أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3276

تصعيد الهجمات الحوثية في اليمن: خيارات الولايات المتحدة

الكسندر ميلو و مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

6 آذار/مارس 2020


في الثاني من آذار/مارس، استولى المتمردون/الثوار الحوثيون في اليمن على عاصمة محافظة الجوف في المرحلة الأخيرة من حملة دامت خمسة وأربعين يوماً على جبهات متعددة. وتُظهِر الهجمات، الناجمة عن التحولات التي طرأت على التوازن العسكري المتزايد الهشاشة في البلاد منذ الخريف الماضي، أن المملكة العربية السعودية لا تقدم الدعم الكافي على الخطوط الأمامية لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً وحلفائها، وتفشل في الوقت نفسه في استكمال محادثات السلام الخلفية مع الحوثيين. وما لم تؤتِ المحادثات ثمارها أو تتم السيطرة على الحوثيين عسكرياً، ستستمر قوات المتمردين/الثوار في استخدام ترسانتها المتزايدة الحجم من الأسلحة الإيرانية المتطورة لاستغلال ضعف الحكومة وشن المزيد من الهجمات.

الحوثيون يستغلون تأخير عملية السلام

أدت عملية ستوكهولم التي أطلقتها الأمم المتحدة في عام 2018 إلى انخفاض محمود في القتال، كما فعلت التحركات السعودية -الحوثية نحو تخفيف التصعيد في أيلول/سبتمبر الماضي. لكن في الوقت نفسه، استغل الحوثيون بقوة هذه المساعي الدبلوماسية المطوّلة وما يتصل بها من انسحاب عسكري لدولة الإمارات العربية المتحدة من أجل تغيير التوازن العسكري لصالحهم.

وفي النصف الأول من عام 2018، كان الحوثيون يواجهون هجمات حكومية مدعومة من الخليج في حوالي 12 موقعاً، في حين منعتهم الحملة الجوية للتحالف من حشد قوات هجومية كبيرة على أي جبهة كانت. غير أن الانخفاض الشديد في هذه الضغوط خلال الأشهر القليلة الماضية مكّن المتمردين/الثوار من استعادة قدرتهم على التحرك وتنفيذ العمليات لأول مرة منذ عام 2015. ووفقاً لـ "مشروع بيانات اليمن"، انخفض عدد الضربات الجوية للتحالف من 385 ضربة شهرياً في المتوسط في النصف الأخير من عام 2018 إلى 75 ضربة شهرياً في النصف الأخير من عام 2019؛ وبالتوازي مع ذلك، أوقفت الحكومة جميع عملياتها الهجومية تقريباً منذ مغادرة القوات الإماراتية العام الماضي.

وفي خضم هذا الهدوء، نقل الحوثيون قواتهم من جبهة إلى أخرى لتحقيق التفوق على الصعيد المحلي، ثم شنوا هجمات ناجحة في محافظات الجوف (آذار/مارس 2019، شباط/فبراير 2020)، والضالع (آذار/مارس و أيار/مايو 2019)، وصعدة (آب/أغسطس 2019)، ومأرب (تموز/يوليو 2019 وكانون الثاني/يناير 2020)، والبيضاء (كانون الثاني/يناير 2020). وخلال هجوم صعدة، طوّقوا عناصر من ثلاثة ألوية تابعة للجيش اليمني، وحاصروا وحدات من "الحرس الوطني السعودي" في منطقة كتاف الواقعة على بعد حوالى 25 كم جنوب الحدود السعودية؛ وقُتل ما يقارب من 200 عنصر من القوات الحكومية وأُسر أكثر من 1300 جندي (تم أيضاً أسر عدد غير معروف من الأفراد السعوديين). ومؤخراً، خسرت الحكومة معقلاً دفاعياً شديد التحصين في منطقة نهم الجبلية بين مأرب وصنعاء في كانون الثاني/يناير. وتبعتها الحزم، عاصمة الجوف وموطن ما يقرب من 30 ألف شخص في وقت سابق من هذا الأسبوع.

لماذا تُعد هجمات الحوثيين أكثر فاعلية الآن؟

على الرغم من أن الحوثيين كانوا دائماً مدافعين صارمين، إلا أنهم لم يكن لديهم سجل حافل في الهجمات بين عامي 2015 و2018، عندما كان التحالف الخليجي يولي اهتماماً شديداً للخطوط الأمامية ويوفر دعماً قوياً من الجو/المدفعية فضلاً عن دفاعات صاروخية. وكانت محاولات الحوثيين السابقة للخروج من مناطقهم الأساسية إلى أرض مستوية أو لطرد القوات الحكومية من المواقع الجبلية المحصنة حول منطقة نهم قد أُحبطت مراراً وتكراراً بفعل الغارات الجوية التي شنتها قوات التحالف وأسفرت عن وقوع خسائر فادحة في صفوف المتمردين/الثوار.

ولكن منذ منتصف عام 2019، تم إضعاف القوات الحكومية إلى حد كبير بسبب الانخفاض الحاد في الضربات الجوية التي شنتها قوات التحالف وانسحاب العناصر "الداعمة" الإماراتية الرئيسية ــ وعلى وجه التحديد، الطائرات الهجومية والاستطلاعية ووحدات التحكم في الهجمات المشتركة على المحطات (JTAC) عبر ساحات القتال كافة، فضلاً عن الدفاعات الجوية باتريوت/ بانتسير في مأرب وعدن. وقد أدى هذا الانخفاض إلى تخفيف الضغوط العسكرية على الحوثيين، وقلل من استجابة الدعم الجوي القريب الذي كان متاحاً في السابق عند الطلب للقوات الحكومية في الخطوط الأمامية.

وهناك مشكلة أخرى متزايدة تتمثل في القتال الداخلي بين ميليشيا" المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي والقوات الموالية للرئيس هادي وجنرالاته التابعين لحزب "الإصلاح". فمنذ أن استولى "المجلس الانتقالي الجنوبي" على محافظة شبوة الغنية بالنفط في آب/ أغسطس، اضطرت الحكومة إلى الاحتفاظ بحامية عسكرية إضافية مؤلفة من سبعة ألوية للتعامل مع ما تبقى من التمرد الجنوبي. كما عملت على تدفق عناصرها من احتياطي قواتها في مأرب باتجاه محافظة أبين، وهي جبهة جنوبية أخرى يسودها التوتر مع "المجلس الانتقالي الجنوبي". واستمر هذا التدفق على الرغم من الضغوط الحوثية المتنامية في مأرب والجوف. وعلى الرغم من إعادة قوات إضافية من قوات هادي إلى مأرب بعد الهزيمة في عدن في الصيف الماضي، إلّا أنها خسرت معداتها الثقيلة في تلك الحملة، وجرى التعويض عنها إلى حد بعيد بنقل قوات ومعدات وذخيرة أخرى بعيداً عن مأرب.

وفي غضون ذلك، عمل الحوثيون بتماسك وتطور عسكري متزايد منذ أواخر ربيع عام 2019، كما يتضح من الخصائص التالية:

  • التحوّل السريع لقوات النخبة بين جبهات مختلفة. على الرغم من تداخل بعض هجمات المتمردين/الثوار، إلا أنّ معلومات مفتوحة المصدر وتقارير ميدانية عسكرية من قوات التحالف والجيش اليمني تشير إلى أنه يجري نقل كوادر محدودة من القادة التكتيكيين، ومقاتلين من الصف الأول، ومستشارين من «حزب الله» اللبناني، وأسلحة خاصة يجري تحويلها من نقطة هجوم إلى أخرى.
  • زيادة استخدام الضربات الصاروخية الدقيقة وضربات الطائرات المسيّرة. منذ تموز/ يوليو الماضي، أطلق الحوثيون مراراً وتكراراً صواريخ تكتيكية دقيقة بعيدة المدى (على سبيل المثال، "بدر-P1") وطائرات بدون طيار متفجرة تكتيكية على أهداف للقيادة العسكرية المحلية في بداية هجماتهم. وقد حصل ذلك تسع مرات على الأقل على جبهة مأرب والجوف، مع توجيه ضربات دقيقة على موقع محافظ مأرب سلطان العرادة ووزير الدفاع محمد المقدشي (الذي أصيب بجروح طفيفة). ويبدو أن الدفاعات الصاروخية السعودية لم تبذل أي جهد للتصدي لهذه الضربات.
  • استغلال التصدّع في العلاقات القبلية. تمكّن الحوثيون، على نحو يعكس مهارتهم في رصد توزع الجنود في ساحات القتال في اليمن، من تشتيت المليشيات المتحالفة مع الحكومة بشكل فعّال أثناء الهجمات التي شنتها في البيضاء، ومأرب، والجوف، وحجة.

تعزيز دفاعي. أظهر المتمردون/الثوار قدرة كبيرة على تعزيز مكاسبهم الإقليمية الجديدة بسرعة عبر حقول ألغام تكتيكية، حيث زرعوا شبكات كبيرة من العبوات الناسفة الخارقة، مما أحبط الهجمات المضادة التي شنتها الحكومة. وقد كشفت عمليات الاعتراض الأمريكية المستمرة للسفن المتجهة إلى الحوثيين عن دعم حيوي آخر لهذا التعزيز، بما في ذلك أنواع جديدة من الصواريخ المضادة للمروحيات الإيرانية الصنع وصواريخ مضادة للطائرات ومخزونات كبيرة من الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات.

إحداث شقاق بين الحوثيين وإيران

على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست طرفاً مقاتلاً في الحرب، إلا أنه لديها مصلحة قوية في إضعاف العلاقات المتنامية بين الحوثيين و«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله». وفي الثالث من كانون الثاني/ يناير، شنت القوات الأمريكية ضربة غير ناجحة في اليمن ضد رضا شهلايي (عبد الرضا شهلائي)، كبير مستشاري المتمردين/الثوار التابع لـ «الحرس الثوري»، ومن الضروري بذل جهود متضافرة على الجبهة الدبلوماسية للقضاء على هذه الروابط بشكل أكبر (انظر القسم التالي).

إن المشاكل التي تطرحها هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن. فطالما استمرت إيران في تسليح المتمردين/الثوار في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، فسوف يزداد التهديد الحوثي لدول المنطقة الأخرى، من المعاقل الصناعية والمراكز السكانية في دول الخليج وإسرائيل إلى الممرات البحرية لمضيق باب المندب، قناة السويس، المحيط الهندي، والقرن الأفريقي. ففي الحادي والعشرين من شباط/ فبراير، على سبيل المثال، هاجم الحوثيون منشآت نفطية سعودية تابعة لـ "آرامكو" في ينبع باستخدامهم اثني عشر طائرة بدون طيار بعيدة المدى من طراز "صمد 3" وصاروخان كروز من طراز "القدس"، وهي منظومات متطورة يعتقد الخبراء أن إيران زودتها إليهم وأُعطيَت أسماء حوثية جديدة.

أما بالنسبة للتهديد البحري، فقد تم اعتراض نماذج إيرانية من الصاروخ المتطور "C-802" المضاد للسفن وهي في طريقها إلى الحوثيين في كانون الثاني/ يناير. وفي 4 آذار/ مارس، تعرضت ناقلة نفط سعودية بالقرب من ميناء نشطون اليمني لهجوم باستخدام عدة قوارب متفجرة من دون ربّان جرى إطلاقها من سفينة أم، وهذا نموذج محسّن من التكتيك الذي يستخدمه الحوثيون منذ عام 2016، ولكن من الممكن إطلاقها حالياً من مسافة تزيد عن 800 ميل من موانئهم على البحر الأحمر.

إعمل على تجميد الخطوط الأمامية، كن دقيقاً في محادثات السلام

بما أن القتال في اليمن وطّد الروابط بين «الحرس الثوري» الإيراني والحوثيين، فمن مصلحة أمريكا الاستراتيجية إنهاء الحرب - ولكن ليس بانتصار الحوثيين. وسيتبنى المتشددون الحوثيون المدعومون من إيران موقفاً أكثر تعنتاً إذا استمروا في عدم دفع أي ثمن لهجماتهم المنتظمة الناجحة. لذلك، على الولايات المتحدة بذل قصارى جهدها للتعجيل بالدبلوماسية السعودية وإبطاء التقدم العسكري للمتمردين/الثوار.

ويشمل ذلك العمل على نحو أكثر إلحاحاً مع الرياض لصياغة عرض واضح موازٍ يقدّم للحوثيين، ويطالبهم بالحدّ من علاقاتهم مع إيران بشكل كبير، مع تقديمهم تعويضات حقيقية في أشكال غير ملموسة (الاحترام والاعتراف والطمأنينة) وملموسة (إعادة الإعمار، وقف إطلاق النار) على حد سواء. وإذا استمر السعوديون في التردد، فستستمر الفصائل اليمنية المفسدة من كلا الجانبين في محاولاتها الاستفادة من الحرب من خلال إثارة الأعمال العدائية وتصعيدها.

وفي المقابل، يتعين على واشنطن أن تنصح السعودية على نحو خاص بإعادة تفعيل دعمها الدفاعي الجوي والمدفعي على الخطوط الأمامية. فذلك يمكن أن يساعد في التعويض عن المزايا التي يتمتع بها الحوثيون، واعتراض عمليات إعادة نشر القوات الحوثية، وتجميد الخطوط الأمامية، واستعادة بعض القدرات الدفاعية لحكومة هادي.

ويتطلب الأمر كثيراً تجديد الدور الذي يلعبه الإماراتيون. فبالإضافة إلى تعزيز الحملة الجوية، ينبغي تشجيع الإمارات على تعزيز الدفاعات الجوية السعودية باستخدام أنظمة صواريخ "باك-3" ("PAC-3") من الدرجة الأولى في مأرب، وهي مهمة منخفضة المخاطر وعالية المردود من شأنها أن تُطمئن القيادات العسكرية المحلية وتحمي في الوقت نفسه البنية التحتية الرئيسية للنفط والغاز في المحافظة.

ولن تؤدي أي من هذه الخطوات إلى إلحاق الضرر بالقوات الأمريكية، بل توفر وسيلة مدروسة لمنع إيران من منح الحوثيين المزيد من الانتصارات في ساحة المعركة.

 

الكسندر ميلو هو محلل الأمن الرئيسي في شركة استشارية رائدة في مجال المخاطر. مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن. وقام كلا المؤلفين بزيارة اليمن ودول التحالف الخليجية في مناسبات متعددة وراقبوا العمليات العسكرية في مجموعة متنوعة من الجبهات.