- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4286
تحديات قطاع الطاقة في العراق في خضم أزمة مضيق هرمز
يمثل التعافي الأخير في صادرات النفط الخام تطوراً إيجابياً، لكنه لا يزال جزئياً، فيما لم يجد المسؤولون بعد حلولاً للمشكلات المالية والإدارية والأمنية الأوسع التي تعرقل قطاع الطاقة العراقي
خلال الشهرين الماضيين، بدأت صادرات العراق من النفط الخام عبر محطات التصدير الجنوبية في البصرة تتعافى تدريجياً من توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بسبب الحرب. وشكل هذا التعافي نبأ ساراً لبغداد، التي تعتمد ميزانيتها اعتماداً كبيراً على عائدات النفط، ولا سيما لتمويل رواتب موظفي القطاع العامالمتزايدة باستمرار. لكن مؤشرات التعافي لا تزال جزئية، ولا ينبغي اعتبارها حلاً شاملاً للتحديات المزمنة التي تواجه قطاع الطاقة في البلاد، والتي قد تؤدي تداعياتها بسهولة إلى إثارة استياء شعبي وتغييرات وزارية. فالعراق، أحد أكبر منتجي النفط في منظمة "أوبك"، لم يستعد بعد مستويات صادراته عبر البصرة التي كانت سائدة قبل الحرب، ومن المرجح أن تظل هذه الصادرات متقلبة إذا استمرت الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز والممرات المائية المحيطة به في التصاعد. وقد وقع ما لا يقل عن 28 هجوماً خلال تشرين الأول/أكتوبر حتى الآن؛ وللاطلاع على تفاصيل هذه الحوادث، انظر أداة تتبع الهجمات البحريةالتابعة لمعهد واشنطن. وقد فاقمت الحرب بالفعل مشكلات الطاقة المزمنة في العراق، وهو ما يستدعي اهتماماً أمريكياً أكبر بهذا الملف في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحويل العلاقات الثنائية من التركيز على الأمن إلى شراكة تقوم على التعاون الاقتصادي.
تقلبات الصادرات والتحديات المالية
تشير تقديرات حكومية وأخرى صادرة عن القطاع الخاص إلى أن متوسط صادرات النفط عبر البصرة تراوح بين 2.4 و2.6 مليون برميل يومياً في أيلول/سبتمبر، مع تزايد عدد الناقلات التي تحمل شحنات النفط من مواقع في عمق الخليج العربي. ويمثل ذلك تعافياً ملحوظاً مقارنة بآذار/مارس، حين تراجعت الصادرات إلى أقل من مليون برميل يومياً، وتموز/يوليو، حين استقرت عند نحو 1.3 مليون برميل يومياً. وربما نقلت سفن أخرى بضع شحنات إضافية من النفط الخام أثناء إبحارها بعد إيقاف تشغيل أنظمة التعرف الآلي (AIS) الخاصة بها. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام جميعها أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، إذ بلغت الصادرات نحو 3.4 مليون برميل يومياً في شباط/فبراير.
وكان لهذه التطورات تأثير كبير على الميزانية. ففي شباط/فبراير، قدرت عائدات صادرات النفط بنحو 6.8 مليارات دولار شهرياً، لكنها انخفضت بشدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب، لتصل إلى نحو 1.5 مليار دولار في حزيران/يونيو. وتشير أحدث الأرقام الرسمية إلى أن العائدات تعافت لتتراوح حالياً بين 4.5 و5 مليارات دولار شهرياً، فيما تقدر بعض التقارير أنها تجاوزت هذه المستويات بفعل ارتفاع أسعار النفط. لكن تقلب العائدات وتكاليف الحرب وتصاعد الهجمات الإيرانية وعوامل أخرى ذات صلة فاقمت التحديات المالية الأوسع التي تواجه بغداد، وجعلت آفاق استمرار التعافي غير مؤكدة.
فعلى سبيل المثال، خفضت الحكومة مؤخراً قيمة الدينار العراقي، من 1,300 إلى 1,500 دينار مقابل الدولار الأمريكي الواحد. ورغم أن هذه الخطوة اعتبرت محاولة لتوفير مزيد من الدنانير اللازمة لدفع رواتب موظفي القطاع العام، فإنها تثير استياءً شعبياً واسعاً بسبب تأثيرها على أسعار السلع الاستهلاكية. كذلك، تلقي أزمتا النفط والميزانية بظلالهما على قطاع الكهرباء الذي يعاني مشكلات مزمنة، إذ يعتمد على التمويل الحكومي، وواجه مجدداً صعوبات في توفير إمدادات كهربائية مستقرة خلال الصيف الماضي (انظر أدناه).
حدود التعافي
لجأت بغداد إلى وسائل مختلفة للتكيف مع القيود التي فرضتها الحرب على صادرات النفط عبر مضيق هرمز. ورغم أن بعض ناقلات النفط أبحرت مباشرة من البصرة إلى وجهاتها النهائية خلال الأشهر القليلة الماضية، فإن بيانات التتبع الصادرة عن "مارين ترافيك" (MarineTraffic) و"كيبلر" (Kpler) تظهر أن شحنات أخرى من النفط الخام اعتمدت على عمليات نقل الحمولة بين السفن، إذ تحمل الناقلات النفط في البصرة ثم تنقله إلى سفن أخرى في المياه القريبة من الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة أو صحار في سلطنة عمان. وقد ساعدت هذه "التجارة المكوكية"، التي تشمل أيضاً شحنات نفط خام من دول خليجية مصدرة أخرى، على استئناف تدفق النفط، في ظل تردد عدد من مالكي السفن ومستأجريها في عبور المضيق المحفوف بالمخاطر، وتفضيلهم تسلم الشحنات في خليج عمان رغم إدراكهم محدودية البنية التحتية هناك. فعلى سبيل المثال، يبدو أن الازدحام في المنطقة التي تشهد كثيراً من عمليات نقل الحمولة بين السفن في خليج عمان قد زاد تعقيد إجراءات التصدير، إذ طلب بعض المشترين تسلم شحناتهم في مراكز أخرى لنقل النفط بين السفن. وهذا ما حدث مع الناقلة هيلغا (Helga) (IMO 9176993)، التي حملت النفط من البصرة في أوائل آب/أغسطس، ثم أبحرت إلى المياه الماليزية، حيث نقلت حمولتها إلى ناقلة أخرى قبل أن تعود إلى منطقة الخليج في 9 أيلول/سبتمبر، وفقاً لبيانات "مارين ترافيك" و"كيبلر".
وتسعى بغداد أيضاً إلى معالجة افتقارها إلى أسطول خاص من ناقلات النفط، وذلك جزئياً من خلال خطط لاستئجار مزيد من السفنلتعزيز سيطرتها على صادراتها النفطية من الجنوب. واضطرت كذلك إلى تقديم خصومات كبيرة على أسعار نفطها الخام لتشجيع المشترين على تحميل الشحنات من مواقع تقع في عمق الخليج العربي، رغم المخاطر المرتفعة في مضيق هرمز. لكن المدير العام لشركة تسويق النفط العراقية (SOMO) أوضح، خلال جلسة برلمانية عقدت في 20 أيلول/سبتمبر، أن العراق يواجه منافسة من دول خليجية أخرى مصدرة للنفط، يبدو أنها كانت تقدم حتى الشهر الماضي خصومات أكبر من تلك التي يعرضها العراق.
وتعمل بغداد أيضاً على زيادة صادراتها من النفط الخام عبر المسار الشمالي، باستخدام خط أنابيب متصل بمركز جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب نقل كميات إضافية من الجنوب بواسطة الشاحنات. لكن بيانات "كيبلر" والأرقام التي أعلنها المتحدث باسم وزارة النفطتشير إلى أن صادرات العراق عبر جيهان ظلت دون 300 ألف برميل يومياً حتى أيلول/سبتمبر. ولا يبدو ذلك مستغرباً في ضوء التحديات الكبيرة المتعلقة بالبنية التحتية والأمن على المسار الشمالي. فقد اضطرت بعض حقول النفط في إقليم كردستان إلى وقف الإنتاج خلال الربيع الماضي بسبب هجمات شنتها فصائل مسلحة موالية لإيران باستخدام المسيرات، وهو تهديد سبق اندلاع الحربولا يزال قائماً حتى اليوم. وشهدت حقول الغاز الشمالية اضطرابات مماثلة، ولا سيما حقل خور مور، الذي يزود محطة كهرباء حيوية في كركوك بالغاز، وتتولى الحكومة الاتحادية تشغيلها.
مشكلات الكهرباء المزمنة تتفاقم
في تموز/يوليو، وبينما كانت الحكومة تسعى جاهدة إلى زيادة صادرات النفط وعائداته، واجهت أيضاً موجة جديدة من انقطاع الكهرباء، وهي مشكلة ألفها العراقيون. فقد بلغ الطلب في أوقات الذروة نحو 60 ألف ميغاواط، بينما أظهرت بيانات وزارة الكهرباء أن الشبكة لم تتمكن من توفير سوى نحو 22 ألف ميغاواط.
وخلال جلسة برلمانية عقدت في 27 تموز/يوليو، قدم وزير الكهرباء علي سعدي وهيب مزيداً من التفاصيل عن مشكلات هذا القطاع. واستعرض الأسباب الفنية والسياسية والمالية لأزمة الكهرباء الأخيرة، مشيراً إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع إمدادات الغاز من خور مور ومصادر أخرى؛ وتعطل جزء من واردات الكهرباء من تركيا، التي تقدر بنحو 600 ميغاواط، بسبب مشكلات في السداد ناجمة عن الأزمة المالية في بغداد؛ فضلاً عن مشكلات أخرى تتعلق بدفع مستحقات الغاز المستورد عبر الأنابيب من إيران. وفي ما يتعلق بالغاز الإيراني، أوضح أن بغداد طلبت خلال زيارته إلى واشنطن في تموز/يوليو موافقة الولايات المتحدة على تسهيل سداد بعض مستحقات واردات الغاز الإيراني من الأموال المودعة في حساب لدى المصرف العراقي للتجارة (TBI) . وعلى مدى سنوات، سعت بغداد إلى الحصول على إعفاءات أمريكية تتيح لها دفع مستحقات واردات الطاقة الإيرانية عبر تحويل الأموال إلى حسابات إيرانية لدى المصرف العراقي للتجارة. وبحسب الوزير، تبلغ قيمة هذه الأموال نحو 6.5 مليارات يورو. وقال أمام البرلمان: "لدى الجانب الأمريكي بعض المطالب [التي يتعين علينا] معالجتها حتى نتمكن من تسوية بعض المدفوعات للجانب الإيراني".
يعاني قطاع الكهرباء منذ سنوات من التدخلات السياسية المستمرة وضعف الكفاءة والخسائر المالية. ويعتمد اعتماداً كبيراً على الإعانات والدعم من الميزانية العامة، في حين لا يزال يفتقر إلى نظام فعال لإصدار الفواتير وتحصيل المستحقات. ووفقاً لوهيب، بلغ إجمالي الميزانيتين التشغيلية والاستثمارية والرأسمالية لوزارته خلال فترة السنوات الثلاث بين عامي 2022 و2025 نحو 54 تريليون دينار، أي ما يعادل قرابة 40 مليار دولار. ويعكس ذلك الاختلال المالي المزمنالذي تعاني منه الوزارة، إذ تحتاج إلى مليارات الدولارات من الميزانية الحكومية، لكنها تعجز عن تحقيق إيرادات كافية أو تقديم خدمات كهربائية مستقرة.
وقد أبقت هذه الإخفاقات وغيرها في السياسات العامة بغداد معتمدة على الدول المجاورة لاستيراد الطاقة، إذ لا تزال إمدادات الغاز الإيراني غير المستقرة ضرورية لتوليد الكهرباء في ظل غياب بدائل كافية. كما حمل البعض الحرب مع إيران مسؤولية انخفاض إنتاج الغاز المصاحب في حقول النفط الجنوبية بالعراق، بعدما خفضت البلاد إنتاج النفط في بداية الصراع، علماً بأن كميات الغاز المستخرجة بالتزامن مع إنتاج النفط الخام لا تكفي لتلبية احتياجات البلاد المحلية من الكهرباء.
وأدت الأزمة أيضاً إلى تأخير مشروع تشتد الحاجة إليهبين بغداد وشركة "إكسيلريت إنيرجي" (Excelerate Energy) الأمريكية، لإنشاء محطة عائمة متكاملة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في خور الزبير. وكان من المقرر أن تنشر الشركة وحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادته إلى حالته الغازية خلال الصيف الحالي، لكن الحرب أدت إلى تأجيل المشروع حتى عام 2027 على الأقل.
التداعيات على السياسة الأمريكية
خلال قمة أعمال رفيعة المستوى عقدت في 17 تموز/يوليو، أشاد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، بالاتفاقيات الجديدة التي أبرمتها الحكومة العراقية مع شركات أمريكية، وقال للمشاركين: "هناك مجال واسع جداً لتحقيق تحسينات في العراق، وزيادة إنتاج النفط، وتقليل الاعتماد على الجيران المعادين، وتحقيق الحرية والازدهار وتوفير الطاقة الوفيرة للشعب العراقي. ورغم أن الظروف الراهنة تجعل تحقيق هذه الأهداف على الفور أمراً صعباً، فإنها تتيح فرصاً لضمان تنفيذ بعض المشاريع التي أخرتها الحرب مع إيران، وربما تسريعها، ولا سيما أن الحرب زادت الحاجة إليها إلحاحاً.
ويبرز في مقدمة هذه المشاريع مشروع استيراد الغاز الطبيعي المسال مع شركة "إكسيلريت إنيرجي"، الذي يمكن أن يسهم في تعزيز الشراكة الاقتصادية الثنائية الأوسع من خلال تنويع مصادر الوقود في العراق، وتقليص اعتماده على الغاز الإيراني، وتعزيز أمن الطاقة لديه تدريجياً. ومن المتوقع أن تبدأ منصة الغاز الجديدة عملياتها بحلول منتصف عام 2027، وسيتطلب تنفيذ المشروع متابعة دقيقة نظراً لأهميته لأمن الطاقة في العراق وأولويات الولايات المتحدة في هذا المجال، ولا سيما إذا استمرت التوترات العسكرية في مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، يشجع بعض المسؤولين الأمريكيين والعراقيين على إنشاء خطوط أنابيب تربط العراق بدول مجاورة، بما فيها سوريا عبر ميناء بانياس. وتهدف هذه الخطط إلى توفير منفذ آخر لصادرات النفط العراقية من الجنوب، والحد من الاعتماد المفرط على مسار مضيق هرمز. لكن من غير الواضح ما إذا كانت بغداد ستتمكن من تجاوز العقبات المالية والسياسية والبيروقراطية التي واجهت مشاريع خطوط الأنابيب السابقة. كما أن إنجاز المشروع السوري سيستغرق عدة سنوات، حتى لو بدأ تنفيذه بالفعل.