزة. فلم تكتفِ القدس بتقديم دعم مادي واسع النطاق لحملة الجيش المصري العسكرية ضد متمردي تنظيم "الدولة الإسلامية" في سيناء، بل سمحت أيضاً للقاهرة بنشر قوات ومعدات ثقيلة في أنحاء شبه الجزيرة بأعداد تتجاوز بكثير الحدود المنصوص عليها في الملحق الأمني لمعاهدة السلام الموقعة بينهما عام 1979. واستمر هذا النهج قائماً حتى حين أضحت جوانب معينة من هذه الانتشارات إشكالية.
فما بين عامي 2013 و2023، على سبيل المثال، شيّدت القوات المصرية في سيناء ميناءً بحرياً، وملاجئ للطائرات، ومركز عمليات عميقاً تحت الأرض - وجميعها محظور صراحة بموجب المعاهدة، ولا يبدو أن أياً منها ضروري لمهمة مكافحة الإرهاب الداخلي. وفي المقابل، درج المسؤولون الإسرائيليون على التغاضي عن هذه الانتهاكات أو، في أحسن الأحوال، الإشارة إليها أمام السلطة الدولية لحفظ السلام بقيادة الولايات المتحدة دون اتخاذ خطوات إضافية. وفي ذروة التعاون بينهما، قام قائد سلاح الجو الإسرائيلي بزيارة شخصية إلى القاعدة الجوية المصرية في "المليز" بسيناء - وهي رحلة لم يُعلن عنها ومنحت بركة رمزية للمنشأة المحظورة.
إلا أن العلاقات الثنائية شهدت تدهوراً متواصلاً منذ عام 2023 في ظل تصاعد حصيلة الضحايا في غزة وتنامي مخاوف القاهرة من تهجير جماعي للفلسطينيين باتجاه مصر. ففي أيار/مايو الماضي، على سبيل المثال، سقط جندي مصري قتيلاً أثناء اشتباك بالنيران مع قوات إسرائيلية قرب رفح. وفي الشهر ذاته، انضمت القاهرة إلى دعوى جنوب أفريقيا المتعلقة بالإبادة الجماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. وفي القمة العربية الإسلامية المنعقدة في أيلول/سبتمبر، أشار "السيسي" إلى إسرائيل بوصفها "العدو" - وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها مثل هذا الخطاب في التصريحات الرسمية المصرية منذ عقود، وفق ما تم تداوله. وجزئياً رداً على هذه التطورات، أرجأت إسرائيل عمداً صفقة الغاز الجديدة، مهددةً بذلك أمن الطاقة المصري - وهي أحدث علامة على تدني مستوى العلاقة المضطربة.
الحسابات السياسية الإسرائيلية
لدى إعلانه عن ترخيص الغاز الشهر المنصرم، قال "نتنياهو": "وافقت على الصفقة بعد التأكد من مصالحنا الأمنية ومصالح حيوية أخرى، لن أخوض في تفاصيلها بالكامل هنا". ومع أنه يبقى من غير الواضح تحديداً ما حصل عليه بالضبط إلى جانب الالتزامات التجارية، فلا شك في أن رئيس الوزراء يطمح إلى انتزاع بعض التنازلات السياسية مقابل ذلك، من قبيل تهدئة التوترات الثنائية، وعكس مسار العسكرة المصرية في سيناء، وتعزيز التعاون المصري بشأن تأمين غزة بعد انتهاء الحرب، وعقد قمة مع "السيسي"، وصولاً إلى الهدف الأشمل المتمثل في تعميق اندماج إسرائيل في المنطقة.
تكشف التصريحات الرسمية المصرية التي تنفي أي بُعد سياسي للصفقة أن "السيسي" لا يبدي اهتماماً يُذكر بالانخراط مع الحكومة الإسرائيلية الراهنة، على الأقل في الوقت الحاضر. ومع ذلك، يواصل المراقبون التكهن بأن إدارة "ترامب" قد تنجح في تأمين قمة ثلاثية على الأراضي الأميركية. فـ"السيسي" معروف بإبقائه مسافة بينه وبين "نتنياهو"، غير أن الرئيس "ترامب" أثبت قدرته على الإقناع في ظروف مماثلة. خلال ولايته الحالية، مع ذلك، لم يجمع الرئيس بـ"السيسي" سوى لقاء على هامش مؤتمر غزة الذي انعقد في شرم الشيخ خريف العام الماضي.
الدور الأميركي
وعلى الرغم من أن صفقة الغاز قد أوقفت تدهوراً إضافياً في العلاقات المصرية الإسرائيلية حالياً، فإن الأمور بعيدة عن الاستقرار. فـ"نتنياهو" و"السيسي" لم يلتقيا منذ قرابة ثماني سنوات. ومع مضي إدارة "ترامب" قدماً في المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، يغدو التعاون المصري الإسرائيلي الأكثر فاعلية ذا أهمية متصاعدة. لكن في غياب تحسّن ملموس في علاقة العمل، فإن ملف غزة قد يفاقم توتراتهما الثنائية بدلاً من تخفيفها.
أُفيد بأن مساعي البيت الأبيض كانت حاسمة في إقناع القدس بالموافقة في نهاية المطاف على اتفاقية الغاز، وقد مثّلت الصفقة مكسباً للإدارة حتى في غياب قمة ثلاثية. والرئيس "ترامب" على حق في تأكيده أن الاتفاقيات الاقتصادية قادرة على تعزيز الاستقرار الإقليمي، وقد شكّل عقد الغاز هذا خطوة أولى لازمة. بيد أنه ينبغي أن يمثل نقطة انطلاق وليس نقطة وصول للجهود الأميركية الرامية إلى المساعدة في إصلاح العلاقات بين أول شريكي سلام في المنطقة. فالقاهرة متحفظة بشكل مفهوم حيال احتضان إسرائيل علناً في أعقاب الحرب، غير أن الدبلوماسية الأميركية الهادئة قادرة على إنجاز الكثير لتحسين الأوضاع خلف الكواليس. ومع انخراط أكثر كثافة، تستطيع الإدارة تشجيع نقاشات مثمرة بين مصر وإسرائيل، والانتقال من المسائل التجارية نحو محادثات جوهرية حول المستقبل السياسي لغزة وسيناء.