- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4243
الكويت ومستقبل إسقاط القوة الأمريكية
نظرا للتجربة الصعبة التي مرت بها الكويت خلال الحرب مع إيران، ينبغي على واشنطن أن تقدم اهتماما سياسيا متواصلا ومساعدة عملية ورؤية موسعة لمستقبل الشراكة.
برزت الكويت بوصفها واحدة من أكثر دول الخليج استهدافا من الرد الإيراني منذ بدء الحرب في فبراير 2026، حيث تحملت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت منشآت أمريكية إضافة إلى بنيتها التحتية الوطنية للطاقة وشبكاتها المدنية. وبصفتها مضيفة لأصول عسكرية أمريكية كبرى، تحملت الكويت نصيبا غير متناسب من التكاليف المترتبة على تداعيات النزاع مما وضع الشراكة عند نقطة تحول. ومع توقف العمليات حاليا، ينبغي على واشنطن أن تعيد تأكيد التزامها تجاه هذه الدولة الخليجية من خلال تواصل سياسي رفيع المستوى وتعاون دفاعي أعمق ودعم موجه لإعادة الإعمار وعلاقات اقتصادية وتقنية موسعة. وفشل واشنطن في القيام بذلك يهدد مصداقيتها لدى واحد من أهم شركائها في المنطقة.
أسس العلاقة الأمريكية الكويتية
تعد الكويت منذ زمن طويل واحدة من أكثر الشركاء الأمريكيين موثوقية في الخليج، وذلك منذ تحريرها عام 1991 عقب الغزو العراقي. وقد تعززت الروابط بفعل عقود من التعاون العسكري شملت دعم عمليات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وتستضيف الكويت رابع أكبر وجود عسكري أمريكي في الخارج موزعا بين قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر عريفجان ومعسكر بيورينغ. كما صنفت الكويت حليفا رئيسيا من خارج الناتو ولديها ما يزيد على 20 مليار دولار من صفقات المبيعات العسكرية الأجنبية النشطة. ويتيح موقع الكويت الجغرافي وصولا سريعا إلى العراق وشمال الخليج الفارسي مما يجعلها عقدة حيوية للوجستيات العسكرية الأمريكية وإسقاط القوة.
وبعيدا عن الجانب الأمني، عمقت الولايات المتحدة والكويت روابطهما الاقتصادية والتجارية بشكل كبير منذ توقيع اتفاقية الإطار التجاري والاستثماري عام 2004. وتعد أمريكا من أبرز موردي السلع والخدمات للكويت، فيما تؤدي الكويت دورا كبيرا في الأسواق المالية الأمريكية عبر الهيئة العامة للاستثمار الكويتية.
شركاء تحت النار
خلال الحرب الحالية تعرضت الكويت لاستهداف مكثف من إيران وكذلك من جماعات ميليشياوية تتخذ من العراق مقرا لها، مما تسبب في أضرار لحقت بمنشآت نفطية وبنية تحتية للكهرباء وبنية تحتية مدنية ومحطات تحلية المياه، إضافة إلى مقتل وإصابة مدنيين وعسكريين. وفي مايو تبادلت القوات الكويتية إطلاق النار مع عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بعد أن عبر أفراد من الحرس إلى الأراضي الكويتية في جزيرة بوبيان، مما أسفر عن اعتقال واحتجاز أربعة من عناصر الحرس. وقبل ذلك، في الأول من مارس، نفذت إيران أخطر هجماتها خلال الحرب حين استهدفت مركز عمليات أمريكيا مؤقتا في ميناء الشعيبة، ما أدى إلى مقتل ستة أمريكيين وإصابة عشرات آخرين. وكان قد جرى نقل هؤلاء الأفراد إلى هناك للحفاظ على استمرارية العمليات في حال تعرض مركز العمليات الرئيسي، المرجح أنه في معسكر عريفجان، لضربة.
وردا على ذلك، وجهت الكويت انتقادات علنية لإيران وأذرعها على هذه الهجمات، وشددت إجراءاتها ضد تمويل الإرهاب المرتبط بإيران، وأفادت تقارير بأنها شنت ضربات ضد ميليشيات موالية لإيران في العراق. وقد أكد المسؤولون الكويتيون علنا أنهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم لعمليات هجومية أمريكية ضد إيران، لكن مع استمرار إيران في استهداف البنية التحتية الكويتية، سمحت الحكومة في نهاية المطاف بعمليات أمريكية، إذ أشارت تقارير إلى إطلاق منظومات هيمارز من أراضيها.
تحديات إعادة التموضع وإعادة الإعمار وتجديد المخزونات
رغم متانة الروابط، كشفت الحرب عن احتكاك بين واشنطن ومدينة الكويت. فقد كان المسؤولون الكويتيون قلقين أصلا من تراجع التواصل السياسي الأمريكي الرفيع المستوى، وتعمق هذا القلق بعد أن أطلقت عمليات عسكرية ضد إيران دون استشارة الكويت. وفي بداية الحرب، أسقطت الكويت عن غير قصد ثلاث مقاتلات أمريكية من طراز إف-15. وبدافع القلق على أمنها، فرضت لاحقا قيودا تشغيلية على استخدام الجيش الأمريكي لقواعدها وأجوائها بعد أن أعلن الرئيس ترامب عن مشروع الحرية الذي سعى لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز، غير أن هذه القيود رفعت بعد فترة قصيرة.
فرضت الحرب تكاليف كبيرة على الكويت، شملت تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يعتمد عليه الاقتصاد الكويتي المعتمد على التصدير بشكل شبه كلي، إضافة إلى أضرار لحقت بالبنية التحتية العسكرية والمدنية على حد سواء وستتطلب إعادة إعمار. ويعاني الاقتصاد الكويتي أصلا من جراء الحرب، حيث تظهر تقديرات أولية تراجعا بنسبة 4.6 في المئة على أساس سنوي في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول، رغم أن هذه الفترة لم تشمل سوى شهر واحد من النزاع. وجاء هذا التراجع نتيجة انخفاض إنتاج النفط وتعطل الشحن في المضيق وضعف النشاط غير النفطي في ظل النزاع، رغم أن صفقة أنابيب نفط بقيمة 16 مليار دولار ستساعد في توفير سيولة نقدية فورية. كما ضربت الحرب الكويت في وقت سياسي حساس، إذ أدى تعليق مجلس الأمة بسبب الجمود السياسي عام 2024 إلى تقليص مساحة النقاش الداخلي.
تتصل القضية الأوسع بمدى الالتزامات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وبالتالي تجاه الكويت، في بيئة ما بعد الحرب. وثمة مسألتان استراتيجيتان ستحددان مستقبل العلاقة: طبيعة النظام الإقليمي بعد الحرب، واستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز من عدمها. وكلما طال أمد الحرب، زاد تكيف أسواق الطاقة العالمية وتنويعها بعيدا عن الموردين الذين يعتمدون كليا على هذا الممر الحيوي. كما يبرز النزاع محدودية الجهات البديلة الضامنة للأمن، فرغم علاقات الصين الوثيقة بإيران أظهرت بكين قدرة أو رغبة محدودة في كبح التصعيد الإيراني، مما يعزز استمرار أهمية الدور الأمني الأمريكي في الخليج.
أما على المستوى التشغيلي، فثمة مجالان سيتطلبان اهتماما دقيقا: مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الكويت، وقدرة الولايات المتحدة أو شركائها على تجديد المخزونات العسكرية الكويتية بسرعة.
الشراكة الدفاعية المتطورة
لطالما تمحورت العلاقة الدفاعية الأمريكية الكويتية حول بنية القواعد التي أنشئت عقب حرب الخليج عام 1991، غير أن المهام التي بررت هذا الوجود في السابق قد تغيرت. ومع نظر واشنطن في تجميع بعض قواتها باتجاه الغرب عبر شبكة القواعد الغربية للحد من التعرض للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، سيتعين عليها الموازنة بين المتطلبات التشغيلية والحساسيات السياسية الكويتية.
تمتلك الولايات المتحدة أسبابا استراتيجية قوية للحفاظ على أجزاء من وضعها العسكري في الكويت وتحديثها في ظل استمرار التهديد الإيراني وتحدي مضيق هرمز، لكن سيتعين على المسؤولين الموازنة بين المتطلبات التشغيلية الأمريكية ومستوى قبول الكويت للمخاطر السياسية. وإذا اختارت واشنطن تقليص وجودها، فسيتعين على المسؤولين الأمريكيين أيضا التفكير في كيفية تعزيز الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه الكويت. وإذا اختارت إعادة البناء، فسيتعين على الولايات المتحدة والكويت معالجة كيفية تمويل أي إعادة إعمار للقواعد. وقد أصر الرئيس ترامب تاريخيا على أن يظهر جميع الشركاء المستضيفين لوجود عسكري أمريكي التزامهم. وقد قدمت الكويت تمويلا عينيا بقيمة 200 مليون دولار سنويا منذ عام 1996 لدعم الوجود الأمريكي، غير أن الحكومة الكويتية ستريد أن تطمأن إلى استمرار الالتزامات الأمريكية في المرحلة المقبلة.
تجديد مخزونات الكويت المستنزفة
منذ بدء الحرب، سرعت إدارة ترامب عددا من الموافقات على صفقات المبيعات العسكرية الأجنبية لدول خليجية واقعة في مرمى النيران. وبالنسبة للكويت، شمل ذلك مليارين من الدولارات لمنصة مضادة للأنظمة الجوية غير المأهولة، وثمانية مليارات دولار لثمانية رادارات استشعار للدفاع الجوي والصاروخي من الطبقة الدنيا، ومليار دولار لمنصات إطلاق متنقلة لمنظومة الصواريخ الوطنية المتقدمة أرض-جو (نسامز)، و484 مليون دولار لدعم استدامة طائرات النقل سي-17، و800 مليون دولار لدعم استدامة وتحديث منظومة باتريوت (المصرح بها قبل الحرب).
غير أن تسريع الموافقات لا يترجم تلقائيا إلى تسليم أسرع. ورغم أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية تواجه قيودا إنتاجية على نطاق واسع، فإن المشكلة بارزة بشكل خاص في الأنظمة الحيوية مثل صواريخ الاعتراض الدفاعية والذخائر الدقيقة التوجيه والطائرات. ومن المرجح أن يستغرق تعويض الأنظمة المفقودة والذخائر المستهلكة خلال النزاع سنوات لا أشهرا، وإذا تعذر تجديد مخزونات الشركاء بسرعة، فقد تتراجع الثقة سواء في الضمانات الأمنية الأمريكية أو في التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية.
التوصيات السياسية
لإدارة الضغوط الناتجة عن النزاع مع إيران، ينبغي على الولايات المتحدة اعتماد استراتيجية طمأنة شاملة تجاه واحد من أكثر شركائها موثوقية في المنطقة. وأفضل سبيل لدعم جهود الكويت لإعادة الإعمار بعد الحرب هو ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. وينبغي على أمريكا أيضا القيام بما يلي:
- إجراء مراجعة للوضع العسكري والتشاور بشأنه: ينبغي على وزارة الدفاع الأمريكية أن تتشاور فورا مع الحكومة الكويتية لتحديد كيفية تطور بنية القواعد الأمريكية في هذه الدولة الخليجية. وبدلا من مراجعة للوضع العسكري تقتصر على أوروبا، ينبغي على الوزارة إجراء مراجعة عالمية للوضع العسكري. كما يجب أن تحدد مستوى القوة الكافي لتحقيق الأهداف الأمنية الأمريكية، مع الموازنة مع قدرة الكويت على الدفاع عن نفسها والحفاظ على الشراكة.
- إعادة إحياء التواصل السياسي الرفيع المستوى: يعد التواصل الظاهر للعيان أسرع سبيل لمعالجة المخاوف المتعلقة بتصور الكويت بشأن تراجع العلاقات، وتعد زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو للكويت في يونيو بداية جيدة. غير أن تبديد المخاوف الأعمق سيتطلب تواصلا متواصلا. وبإمكان واشنطن أن تظهر التزامها السياسي فورا من خلال اتصال بين الرئيس ترامب وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وتعيين سفير أمريكي له روابط قوية بالإدارة، وزيارات واتصالات متواصلة على مستوى الوزراء.
- تسريع تجديد المخزونات الدفاعية: ينبغي على واشنطن أن تتجاوز مجرد تسريع الموافقات وأن تركز على تسريع إنتاج الأنظمة الدفاعية الحيوية. ويشمل هذا النهج إعطاء الأولوية لطلبات دول الخليج، والاستفادة من المخزونات الأمريكية المحدودة عند الضرورة، وتوسيع الإنتاج المشترك، والعمل مع حلفاء موثوقين مثل المملكة المتحدة لتوفير أنظمة آمنة ومتوافقة تشغيليا.
- إطلاق مبادرة لإعادة الإعمار والصمود: ينبغي على واشنطن والكويت وضع إطار عمل مشترك لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية والمدنية. وينبغي أن تعطي المبادرة الأولوية لتحصين البنية التحتية، وتعزيز تكامل الدفاع الجوي والصاروخي، وصمود قطاع الطاقة، وحماية شبكات المياه أو النقل الحيوية، وتدابير الدفاع المدني.
- تعميق الشراكة إلى ما هو أبعد من الجانب الدفاعي: يمكن أن تستفيد الكويت من مجموعات عمل تقنية، وشراكات في مجال الأمن السيبراني، ومبادرات لصمود البنية التحتية الرقمية وبنية الطاقة. لذا ينبغي على المسؤولين تحديد موعد للجولة المقبلة من الحوار الاستراتيجي الأمريكي الكويتي، الذي لم يعقد منذ عام 2024. فشراكة أكثر ديمومة وصمودا سياسيا ستساعد في استمرار العلاقة.
خاتمة
كشفت الحرب مع إيران عن نقاط قوة العلاقة الأمريكية الكويتية ونقاط ضعفها في آن واحد. فالكويت لا تزال لا غنى عنها استراتيجيا للعمليات الأمريكية الإقليمية، لكن التكاليف التي تحملتها أثارت مخاوف مشروعة بشأن التشاور والردع وإعادة الإعمار وتجديد المخزونات. والتحدي الآن لا يتمثل في ما إذا كانت الشراكة ستستمر، بل في ما إذا كانت قادرة على التطور. فإذا استجابت واشنطن باهتمام سياسي متواصل ومساعدة عملية ورؤية أوسع للعلاقة، فقد تعزز الحرب الشراكة في نهاية المطاف. أما إذا لم تفعل ذلك، فقد يتعمق الاحتكاك بدلا من ذلك مع واحد من أهم شركاء أمريكا في الخليج.