- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4221
تهدئة التوقعات الأمريكية إزاء الحكومة العراقية الجديدة
تُبدي طهران حماساً لرئيس الوزراء الجديد لا يقل عن حماس واشنطن، في مؤشر إلى أن الوضع القائم في بغداد، الذي تهيمن عليه الميليشيات، سيكون عسيراً وبطيئاً في التغيير، إن تغيّر أصلاً.
في الرابع عشر من مايو، هنّأ المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك رئيسَ الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بتشكيل حكومته، مشيراً إلى أن إدارة ترامب "مشجّعة" بـ"قيادته المتجددة"، وتتطلع إلى التعاون معه في "أهداف مشتركة" كمكافحة الإرهاب وبناء عراق "في سلام مع جيرانه". وصدى مديح باراك يُحاكي إعلان الرئيس ترامب في أبريل بأن تعيين الزيدي يمثّل "بداية فصل جديد رائع بين بلدينا". غير أنه في السابع عشر من مايو، أطلقت عناصر ميليشياوية عراقية وابلاً من الطائرات المسيّرة باتجاه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأصابت الأخيرة في موقع براكة النووي.
واستهداف دول الخليج من قِبل الفصائل المدعومة إيرانياً التابعة لقوات الحشد الشعبي العراقي ليس بالأمر الجديد. فهذه المنظمات التي تُصنّفها الولايات المتحدة إرهابية تواصل إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو شبه الجزيرة العربية منذ اندلاع الحرب مع إيران، كما طالت هجماتها طوال سنوات الكوادرَ العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في العراق، قبل أن تتوسع لتشمل المنشآت الأمريكية في مناطق أخرى من المنطقة.
وتشكّل هجمات الخليج تحدياً أول لاختبار الزيدي مع انطلاق ولايته. وسيكشف تطور استجابة بغداد مبكراً ما إذا كانت حكومته تعتزم رسم مسار سيادي جديد للعراق أم الاستمرار في سياسة الانصياع للفصائل الموالية لإيران.
واشنطن وطهران كلتاهما متحمستتان للزيدي
بعد خمسة أشهر من الانتخابات البرلمانية، توصّل الأطراف العراقيون الرئيسيون أخيراً إلى توافق حول رئيس وزراء جديد وغالبية أعضاء حكومته. وكان الزيدي خياراً مفاجئاً؛ فهو رجل أعمال شاب بارز لا خبرة سياسية له، ثروته مصدرها توريد السلع المدرجة في سلة الغذاء الحكومية المدعومة — وهي برنامج من حقبة صدام لا يزال يوفّر المواد الأساسية شهرياً لملايين العراقيين. كما امتلك مصرف الجنوب الإسلامي الذي حظر المصرفُ المركزي العراقي عام 2024 معاملاتِه بالدولار وسط ضغوط من وزارة الخزانة الأمريكية وادعاءات بصلات إرهابية.
وفي الوقت الذي تُبدي فيه واشنطن تفاؤلاً بحكومة الزيدي الجديدة، يبدو أن طهران تتقاسم معها الحماس ذاته. إذ أدلى عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين بتهانيهم للرئيس الجديد، وأعرب الرئيس مسعود بزشكيان عن أمله في أن تُرسّخ حكومة الزيدي "مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي" مع الجمهورية الإسلامية. كما حظي الزيدي بدعم موحّد من الإطار التنسيقي، الكتلة البرلمانية الشيعية التي تضم ممثلين عن منظمات إرهابية مصنّفة أمريكياً ومدعومة إيرانياً، كعصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء وكتائب حزب الله.
ملاحقة المشتبه بهم المعتادين
في الحادي والعشرين من مايو، أعلن الزيدي عزم حكومته فتح تحقيق في الهجمات "الإجرامية" بالطائرات المسيّرة على السعودية والإمارات. غير أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن قرار تشكيل "لجنة تحقيق نخبوية" اتُّخذ في اجتماعه الأول مع المجلس الوزاري للأمن الوطني — وهو الجهاز ذاته الشيعي الهيمنة الذي أجاز لفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران الردَّ بحزم على الضربات الأمريكية حين طالت بعض منشآتهم وكوادرهم في الأيام الأولى من حرب إيران.
وسينضم تحقيق الزيدي إلى عشرات التحقيقات الحكومية العراقية في هجمات الصواريخ والمسيّرات التي استهدفت الأكراد والمنشآت الأمريكية والدول العربية خلال فترة الحرب. وقد أعلنت "المقاومة الإسلامية في العراق" — الواجهة الجامعة لعدد من فصائل الحشد المدعومة إيرانياً المذكورة أعلاه — مسؤوليتها عن بعض هذه الهجمات على الأقل. ومع ذلك، لم يُسفر أيٌّ من التحقيقات الرسمية البغدادية حتى اليوم عن نتائج، رغم توافر خيوط واعدة على ما يبدو.
ولا شك أن السبب يكمن في استمرار هيمنة الموالين لإيران وللميليشيات على الجهاز الأمني والحكومة العراقية، مما يجعل المساءلة حدثاً نادراً للغاية. وقد تعهّد الزيدي باتخاذ "كل الإجراءات الأمنية والقانونية بحق المتورطين" — وهو تعهّد مبرّر بالنظر إلى ما قد يكون على المحك في علاقات العراق مع دول الخليج المستهدفة. بيد أنه، حتى لو كانت نيّاته صادقة، فمن غير المرجح أن يُحرز تقدماً يُذكر في إلقاء القبض على أي مشتبه بهم، ناهيك عن ملاحقتهم قضائياً. فالتنظيمات التي تقف وراء هذه الهجمات هي في الأصل أعضاء في ائتلافه الحاكم.
إيران تُضاعف رهانها على العراق
حتى الآن، لم يملأ الزيدي سوى أربعة عشر من ثلاثة وعشرين منصباً وزارياً، فيما لا تزال وزارات حساسة وبالغة الأهمية كالدفاع والداخلية شاغرة. وتترقّب واشنطن وطهران عن كثب هذه التعيينات نظراً لتداعياتها السياسية المحتملة.
والأبرز أن إدارة ترامب تضغط على العراق لجعل نزع سلاح الميليشيات المدعومة إيرانياً أولويةً، في حين تتصدى طهران لذلك. ففي زيارة روتينية أخرى لبغداد هذا الشهر، حذّر اللواء إسماعيل قاآني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، مجموعاتِ الإطار التنسيقي — وفق ما أُفيد — من "تقديم تنازلات للولايات المتحدة في مسألة نزع سلاح الميليشيات مقابل الحصول على المناصب الحكومية". وحتى الآن، يبدو أن وزيراً واحداً فقط من وزراء الزيدي ينتمي إلى الدائرة الميليشياوية، وهو وزير الاتصالات مصطفى سند المرتبط بحسب ما يُروى بكتائب حزب الله.
وقد باتت فصائل الحشد الشعبي العراقي ركيزةً أشد أهمية في شبكة الدعم الإيرانية الإقليمية في الشرق الأوسط، إثر تراجع قدرات وكيلها الأول، حزب الله اللبناني، جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية. وتحرص طهران على إبقاء الحكومة الجديدة موالية لإيران وللميليشيات. وحتى قبل الحرب الراهنة، سعت طهران إلى إعاقة الاستثمارات العربية الكبرى في العراق، خشية تقليص نفوذها وحضورها، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية السنية. وفي سبتمبر 2025، عرقلت كتل الإطار التنسيقي البرلمانية استثمارات سعودية تبلغ قيمتها ما يصل إلى مئة مليار دولار، كان كثير منها موجّهاً للمناطق السنية العراقية على طول الحدود المشتركة. وكانت الرياض تأمل في تأمين الحدود في مواجهة الميليشيات الشيعية وتوطيد علاقاتها بالسنة العرب العراقيين عبر الاستثمار.
وفي المقابل، استهدفت الميليشيات الشيعية والقوات الإيرانية مجتمعةً إقليم كردستان العراق بأكثر من ثمانمئة صاروخ ومسيّرة خلال فترة الحرب، غير أن ذلك لم يمنع الاتحاد الوطني الكردستاني ومقرّه أربيل، والحزب الديمقراطي الكردستاني المتمركز في السليمانية، من الانضمام إلى الحكومة العراقية المدعومة إيرانياً. كذلك انضم التكتل السياسي السني الرئيسي — تحالف تقدّم بقيادة محمد الحلبوسي — إلى الائتلاف الحاكم، على الرغم من أن محافظته الأم الأنبار كانت من بين المناطق التي حُرمت من مليارات الاستثمارات السعودية جراء التدخل الإيراني. ويبدو أن الأكراد والعرب السنة على حدٍّ سواء شعروا بأنهم لا يستطيعون تحمّل عواقب الوقوف خارج مظلة الحكومة العراقية الجديدة.
التوصيات السياسية
بعد أقل من شهر على تسلّمه مقاليد السلطة، لا يزال الحكم على علي الزيدي مُعلَّقاً. فالدولة العميقة في العراق قائمة، وهي في معظمها خاضعة للنفوذ الإيراني، مما سيجعل مسيرة مبتدئ في السياسة كالزيدي شاقة للغاية في محاولة قيادة السفينة نحو وجهة مغايرة، حتى لو كان على تلك النية.
فهو أولاً جاء إلى السلطة على الأرجح بدعم من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، القاضي المدعوم إيرانياً الذي يضطلع بدور صانع الملوك في بغداد في السنوات الأخيرة، ومن المرجح أن يواصل زيدان أداء دوره المحوري في التعيينات الرئيسية والنقاشات السياسية مستقبلاً، ولا سيما في ما يتصل بتوازن العراق بين واشنطن وطهران. يُضاف إلى ذلك أن رؤساء الوزراء العراقيين لا يقضون عادةً ولاية ثانية في الوقت الراهن — على ما يُرجَّح لأن الفصائل المهيمنة على بغداد تخشى أن يُنمّي القائد طويل الأمد في المنصب أفكاراً مستقلة، وقد يسعى إلى إصلاح بيروقراطية أبقوها متضخمة ومعطّلة عن قصد للإبقاء على الوضع الراهن.
وبغض النظر عن آفاقه على المدى البعيد، ينبغي لواشنطن أن تمنح رئيس الوزراء الزيدي مهلةً بضعة أشهر ليجد قدمَيه قبل الضغط عليه بشدة في ملف نزع سلاح فصائل الحشد الإرهابية. غير أنه حين تنقضي "شهر العسل"، لا ينبغي لإدارة ترامب أن تتردد في تطبيق تدابير صارمة، تشمل فرض عقوبات على الدولة وكبار مسؤوليها جراء استمرار تمويل المنظمات الإرهابية المصنّفة أمريكياً. وريثما تتخذ بغداد خطوات جدية لنزع سلاح هذه الجماعات، يجب أن يظل تجميدُ المساعدات الأمنية الأمريكية للحكومة العراقية قائماً. كما ينبغي لواشنطن أن تحثّ دول الخليج على تصعيد ضغطها الدبلوماسي على بغداد لمطالبتها باتخاذ إجراءات حازمة ضد وكلاء الميليشيات الإيرانية الذين استهدفوها. وفيما يُعدّ نزع السلاح مشروعاً بعيد المدى، يظل الحد الأدنى المطلوب من الزيدي وقفَ هذه الجماعات عن شنّ مزيد من الضربات على الدول العربية والكوادر الأمريكية والأكراد العراقيين وإسرائيل.
والواقع أن سلف الزيدي، رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لم يفعل في حقيقة الأمر شيئاً يُذكر لتقليص صلاحيات الميليشيات المدعومة إيرانياً. بل إن بعض تصرفاته أسهمت في تعزيز ترسّخها المؤسسي، لا سيما رسملة شركة المهندس العامة التي أتاحت لها التمويل الذاتي. ومع ذلك، وفي أواخر ولايته وبتشجيع أمريكي، بدأ السياسيون العراقيون والمواطنون على حدٍّ سواء يتداولون علناً الحديثَ عن تعزيز السيادة الوطنية ونزع سلاح الميليشيات.
وسيكشف الزمن وحده ما إذا كان الزيدي سيواصل هذا الزخم. ففي مستهل ولايته، لا تزال الدولة العراقية بعيدة كل البعد عن امتلاك الصلاحية الحصرية في قرارات الحرب والسلم؛ إذ تبقى، شأنها شأن لبنان، رهينةً لهيمنة الميليشيات المدعومة إيرانياً. فضلاً عن ذلك، قد يفضي انتهاء حرب إيران إلى الإفراج عن مليارات الأصول المجمّدة لطهران، مما قد يمنح هذه الميليشيات دفعةً أقوى ويُضاعف صعوبة اقتلاعها. بيد أنه إن عجز الزيدي عن اتخاذ الحد الأدنى من الإجراءات للجم هجماتها الخارجية، فستُلحق هذه الجماعات حتماً ضرراً بالغاً بعلاقات بغداد مع واشنطن والدول العربية، وستُعيق التنمية الاقتصادية العراقية، وستُفضي إلى مزيد من الضربات العسكرية الأجنبية على الأراضي العراقية.