أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

يجب ألا تضيع السياسة الخارجية في حملة الانتخابات الإسرائيلية

ديفيد ماكوفسكي و دينيس روس

متاح أيضاً في English

"يديعوت احرونوت"

2 كانون الثاني/يناير 2019


من البديهي في السياسة أن تدور الانتخابات حول المستقبل، وليس حول الماضي فقط. وفيما يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بما أنه تلوح في الأفق إمكانية إصدار لوائح اتهام ضد رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، فسوف يرغب الكثير من الناخبين في النظر فيما إذا كان بإمكان نتنياهو الاضطلاع بمسؤوليات المنصب في الوقت الذي يخصص فيه أيضاً وقتاً واهتماماً كبيرين للصعوبات القانونية التي يواجهها. وبغض النظر عن كيفية الإجابة عن هذا السؤال، ستظهر أسئلة أساسية أخرى تتناول تحديات الأمن القومي التي يجب معالجتها. وتلك الأسئلة، التي من المفهوم أنها تكمن في صلب مخاوف الشعب الإسرائيلي تاريخياً، يجب طرحها على نتنياهو ومنافسيه آفي غباي، وبيني غانتس، ويائير لابيد، وآخرين في يسار الوسط.

في البداية، بينما كان دعم إدارة ترامب لإسرائيل مهماً على الصعيد الدبلوماسي والرمزي، إلّا أنها تركت إسرائيل بمفردها إلى حد كبير عندما تعلق الأمر بالتعامل مع تحديات إيران في سوريا ولبنان وإدارة الروس. ومع تبني موسكو الآن سياسة أكثر صرامة تجاه حرية تصرف إسرائيل في سوريا ولبنان، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يقترح نتنياهو ومرشحون آخرون التعامل مع الروس؟

يتسم هذا التحدي بخطورة خاصة لأن انسحاب إدارة ترامب من سوريا يشير إلى الجميع، بمن فيهم الروس، إلى أن الإدارة الأمريكية لا ترى أي مصلحة في سوريا بغض النظر عمّا إذا كان من المحتمل أن يواجه كل من الأردن وإسرائيل تهديدات مدعومة من إيران من الأراضي السورية. وتاريخياً، كان يوجد تفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة، يتمثل بتعامل إسرائيل مع التهديدات التي تواجهها في المنطقة، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع التهديدات الناشئة عن القوى الخارجية. ويبدو أن ذلك لم يعد ساري المفعول مع إدارة ترامب، لذا يتعين على قادة إسرائيل التعامل مع واقع جديد في المنطقة التي تنوي الولايات المتحدة أن تقلص دورها فيها، وذلك حتى في الوقت الذي تصبح فيه روسيا أكثر حزماً في ملء الفراغ.

صحيح، أن رئيس رئيس الوزراء الإسرائيلي أو منافسيه لا يريدون على الأرجح الإقرار علناً بواقع الدور الأمريكي المتضائل وانعكاساته على إسرائيل، لكنهم يستطيعون معالجة ما قد تحتاج إسرائيل إلى القيام به بمفردها بالنظر إلى تزايد أهمية روسيا في المنطقة وانتقاداتها الجديدة للعمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان. وربما كان رئيس الوزراء ضيف الشرف لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شهر أيار/مايو الماضي في موسكو للاحتفال بالانتصار على النازيين، ولكن الروس يصفون الآن الضربة الإسرائيلية الأخيرة في سوريا بالاستفزازية، ويعتبرون تحليقات الطائرات الإسرائيلية فوق أراضي لبنان انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 - وذلك حتى مع كشف إسرائيل عن نفق خامس حفره «حزب الله» داخل أراضيها. لذا فإن العلاقة مع بوتين تبدو أكثر إشكالية، وحافز روسيا لممارسة نفوذها هو أكبر الآن، لا سيما وأنه لا حاجة لها إلى القلق بشأن الولايات المتحدة.

ويقيناً، لا تشكل سوريا التحدي الوحيد المتعلق بإيران والقريب من حدود إسرائيل. فوسط مخاوف مفهومة حول صواريخ «حزب الله» البالغ عددها 130,000  صاروخ، امتنعت إسرائيل عن مهاجمة منشآت الحزب الخاصة بالصواريخ الدقيقة التوجيه في لبنان والتي يستخدمها لتطوير هذه الصواريخ لتصبح أكثر دقة. ومع ذلك، لا تستطيع إسرائيل حقاً العيش مع امتلاك «حزب الله» لصواريخ عالية الدقة ومع قدرته على شن هجمات ساحقة على أهداف استراتيجية اقتصادية وعسكرية إسرائيلية عالية القيمة. والسؤال هو ما الذي يجب أن تفعله إسرائيل؟

بالطبع، تكمن القضية الرئيسية المتعلقة بإيران فيما إذا كانت طهران ستجدد برنامجها النووي. فقد انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق النووي، ويؤدي نهجها المتمثل في إعادة فرض العقوبات إلى خلق ضغوط اقتصادية كبيرة جداً على إيران. ولكنه لم يغير أي سلوك إيراني - فطهران لا تزال عدائية في المنطقة، لذا يجب على إسرائيل أن تركز على مواجهة هذا الوضع حيثما أمكن. ولكن ما الذي يحدث إذا انسحب الإيرانيون من الاتفاق النووي، واستأنفوا أنشطة التخصيب، وقلّصوا وقت الاختراق إلى أسابيع؟ يبدو أن نهج ترامب مبني بشكل أساسي على العقوبات والضغط الاقتصادي والشيء القليل فيما عدا ذلك. فكيف سيتعامل كل مرشح إسرائيلي للانتخابات القادمة مع انسحاب إيراني من الاتفاق النووي واحتمال محافظة إدارة ترامب على نهجها الحالي؟

وماذا عن غزة؟ هل لدى رئيس الوزراء ومنافسوه بديل عن النهج الحالي؟ لا أحد يرغب في العودة إلى غزة، لكن هل أنّ واقع الاندلاع الدوري للاشتباكات خلال العقد الماضي، الذي غالباً ما دفع مليون إسرائيلي في الجنوب إلى الملاجئ، هو الوضع الطبيعي الجديد؟ وهل من المحبّذ التوصل إلى اتفاق أكثر ديمومة لوقف إطلاق النار مع «حماس»؟ وهل ذلك ممكن دون إعادة بناء البنية التحتية في غزة؟ لقد فضلت مؤسسة الأمن الإسرائيلية السماح بالعمل في مشاريع البنية التحتية - الكهرباء والماء ومعالجة مياه الصرف الصحي - ولكن ليس لأسباب إنسانية فحسب، بل لأنها توفر لأهل غزة ما يخسرونه [وذلك من شأنه] أن يقلل من احتمال حدوث تصعيد جديد. فما هو البديل لهذا النهج؟ وإذا لا يوجد بديل، فلماذا لم يتم المضي قدماً فيه؟

أما بالنسبة لعملية صنع السلام الفلسطينية، فلا يبدو أن هناك أ أي اتفاق نهائي على المدى القريب. ولكن، بينما قد يكون الرئيس ترامب عازماً على تقليص دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أنه ما زال يبدو ملتزماً بتقديم خطته للسلام. وحتى لو كان القادة العرب الرئيسيون أقل ميلاً إلى الاستجابة إلى ترامب إذا رأوا أنه ينسحب من المنطقة، فإن الإدارة الأمريكية تريد من هؤلاء القادة الاعتراف بجدية الخطة. وهذا صحيح لا سيّما في وقت لا يوجد فيه اتصال بين هذه الإدارة والرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية.

ومع ذلك، تَظهر فرصة ضئيلة لكسب اعتراف الشعب العربي بجدية الخطة دون تناولها موضوع إقامة دولة [فلسطينية] أو الأحياء العربية الرئيسية في القدس الشرقية. ينبغي أن يُسأل رئيس الوزراء نتنياهو الذي قال إنه يرغب في ائتلاف مماثل للائتلاف الحالي، وكذلك التابعين لليسار الوسط، عما إذا كان من الممكن الاستجابة بشكل إيجابي لخطة ترامب من دون حكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة. وفي الواقع، إذا كان ما قالته [مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة حتى نهاية 2018] نيكي هايلي في خطاب وداعها صحيحاً - بأن الإسرائيليين والفلسطينيين سيكونوا ممتنين من أجزاء من الخطة وسيكرهون أجزاءً أخرى، فهل ستتمكن حكومة يمينية ذات قاعدة ضيقة القبول بهذه الخطة حتى مع بعض التحفظات؟ وهل ترمي الاستراتيجية الإسرائيلية إلى ما هو أكثر من مجرد التخطيط لجعل عباس يرفض الخطة لكي لا تكون إسرائيل مسؤولة عن رفضها؟

إذا تم تقديم خطة ترامب من دون الوصول إلى نتيجة - وهو احتمال واضح - فما هي سياسة رئيس الوزراء ومتحديه تجاه الفلسطينيين؟ إذا لم يبرز أي احتمال مبكر للتوصل إلى اتفاق، هناك خطر انزلاق إسرائيل ببساطة نحو التحوّل إلى دولة ثنائية القومية. ينبغي سؤال كل مرشح عمّا سيفعله لضمان عدم تحوّل إسرائيل إلى دولة ذات قوميتين.

وأخيراً، ما هي سياسة كل مرشح تجاه الحفاظ على العلاقات مع يهود أمريكا ومع الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة - علماً بأن ولاية الرئيس ترامب قد تنتهي في غضون عامين؟ من الواضح أن العلاقات الحالية للإئتلاف الحكومي الإسرائيلي متوترة مع كل من الديمقراطيين والشرائح اليهودية غير الأرثودوكسية في الولايات المتحدة. فكلاهما ضروري للحفاظ على العلاقة مع أمريكا. وهناك عامل معيّن يتم التغاضي عنه عموماً في إسرائيل وهو: أن الجالية اليهودية الأمريكية قد لعبت دوراً أساسياً في ضمان العلاقات القوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن بينها الالتزام الأمريكي بتقديم مساعدات عسكرية بقيمة 38 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة. وهذا التزام ورثه ترامب من سلفه أوباما. لذا، هل يدرك جميع المرشحين وجود مشكلة مع اليهود الأمريكيين، وإذا كان الأمر كذلك، ما الذي سيفعلونه حياله؟

بغض النظر عن القضايا الداخلية، تستحق هذه المواضيع أن تُبثّ وتناقش قبل موعد الانتخابات. نأمل أن يحدث ذلك.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز ومدير "مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط" في معهد واشنطن. وقد شغل سابقاً منصب مستشار سياسي بارز في مكتب وزير الخارجية الأمريكي. دينيس روس هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، ومستشار أقدم سابق لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض. وقد نُشرت هذه المقالة في الأصل في صحيفة "يديعوت أحرونوت".