أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3071

تقارير من السعودية وإسرائيل والكونغرس الأمريكي

تكهنات في سياسات الشرق الأوسط لعام 2019

باربارا أ. ليف, دانا سترول, و دينيس روس

متاح أيضاً في English

4 شباط/فبراير 2019


"في 31 كانون الثاني/يناير، خاطب دينيس روس، باربرا ليف، ودانا سترول منتدى سياسي في معهد واشنطن. وروس، هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، وكان قد شغل عدة مناصب في أربع إدارات اأمريكية سابقة، وعاد مؤخراً من زيارة دامت شهر إلى إسرائيل والخليج. وليف هي زميلة متميزة في المعهد وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الإمارات، وقد عادت مؤخراً من رحلة استغرقت عشرة أيام في جميع أنحاء السعودية. وسترول هي زميلة متميزة في المعهد وموظفة أقدم سابقة في "لجنة العلاقات الخارجية" في مجلس الشيوخ الأمريكي. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم، بالإضافة إلى مقدمة من المدير التنفيذي للمعهد روبرت ساتلوف".

 

روبرت ساتلوف

مع حلول عام 2019، تجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور خاصة بالوضع الراهن للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أولها أن أمريكا تعيش منذ عامين تجربةً يتجادل فيها حزباها السياسيان الرئيسيان بشأن حصر دور الولايات المتحدة في المنطقة، وهو موقف غير مسبوق في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والأمر الثاني هو أن البلاد تخوض سنتها العاشرة في تجربةٍ طالب خلالها الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على السلطة من كلا الحزبين باتباع هذا النهج. أما النقطة الثالثة فهي أن دونالد ترامب يدخل عامه الرئاسي الثالث ولكنه لم يواجه بعد أزمة في الشرق الأوسط - وهو أمرٌ لابد وأن يواجهه كل رئيس أمريكي.

باربارا ليف

ما يلفت انتباه المرء عقب زياراته المتكررة إلى السعودية هو وتيرة التغيرات الاجتماعية الحاصلة في المملكة وعمقها. فقد أصبحت النساء يظهرن في الأماكن العامة ومكاتب العمل بشكل لم يكن يتصوّره أحدٌ قبل عامين أو ثلاثة أعوام فقط، وغالباً ما يجلسن في مجموعات مختلطة مع الرجال بينما يتركن وجوههن مكشوفة. إلا أن هذه التغيرات تترك تأثيراً نفسياً عميقاً على السعوديين - حتى أولئك الذين يؤيدوها يجدونها مربكة.

ويعزى الكثير من السعوديين في مدن مثل الظهران والرياض وجدة هذه التغيرات إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهم مقتنعون بأن لا رجوع عنها. ويجادل مؤيّدو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي بأن الخصائص الديمغرافية تصب في صالحهم وأن الأشخاص الذين يقاومون الإصلاح ينتمون إلى شريحة سكانية أكبر سناً تزداد تهميشاً. كما أن بعضهم يصف الأمير محمد بن سلمان كأول شخص يواجه الأمور بشكل مباشر في المجتمع السعودي، مجادلين أنه على استعداد لزعزعة الوضع القائم وتحمّل مسؤولية العواقب بدلاً من تلطيف الحاجة إلى التغيير.

وفي الوقت نفسه، فإن الكثير من السعوديين يدركون جيداً الاحتقار الدولي الذي وصم المملكة بسبب مقتل جمال خاشقجي فضلاً عن مجموعة الخطوات المحلية والدولية المزعجة التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان. ويميلون إلى الشعور بعدم الاستقرار والقلق بسبب تلك الانتقادات.

وعلى نطاق أوسع، أعرب شركاء الولايات المتحدة في المنطقة عن قلقهم المتنامي، بل حتى هلعهم بشأن الالتزام الأمريكي تجاه الشرق الأوسط. فإسرائيل تشعر بأنها وحدها في مواجهة إيران ومخطط النظام الإيراني ببناء منصة دفاع واستخبارات دائمة في سوريا. وفي بعض الحالات، أخذ هؤلاء الشركاء يتبنّون سياسات ويقيمون علاقات تتعارض بشكل واضح مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، مثل قيام دول الخليج بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بشار الأسد دون قيد أو شرط.

وفي اليمن، من المحتمل أن ينهار الوضع هذا العام إلا إذا أصبحت إدارة ترامب معنية مباشرةً فيما يجري هناك. ولا تستطيع الأمم المتحدة القيام بذلك بمفردها، بصرف النظر عن الانطلاقة الجيدة لعملية السلام تحت قيادتها.

وفي العراق، قد تضرّ الديناميات السياسية بالجنود الأمريكيين المتبقين هناك نظراً إلى القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا. وإذا حدث ذلك، قد يشهد العراقيون تكرّر السيناريو الذي وقع بين عامَي 2010 و2011.

وفي الوقت نفسه، تساهم كثرة المناصب الشاغرة في السفارات الأمريكية والتبدلات المستمرة في الحكومة ووكالات الأمن القومي، في تضاؤل الانخراط العالي المستوى والمتبادل مع الأصدقاء والشركاء. فالعلاقة مع السعودية متّجهة نحو جمودٍ حاد في عام 2019، ويعود ذلك جزئياً إلى مشاكل هيكلية في النهج الذي تتبعه واشنطن. كما أن الحلفاء قد تُركوا في حيرة حول مَن يتحدث باسم الإدارة الأمريكية. وقد بلغ هذا الارتباك ذروته خلال الشهرين الماضيين حين وجّه مسؤولون أمريكيون مختلفون رسائل متناقضة كلياً حول موعد سحب القوات الأمريكية من سوريا وتحت أي شروط.

دانا سترول

نظراً لسيطرة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين على التوالي، سيكون من الصعب على المشرّعين الأمريكين إحداث تغيير جوهري في أيٍّ من سياسات إدارة ترامب في المنطقة. فالسيناتور جيم ريش (جمهوري من ولاية أيداهو) هو الرئيس الجديد للجنة العلاقات الخارجية، في حين أن السيناتور جيم إنهوف (جمهوري من ولاية أوكلاهوما) هو الرئيس الجديد للجنة الخدمات المسلحة. وصحيح أنّ اللجنة الأولى قادرة على العمل، ولكنّ ذلك يعتمد على الطريقة التي سيقرر رئيسها السيناتور ريش اعتمادها لإدارتها. فنجاح أي لجنة رهنٌ بجلسات استماعها وباستعداد أعضائها لإحراز تقدم جماعي بشأن القوانين الهامة. وقد أشار السناتور ريش إلى أنه لا ينوي عقد جلسات استماع تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وأن أي خلافات مع الرئيس ترامب ستتم مناقشتها على انفراد.

ويستدعي إقرار أي تشريعات هامة متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط تأييداً من كلا الحزبين، الأمر الذي سيكون من الصعب تحقيقه إذا استمرت الأجواء الحزبية الحادة التي تهيمن حالياً. وفي هذا السيناريو، لن تحدث النسبة الكبرى من التشريع داخل لجان الشؤون الخارجية، بل داخل لجنة الخدمات المسلحة ولجنة المخصصات المسؤولتين عن السير بالبنود "الواجب إقرارها" على غرار «قانون تخويل الدفاع الوطني». وخير مثالٍ عن ذلك هو أحدث اتفاق بشأن مخصصات وزارة الخارجية الأمريكية. فمع أن مشروع القانون التوافقي هذا لم يصبح بعد قانوناً نافذاً، إلا أنه يحجب مساعدات التدريب العسكري عن السعودية ويواصل نمط إخضاع بعض المساعدات لمصر لشروط معينة.

وإذا لم يكن الكونغرس قادراً على التوافق حول التشريعات فيما يتخطى المجموعة المتنوعة من القوانين "الواجبة الإقرار"، من الممكن أن يسعى أعضاؤه منفردين إلى تأكيد مكانتهم بأشكالٍ أخرى، على غرار إصدار قرارات تعارض بيع الأسلحة وفرض شروط على المساعدات خلال عملية توزيع المخصصات، أو استغلال الترشيحات كعملية لممارسة الرقابة. ويمكن أيضاً أن يبحث الديمقراطيون في مجلس الشيوخ عن وسائل بديلة إذا تم منعهم من العمل من خلال الإجراءات النظامية في اللجان، على غرار إصدار التقارير وعقد جلسات سرية غير رسمية.

وفي الوقت الراهن، يناقش مجلس الشيوخ الأمريكي «قانون تعزيز أمن أمريكا في الشرق الأوسط»، بينما أعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إليوت إنجل (ديمقراطي من ولاية نيويورك) أن جلسة الاستماع الأولى التي ستعقدها لجنته ستركّز على السياسة الأمريكية في شبه الجزيرة العربية.

بيد، هناك بعض المسائل تستدعي المراقبة عن كثب. ففيما يتعلق بإسرائيل، كانت جوانب مختلفة من العلاقة مثيرة للانقسام في التكتل الديمقراطي. وفيما يخص إيران، لطالما كانت مسألة تعزيز الإجراءات العقابية ضد النظام تلقى تأييد كلا الحزبين، ولكن هذا الإجماع تبدد في أعقاب انسحاب واشنطن بشكل فردي من الاتفاق النووي. وقد يحاول أعضاء الكونغرس إعادة هذا التوافق الحزبي على خلفية رعاية طهران للإرهاب، وبرنامج صواريخها البالستية، وسجل انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ولكن حتى هذه الخطوة ستكون صعبة للغاية نظراً للتباين الحاد في وجهات النظر بشأن الملف النووي. وفيما يتعلق بسوريا، كانت الجبهتان اليمينية واليسارية من مؤسسة السياسة الخارجية موحدتين إلى حدٍّ كبير بشأن معارضة إعلان الإدارة الأمريكية عن الانسحاب العسكري.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، صوّت الكونغرس على القضايا المتعلقة بالسعودية واليمن أكثر من أي قضية أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط. وقد أدى تعامل الإدارة الأمريكية مع نزاع قطر في عام 2017 ومقتل خاشقجي في العام الماضي إلى قيام أعضاء من كلا الحزبين بتبنّي مواقف عدائية كوسيلة للتعبير عن قلقهم.

وأخيراً، حين أقرّ الكونغرس «قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات» عام 2017، فرض عقوبات واضحة وإلزامية على حكومات المنطقة التي تشتري أسلحة من روسيا أو تُوقّع معها اتفاقيات تجارية أو استخباراتية. فمع اتخاذ أمريكا خطوات ظاهرة للحد من دورها في المنطقة، توجّهت أنظار العديد من الدول نحو موسكو سعياً لملء الفراغ. ولذلك قد تضطر إدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت ستفرض عقوبات على هذه الدول - لا سيما وأن بعضها شريكٌ للولايات المتحدة - إذا ما سعت إلى عقد اتفاقيات أعمق مع روسيا.

دينيس روس

يحاول الأمير محمد بن سلمان استبدال الوهابية بالقومية سعياً منه لتعزيز شرعيته. وفي ضوء هذا التحوّل، ليس من المستغرب أن تكون المملكة قد جابهت الإدانة الدولية على حادثة خاشقجي بردّ فعل قومي. وكشفت الاجتماعات الأخيرة مع السعوديين عن شعور قوي بأن بلادهم تتعرض حصراً لاستهداف غير منصف في ظل انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها دول أخرى في المنطقة، بما فيها إيران.

وعلى الرغم من تفاوت آراء السعوديين حول طريقة تعامل ولي العهد مع الموقف الذي أثاره مقتل خاشقجي، إلّا أنه يُنظر إليه على النطاق العالمي تقريباً على أنه محور التغيير في المملكة. فالعديد من المسؤولين والمواطنين السعوديين مقتنعون بأنه بدون الأمير محمد بن سلمان، ستحاول "قوى الظلام" إبطال الإصلاحات الأخيرة وإثارة اضطرابات كبيرة.

وفي دلالة أخرى على التغيير، تضم اللجنة الدائمة لإصلاح النظام التعليمي الأمين العام لـ "رابطة العالم الإسلامي" محمد العيسى الذي يحقق خطوات مبتكرة ومفيدة في التعامل مع الأديان الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، يتم التساهل في "نظام الوصاية" السعودي حيث لم تعد المرأة بحاجة إلى موافقة الرجل للتقدم من أجل الحصول على وظيفة أو طلب قرض مصرفي.

يجدر بإدارة ترامب اتخاذ عدة خطوات لتحسين العلاقة مع الرياض لا سيما وأن الغضب يسيطر على الأجواء في "مبنى الكابيتول" (الكونغرس الأمريكي). يتعيّن عليها المطالبة بشفافية المحاكمات في مقتل خاشقجي، بالإشارة إلى تحمل الأمير محمد بن سلمان مسؤولية انحراف السياسة عن مسارها وأن يبيّن التغيير في تعاطي الحكومة مع المنشقين. ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يشجعوه أيضاً على العودة إلى مسيرته الإصلاحية السابقة، على الرغم من أن ذلك قد يكون صعباً في الوقت الذي لا تزال تُزجّ فيه الناشطات في السجون.

وفيما يتعلق بالكارثة الإنسانية في اليمن، يجب على الرياض أن تغيّر الرواية المتداولة عن الأحداث. فقد تم تشويه سمعة الأمير محمد بن سلمان بسبب ما يحدث، لكن الحقيقة هي أن الثوار الحوثييين يواصلون لعب دور رئيسي في استمرار الوضع على هذا الحال. لذا يجب على السعوديين اقتراح اتفاق محدود زمنياً لوقف إطلاق النار من جانب واحد - على أن يكون قابلاً للتمديد إلى أجلٍ غير مسمّى إذا تجاوب معه الحوثيون، وأن يتم تحميلهم المسؤولية إذا لم يفعلوا ذلك. وعلى الرغم من انتهاك الحوثيين مراراً الاتفاق المحدود لوقف إطلاق النار في الحديدة، فإن الاقتراح السعودي بتوسيع نطاق هذا الاتفاق قد ينجح في التأثير على وجهات النظر والواقع في اليمن.

وفي المقابل، يشعر مسؤولو الأمن في إسرائيل منذ بعض الوقت بأنهم يتعاملون بمفردهم إلى حد كبير مع التهديد الإيراني في سوريا، وجاء إعلان الرئيس ترامب عن سحب القوات الأمريكية ليزيد من حدة هذا الشعور. واليوم يبدو أن إسرائيل وإيران تجسّان نبض إحداهما الأخرى بشأن القواعد الأساسية التي ستطبَّق في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي. فقد كان "الجيش الإسرائيلي" قد حدّ من عملياته في سوريا على مدى أشهرٍ بسبب الضغوط الروسية، ولكنه نفّذ غارتين بعد إعلان ترامب بالانسحاب من سوريا. ورداً على ذلك، أطلقت إيران صاروخاً ذي حمولة ثقيلة من قاعدة سورية فاعترضته منظومة الدفاع الإسرائيلية المعروفة باسم "القبة الحديدية". وبالتالي فإن احتمالات التصعيد عالية جداً - إذ تبدو حكومة طهران مصممة على نشر صواريخ دقيقة في سوريا ولبنان، بينما تبدو حكومة القدس عازمة على منعها من القيام بذلك. وإذا نشب نزاعٌ جديد تسبّب بسقوط عشرات آلاف الصواريخ والقذائف على إسرائيل، فقد يجد "الجيش الإسرائيلي" نفسه ملزماً بمهاجمة إيران. لذلك إذا أرادت واشنطن إقناع روسيا بضرورة بذل المزيد من الجهود للحد من قيام إيران بنشر أسلحة دقيقة، عليها أن تُفهم موسكو أن القوات الأمريكية قد تعود إلى سوريا إذا ما اندلع مثل هذا النزاع.

 

أعدت هذا الموجز جو-آن إستس.

أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".