- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4238
روسيا، والحرب مع إيران، والشرق الأوسط
إنضم مسؤولون كبار سابقون في وزارة الدفاع الأمريكية إلى خبيرة في الشؤون الروسية لمناقشة الكيفية التي تؤثر بها الأزمة الإيرانية في طموحات موسكو العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة.
في التاسع من تموز/يوليو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي شارك فيه مات تافاريس ، وكيث كيلوغ، وآنا بورشيفسكايا. يتمتع تافاريس بخبرة تمتد لعقدين في شؤون الأمن القومي الأمريكي، اكتسبها خلال عمله مسؤولاً سابقاً في "البنتاغون". أما كيلوغ، فهو ضابط في الجيش الأمريكي حائز على العديد من الأوسمة، وشغل عدة مناصب، منها المبعوث الرئاسي الخاص لأوكرانيا، ومستشار الأمن القومي الأقدم للرئيس. أما بورشيفسكايا، فهي زميلة أولى في برنامج مؤسسة "ديان وجيلفورد غلازر" المعني بالتنافس بين القوى العظمى والشرق الأوسط في معهد واشنطن، ومؤلفة مشاركة - مع تافاريس - لتقرير المعهد لعام2026 بعنوان "بعد أوكرانيا: آفاق عودة الظهور الروسي في الشرق الأوسط". أدار اللقاء الصحفي والمؤلف المخضرم كريستيان كاريل. فيما يلي ملخص المقررين لتصريحات المتحدثين.
مات تافاريس
قد تكون المعدات الروسية منخفضة التكلفة ولا تضاهي القوة الجوية الأمريكية، لكن العديد من الدول التي لا تمتلك قوة جوية قادرة على المنافسة أو دفاعاً مناسباً ستختار مع ذلك شراء منظومات الصواريخ "S-300" و"S-400" ومن موسكو. ولا يسعى معظم هؤلاء العملاء إلى بناء قوة قادرة على هزيمة الضربات الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة.
علاوة على ذلك، وعلى الرغم من إظهار الحلفاء تفوقاً جوياً غير مسبوق على الأنظمة الإيرانية، فإن طهران وموسكو تمتلكان قاعدة صناعية دفاعية صُممت لمواجهة الولايات المتحدة في هذا النوع من النزاعات. فحرب الاستنزاف، مثل الحرب الحالية، تصب في مصلحة الخصم - وفي هذه الحالة، تستطيع طهران الاعتماد على طائرات "شاهد" المسيّرة لشن هجمات يصعب تعقبها، وإخفاء قواتها عن الاستطلاع الجوي، ونقل قاعدتها الصناعية إلى الخارج.
من ناحية أخرى، يمكن لأوكرانيا أن تؤدي دوراً رئيسياً في الحد من النفوذ الإقليمي لروسيا من خلال توفير تقنيات ومساعدات لمكافحة الطائرات المسيّرة. وقد برز ذلك خلال الحرب مع إيران، إذ قاد مسؤولو الدفاع الأوكرانيون، عقب الهجمات الإيرانية المتكررة على دول الخليج، جهوداً للتواصل مع حكومات المنطقة بهدف صياغة اتفاقيات للتعاون في مجال مكافحة الطائرات المسيرة. وفي كثير من الحالات، تستطيع كييف أن تحل محل المساعدات الدفاعية التي تقدمها روسيا حالياً، من خلال تولي عقود حكومية لنشر أنظمة الأسلحة والمركبات القتالية وصيانتها. وإذا تحقق هذا التحول، فقد يتباطأ الزخم الذي تستند إليه العديد من العلاقات الإقليمية الروسية.
وعلى الرغم من تراجع مبيعات موسكو الدفاعية وتواصلها مع الشرق الأوسط بسبب الحرب في أوكرانيا، فمن المهم التفكير في كيفية إحياء هذه العلاقات وتوسيعها بمجرد انتهاء ذلك الصراع. فقبل الحرب، كانت الصناعات الدفاعية الروسية إحدى أهم أدوات النفوذ التي استخدمتها موسكو في العديد من دول الشرق الأوسط. واليوم، لا تزال هذه الصناعات تمثل ذراعاً رئيسياً للدولة، إذ تنتج ما بين 4,000 و5,000 طائرة مسيرة من طراز "شاهد" شهرياً. وقد يتحول الهدف الاستراتيجي لهذه الشركات بعد الحرب سريعاً إلى أداة دبلوماسية تعزز نفوذ الكرملين في الشرق الأوسط.
وترغب دول عديدة في تجنب التعامل التجاري مع روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، لكن بمجرد زوال هذا العائق، قد تدرك أنظمة كثيرة أن الأسلحة الروسية ليست منخفضة التكلفة ومجربة في ساحات القتال فحسب، بل إنها أيضاً لا تخضع لقيود الاستخدام النهائي، وهو ما يمثل ميزة تنافسية كبيرة. وقد بدأت بعض دول الشرق الأوسط بالفعل في الاستجابة للحرب مع إيران والتناقضات في السياسة الأمريكية من خلال تنويع موردي أسلحتها، بما في ذلك احتمال شراء أسلحة من روسيا والصين. وينبغي لواشنطن أن تدرس بعناية إصلاح برامج المشتريات وبرامج المبيعات العسكرية الأجنبية "FMS" للحفاظ على جاذبيتها لدى العملاء المحتملين لموسكو في المنطقة.
والجدير بالذكر أن الروس تلقوا ضربات قوية في سياستهم الخارجية في كل من أوكرانيا وسوريا، لكنهم أثبتوا في كلتا الحالتين قدرتهم على تجاوزها. بل قد تفقد موسكو قاعدتيها في سوريا غداً مع بقائها قادرة على التحول إلى وجهة أخرى. ولا تزال روسيا تمتلك مجموعة كبيرة من الخيارات في الشرق الأوسط وخارجه، ولذلك يجب على واشنطن وحلفائها أن يدركوا أن موسكو قادرة على تغيير اتجاهها بسرعة أكبر مما يتصورون، واتخاذ قرارات سياسية مدروسة في مواجهة الانتكاسات.
اللواء (متقاعد) جوزيف كيلوغ
لقد تدهور دور روسيا وسمعتها العالميان تدريجياً منذ بداية الحرب في أوكرانيا عام 2022، وقد وجهت الحرب مع إيران ضربة أخرى لهما. فقد فشلت التكنولوجيا الروسية المستخدمة في إيران في الصمود أمام العمليات العسكرية الأمريكية، مما أدى إلى تآكل الثقة بها وتقليص جاذبية النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. وبما أن الحربين لا تزالان بلا أفق للحل، ستستمر دول المنطقة في تبني سياسة 'التريث والحذر' قبل الإفصاح عن مواقفها النهائية. ومع ذلك، فإن دول الخليج، على وجه الخصوص، وبعد الهجمات الإيرانية المتعددة التي نُفذت بدعم روسي، ستكون أكثر استعداداً لإعادة النظر في علاقاتها مع روسيا.
وقد كشفت قدرة أوكرانيا على التصدي للعدوان الروسي على مدى سنوات عن تضاؤل قوة موسكو. واليوم، وبعد دخول الحرب عامها الخامس، تفتقر روسيا إلى القوة العسكرية أو الدبلوماسية، فيما يزداد وضعها الاقتصادي ضعفاً يوماً بعد يوم. كما أنها لم تعد قادرة على فرض السياسة العالمية كما فعل الاتحاد السوفيتي، بل انحصر دورها في التعطيل.
ومن الجدير بالذكر أيضاً الدور الروسي الذي قد يؤدي إلى اضطراب العلاقات الأمريكية - التركية. ففي عام 2017، اشترت تركيا نظام الدفاع الصاروخي "S-400" من روسيا، مما تسبب في توترات داخل تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وأعربت واشنطن، بدورها، عن قلقها بشأن إتمام صفقة بيع مقاتلات "F-35" إلى أنقرة، المعلقة منذ سنوات، بسبب المخاوف من احتمال تعرضها للاختراق الروسي.
ومع تضاؤل الدور الروسي، تجد أوكرانيا نفسها على أعتاب التحول إلى قوة عسكرية واقتصادية مؤثرة. وقد أظهرت أوكرانيا قدرة لافتة على الإنتاج السريع للمعدات الدفاعية، وأحياناً في غضون ستة أشهر، مما قد يشكل نموذجاً لبناء قاعدة صناعية دفاعية أمريكية أقل تضخماً. وحتى في الوقت الذي تخوض فيه أوكرانيا حرباً ضد روسيا على أراضيها، فإنها تواجه أيضاً المصالح الروسية في منطقة الساحل، مما يساهم في تعزيز قدراتها الدفاعية وتفكيرها الاستراتيجي. وتسعى دول الخليج بالفعل إلى إقامة شراكات عسكرية مع أوكرانيا، وقد كان الرئيس فولوديمير زيلينسكي من أبرز الداعمين لمثل هذه الترتيبات.
وفي ظل تراجع دورها بوصفها قوة إقليمية، تتمثل نقاط النفوذ الرئيسية لروسيا في أسلحتها النووية واقتصادها النفطي. فدولة بقوة روسيا المزعومة لا يُفترض أن تحتاج إلى دعم القوات الكورية الشمالية، كما حدث بالفعل. كما أن الروايات الأمريكية التي تهول من القوة الروسية اعتماداً على الإرث السوفيتي قد تؤدي إلى صياغة سياسات قائمة على الخوف ومبنية على تقديرات غير دقيقة. وعلى النقيض من ذلك، فإن اتباع نهج أكثر واقعية يمكن أن يعزز الموقف الأمريكي تجاه روسيا. وتظل الصين التهديد الأكبر مقارنة بروسيا، ولذلك ينبغي أن تكون في صدارة أولويات الولايات المتحدة وحلفائها.
آنا بورشيفسكايا
لا توجد أي مؤشرات على أن روسيا تنسحب من الشرق الأوسط. فإذا نظرنا إلى المشهد من منظور أوسع، نجد أن استراتيجية موسكو الإقليمية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد التحالف مع إيران. ففي سوريا بعد سقوط نظام الأسد، على سبيل المثال، اتضح أن الاعتقاد بأن روسيا تعرضت لهزيمة دائمة كان قراءة ضيقة للمشهد. فالعلاقة مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد لم تكن الهدف الحقيقي لموسكو، بل كانت وسيلة لترسيخ مكانتها كقوة موازنة للولايات المتحدة. ولهذا السبب حافظت روسيا على موطئ قدمها في سوريا حتى بعد سقوط الأسد، واحتفظت بقواعدها على نحو لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق مثله بعد انسحابها من فيتنام الجنوبية.
ولا يشبه النهج الروسي الأوسع تجاه المنطقة استراتيجية الاتحاد السوفيتي السابقة. فقد درس القادة في موسكو إخفاقات الاتحاد السوفيتي بعناية، وأعادوا صياغة نهجهم وفقاً لذلك. وبدلاً من محاولة استبدال الولايات المتحدة بوصفها ضامناً للأمن، تنتهج روسيا استراتيجية صبورة ومتعددة المسارات تستهدف تقويض النفوذ الأمريكي، وتُعد مبيعات الأسلحة إحدى الأدوات التي تستخدمها لتحقيق ذلك. ومن المثير للاهتمام أن المنطقة لم تتجه إلى عزل روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. بل اتخذت دول الشرق الأوسط، في أفضل الأحوال، موقفاً حذراً، في حين تعمقت بعض العلاقات - لا سيما مع الإمارات العربية المتحدة وتركيا - خلال السنوات الأربع الماضية، ولم تعد تقتصر على التعاون العسكري، بل امتدت أيضاً إلى المجالات التجارية.
وتنعكس سياسة التحوط الإقليمية هذه على الحرب في أوكرانيا، التي تحولت من صراع أوروبي إلى صراع عالمي كشف عن الروابط العميقة بين أوروبا والشرق الأوسط. وقد واصلت دول الخليج، غير المقيدة بالعقوبات الغربية، التبادل التجاري مع روسيا، بما في ذلك في مجال التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، التي ساهمت في دعم مجهودها الحربي. فقد تتمكن أبو ظبي من شراء التكنولوجيا من معظم دول العالم، ومع ذلك لا تزال تتعامل مع موسكو، في إشارة إلى أن دول المنطقة لا ترغب في الانحياز ضد روسيا. وما لم تتعرض الموارد الروسية لاستنزاف ملموس، فمن المرجح أن تسهم هذه الديناميكية في إطالة أمد القتال.
ويمنح الأمن في مجالي الطاقة والغذاء روسيا نفوذاً إضافياً. فموسكو تتنافس على مشروع إنشاء أول محطة طاقة نووية تجارية في المملكة العربية السعودية، كما أن دورها في "أوبك+" يبقيها في صميم حسابات الطاقة الخليجية حتى في خضم الحرب. كما أصبحت روسيا واحدة من أكبر منتجي الأسمدة في العالم، مما يضعها في موقع ضامن للأمن الغذائي العالمي بدلاً من مجرد كونها مصدراً للنفط. وتتبع علاقة روسيا بإسرائيل منطقاً حذراً مماثلاً. فلا يرغب أي من الطرفين في الدخول في أزمة ثنائية، كما أن السكان اليهود في روسيا يمنحون موسكو ورقة نفوذ مع القدس. وتظل سوريا مصدر قلق مشترك، حيث تنظر إسرائيل إلى دور روسيا هناك باعتباره إحدى القوى الموازنة ضمن عدة قوى على حدودها.
ولروسيا تاريخ طويل في التعافي من الخسائر وإعادة بناء العلاقات، حتى مع خصومها السابقين، كما يتضح من اعترافها مؤخراً بحركة "طالبان"، وهي جماعة معادية لروسيا تاريخياً. ويؤيد هذا النمط ضرورة النظر إلى السلوك الروسي من منظور طويل الأمد، بدلاً من الحكم عليه يوماً بيوم. ومهما كانت النتيجة في أوكرانيا، ينبغي للولايات المتحدة أن تتوقع أن تظل روسيا غاضبة وغير نادمة، وأن تواصل تشكيل تحدٍ مستمر في جميع أنحاء الشرق الأوسط لسنوات قادمة.
أعد هذا الملخص كل من شيفان أناند، وفيرجينيا ماك آرثر، وإيلا بيترسون. تُصدر سلسلة "منتدى السياسات" بفضل سخاء مؤسسة "وينكلر لوي".