- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4244
كيفية منع الميليشيات من تقويض العلاقات العراقية – السعودية
مع تلاشي تداعيات الهجمات الجديدة في كلا البلدين، ستحتاج بغداد إلى الدعم الأمريكي لإحراز تقدم في مواجهة الميليشيات المدعومة من إيران، مع تهدئة المخاوف الأمنية لدى الرياض.
في 28 تموز /يوليو، شنت طائرات أمريكية وسعودية غارات على ما لا يقل عن سبعة مواقع في العراق، وصفتها القيادة المركزية الأمريكية بأنها "مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة إرهابية " تستخدمها الميليشيات المدعومة من إيران. وجاءت هذه العملية رداً على هجمات بالطائرات المسيرة شنتها الميليشيات العراقية على مدى يومين باتجاه المملكة العربية السعودية، في تكرار لسلسلة هجمات مماثلة انطلقت من الأراضي العراقية خلال "عملية الغضب الأسطوري " بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل. وقد أُرجئت الزيارة المقررة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى المملكة على خلفية هذا التصعيد - وهي نتيجة أسعدت طهران بلا شك، إذ جاءت بعد أيام قليلة من استضافتها للزيدي في 23 تموز /يوليو. وفى هذا السياق، ينبغي للولايات المتحدة أن تبذل قصارى جهدها لإعادة القمة العراقية- السعودية إلى مسارها الصحيح، في إطار سعيها إلى تحقيق الهدف الأوسع المتمثل في تعزيز هذه العلاقة الثلاثية المعقدة من خلال الجمع بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية.
هجمات الميليشيات ورد الحلفاء
تعرضت المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع لهجمات متعددة انطلقت من الأراضي العراقية: بدأت بسلسلة من الطائرات المسيرة اعترضت وهي في طريقها إلى الرياض والمنطقة الشرقية الغنية بالنفط في 27 تموز /يوليو، ثم هجوم أصاب في 28 تموز /يوليو منشأة بقيق، أكبر منشأة لتكرير النفط في العالم. ويبدو أن العملية الأخيرة استهدفت المواقع نفسها التي استهدفها هجوم الطائرات المسيرة في أيلول/سبتمبر 2019 على بقيق، والذي انطلق أيضاً من العراق أو عبره، مما يضفي عليها طابعاً استفزازياً خاصاً.
وليست الهجمات على منطقة الخليج أمراً جديداً بالنسبة إلى الميليشيات العراقية التابعة لإيران. فبين عامي 2019 و2022، شنت جماعات إرهابية مصنفة أمريكياً، مثل "كتائب حزب الله "أو واجهتها "ألوية الوعد الحق"، هجمات على خط الأنابيب شرق- غرب الممتد من بقيق إلى ينبع، وعلى مبانٍ حكومية في الرياض، وعلى مواقع مدنية في الإمارات العربية المتحدة. وخلال الحرب الحالية مع إيران، شنت الجماعات العراقية هجمات على المملكة العربية السعودية منذ اندلاع الصراع في أواخر شباط/فبراير، ضمن حملة أوسع نطاقاً استهدفت القواعد الأمريكية والبنية التحتية المدنية في البحرين والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من أن الميليشيات تجنبت إعلان مسؤوليتها عن الهجمات على السعودية، فإن التقارير الصحفية تشير إلى أنها شنت ما يصل إلى 500 هجوم بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل وحدهما، مما دفع المملكة إلى شن ضربات انتقامية داخل العراق. ولم تؤكد الرياض هذه التقارير أو تنفها، غير أن وزارة الخارجية السعودية حذرت علناً، قبل وقت قصير من الضربات الانتقامية التي وقعت في 28 تموز /يوليو، من أن القوات السعودية سترد على هجمات الميليشيات العراقية.
وفي هذا السياق، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن طائرات أمريكية وسعودية شاركت في استهداف مواقع عراقية متعددة. ففي الشمال، استهدفت ثلاث مجموعات من مواقع الميليشيات في سهول نينوى، و آمرلي والدبس. ومن المرجح أن تكون القوات الأمريكية هي التي نفذت هذه العمليات، استناداً إلى نمط الضربات الأمريكية منذ شباط/فبراير، وإلى احتمال استخدام هذه المناطق الشمالية منطلقاً لموجة الهجمات الأخيرة التي شنتها الميليشيات على المواقع الأمريكية ومواقع الشركاء في إقليم كردستان العراق.
كما استهدفت الغارات أربعة مواقع أخرى على الأقل في وسط وجنوب العراق: معسكر أشرف في محافظة ديإلى، ودار ضيافة تابعة للميليشيات في كربلاء، وموقعاً واحداً على الأقل جنوب بغداد مباشرةً، وموقعاً آخر في الدير شمال البصرة. ومن المرجح أن تكون الطائرات السعودية قد استهدفت بعض هذه المواقع، تماشياً مع تركيزها على مواقع الإطلاق في جنوب العراق التي كانت تُستخدم لتهديد المملكة خلال "عملية الغضب الأسطوري ".
ووفقاً لـ"قوات الحشد الشعبي " - وهي الهيئة الحكومية العراقية التي تستغلها الميليشيات المدعومة من إيران للحصول على غطاء رسمي ودعم مادي - قُتل عشرون من عناصرها في غارات هذا الأسبوع، وأصيب اثنان وثلاثون آخرون. والجدير بالذكر أن وسائل الإعلام الإيرانية عرضت أيضاً خمسة توابيت ملفوفة بالأعلام الإيرانية، مما يشير إلى احتمال مقتل شخصيات عسكرية من "الحرس الثوري الإسلامي" أو جهات إيرانية أخرى كذلك. وهذا يجعل غارات 28 تموز/يوليو واحدة من أكثر العمليات الجوية المدعومة أمريكياً دمويةً في العراق منذ سنوات. فعلى سبيل المثال، في كانون الأول/ديسمبر 2019، قُتل ثمانية وعشرون عنصراً إرهابياً من "كتائب حزب الله" في غارة أمريكية، مما دفع الميليشيات إلى محاولة اقتحام السفارة الأمريكية، وهو ما أسهم لاحقاً في قرار الرئيس ترامب باغتيال قائد "قوة القدس" التابعة للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وزعيم الميليشيات العراقية أبو مهدي المهندس، في كانون الثاني/يناير 2020.
السياق الأوسع للعلاقة بين إيران والحوثيين
جاءت هذه الجولة الأخيرة من التصعيد بالتزامن مع بدء شريك إيراني آخر - الحوثيون في اليمن - شن هجمات على المطارات، وناقلات النفط، ومنشآت النفط البرية على الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، هاجمت إيران ثلاث سفن كانت تحاول استخدام الممر الذي تحميه الولايات المتحدة في مضيق هرمز، وأطلقت صواريخ باليستية على قاعدة أمريكية في الأردن.
ويصعب تفكيك هذه الفوضى وتحديد دوافعها، لكن يبدو أن "محور المقاومة " الإيراني قد حول تركيزه إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها الجبهة الأحدث للضغط على الولايات المتحدة من أجل دفعها إلى تخفيف حدة التوتر. ففي أوائل نيسان/أبريل، وبينما كانت إدارة ترامب تفرض حصاراً نفطياً على الجمهورية الإسلامية وتبحث خيارات أوسع نطاقاً، من بينها السيطرة على المواقع النووية أو غزو جنوب إيران، رد النظام بتكثيف هجماته ضد البنية التحتية السعودية للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. واستهدفت الهجمات مواقع بتروكيماوية رئيسية ومرافق تحميل النفط في المنطقة الشرقية للمملكة، وربما كان الحوثيون سيشاركون فيها أيضاً لولا تراجع واشنطن.
وفي المرحلة المقبلة، من المرجح أن تواجه السعودية هجمات انتقامية من الميليشيات العراقية، إلى جانب مزيد من الهجمات المنطلقة من اليمن، ما لم تتوصل الرياض إلى تفاهم مع الحوثيين. ومن المرجح أن يكون خط الأنابيب شرق- غرب، أحد الأهداف الرئيسية لهذه الهجمات، إذ تعتمد المملكة عليه بشكل متزايد بديلاً عن مسار تصدير النفط الضيق عبر مضيق هرمز. ولذلك، تُطلب الرياض من واشنطن مساندتها في صياغة استراتيجية ردع تجاه شركاء إيران في العراق واليمن. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تكون الضربات التي وقعت في 28 تموز /يوليو بداية سلسلة عسكرية جديدة، وليس نهايتها - وقد تمتد إلى اليمن أيضاً.
اعتبارات السياسة الأمريكية
يتعين على إدارة ترامب أن توازن بين علاقتين مهمتين في هذه اللحظة الحرجة: علاقتها بالحكومة العراقية الجديدة بقيادة رئيس الوزراء الزيدي، وعلاقتها بشريكتها التقليدية، المملكة العربية السعودية. ومع ازدياد الترابط بين أطراف هذا المثلث، تتزايد صعوبة إرضاء جميع الأطراف.
وقد استقبل المسؤولون الأمريكيون الزيدي استقبال الأبطال في واشنطن قبل أسبوعين، إلا أنه يجد نفسه الآن مضطراً إلى التعامل مع حقيقة عودة القوات الأمريكية إلى قصف الأراضي العراقية. ومنذ أشهر، تعمل الإدارة الأمريكية بصورة هادئة على تقديم المشورة للرياض بشأن إعداد خيارات ردع سيادية عندما تهاجم الجماعات المدعومة من إيران المملكة، كما أنها لم تتردد في الانحياز علناً إلى الموقف السعودي هذا الأسبوع. ويكمن التحدي الآن في كيفية الحفاظ على الزخم الإيجابي في العلاقات مع الزيدي، مع الاستمرار في الوقوف إلى جانب شركاء الخليج عندما يحتاجون إلى الدعم الأمني الأمريكي.
من جانبها، ستواصل طهران على الأرجح استخدام الهجمات التي تنفذها الميليشيات العراقية بالوكالة ضد المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، في محاولة لعزل الزيدي عن الدعم العربي الأوسع نطاقاً الذي يحتاجه لإحراز تقدم في المتفائل نسبياً بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة بحلول 30 أيلول/سبتمبر- وهو الموعد نفسه الذي يُفترض أن تُنهي فيه القوات القتالية الأمريكية وجودها في العراق. ولمنح الزيدي أفضل فرصة لبداية ناجحة، وللمساعدة في إقناع الرياض والعواصم العربية الأخرى بأنه يحتاج إلى مزيد من الوقت لتحقيق النتائج، ينبغي على واشنطن اتخاذ الخطوات التالية:
- الحفاظ على قنوات الحوار بين الرياض وبغداد. ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تسمح لإيران بإحداث شرخ بين شريكين رئيسيين لها، يشكلان في الوقت نفسه أكبر منتجي النفط في منظمة "أوبك". وعلى الرغم من صعوبة إعادة تحديد موعد لقمة عراقية- سعودية علنية، فإن ذلك ينبغي أن يظل الهدف النهائي خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة. وفي غضون ذلك، ينبغي لإدارة ترامب أن تستخدم مساعيها الحميدة لتيسير حوار أمني مفصل ومتواصل بين أجهزة الاستخبارات العراقية والسعودية.
- دعم تنفيذ غارات محددة الأهداف على مواقع تخزين الطائرات المسيرة التابعة للميليشيات. تمتلك الولايات المتحدة أدلة كافية على قيام إيران بتزويد الجماعات العراقية بالطائرات المسيرة، لكنها افتقرت في السابق إلى شركاء تنفيذيين وقضائيين موثوقين لاتخاذ إجراءات استناداً إلى هذه المعلومات الاستخباراتية. ونظراً للتعاون الوثيق بين رئيس الوزراء الزيدي وفائق زيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، الذي تبنى مؤخراً موقفاً أكثر تشدداً تجاه الميليشيات، ينبغي منح السلطتين التنفيذية والقضائية فرصة لإثبات ما يمكنهما إنجازه عند تزويدهما بمعلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ. وينبغي أن يتم ذلك بهدوء، مع التركيز على تعطيل سلسلة إمداد الطائرات المسيرة، بما في ذلك مواقع التخزين، وإعادة التجميع، والصيانة.
- إذا فشلت جهود الاحتواء العراقية الذاتية، فينبغي استهداف أبرز قادة الميليشيات. فلم يسبق لقادة الميليشيات المدعومة من إيران أن خففوا هجماتهم لمجرد تعرض عناصرهم ومخازن أسلحتهم للقصف. بل إن الخسائر في صفوف القيادة العليا كانت العامل الوحيد الذي غير سلوكهم - وحتى في تلك الحالات ظل التغيير مؤقتاً، وإن كانت آثاره الإيجابية تجعل العمل العسكري مجدياً. فعلى سبيل المثال، بين شباط/فبراير2012 وكانون الأول/ديسمبر 2023، استهدفت القوات الأمريكية العديد من العناصر منخفضة المستوى في الميليشيات، دون أن ينعكس ذلك على وتيرة الهجماتضد المواقع الأمريكية. ومع ذلك، أدت ثلاث ضربات استهدفت قيادات بارزة في الميليشيات في كانون الأول/ديسمبر 2023 كانون الثاني/يناير - شباط/فبراير 2024 إلى تهدئة ملحوظة للهجمات على القوات الأمريكية في العراق خلال معظم الفترة 2024– 2025.
- مساعدة الشركات الغربية العاملة في العراق على استيراد أنظمة الدفاع المضادة للطائرات المسيرة. التزمت الحكومة العراقية بتخفيف الإجراءات البيروقراطية التي تعيق شركات النفط الغربية وغيرها من الشركات عن استيراد هذه الأنظمة لحماية منشآتها وموظفيها العاملين في العراق. ونظراً لأن الميليشيات تستهدف باستمرار المواقع التي تشغلها شركات ومستثمرون أمريكيون، مما يضطرهم إلى وقف صادرات النفط التي يحتاجها العراق بشدة، ينبغي أن تكون هذه أولوية للسفارة الأمريكية في بغداد. وإذا تعاونت الحكومة العراقية في الحد من هجمات الميليشيات، فينبغي أن تحصل بدورها على إمكانية الوصول السريع إلى هذه الأنظمة الدفاعية التي تشتد الحاجة إليها لحماية المواقع الحكومية والعسكرية الحيوية.