- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4259
مواجهة سياسات حزب الله في إعادة الإعمار ومجلس الجنوب
يتلاعب حزب الله وحركة أمل بالفعل بوجهة التمويل الذي تقدمه الجهات المانحة وبمن يحصل على الفضل في إعادة الإعمار. لذلك ينبغي لواشنطن وشركائها أن ينسقوا سبلاً لتجاوز الطرفين قبل أن ينطلق جهد إعادة الإعمار الأوسع في البلاد بشكل جدي، بدءاً بالدفعة الأولى من "المناطق التجريبية".
انصب تركيز السياسة الأمريكية تجاه لبنان في الأسابيع الأخيرة بشكل ضيق على نزع سلاح حزب الله المدعوم من إيران، وهو ما دعا إليه اتفاق الإطار الثلاثي الموقع في حزيران/يونيو. أما إعادة الإعمار بعد الحرب، وهي عنصر أساسي آخر في الاتفاق، فحظيت باهتمام أقل بكثير. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن النهج الذي تتبعه بيروت حالياً في هذا المسعى قد يقوّي حزب الله بدلاً من أن يهمّشه، فالحكومة تعتمد على ما يبدو على مجلس الجنوب لإدارة جزء كبير من هذه العملية، وهو مؤسسة وثيقة الصلة برئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل والحليف السياسي الأول لحزب الله.
ولتجنب هذه النتيجة وإرساء نموذج واضح لكيفية تعامل لبنان مع حزب الله وإعادة الإعمار والمساعدات الدولية، يتعين على السلطات أن تركز على تنسيق النهج الصحيح في أول منطقتين تجريبيتين جنوبيتين أُنشئتا بموجب اتفاق الإطار، في "زوطر الغربية" و"فرون". غير أن مخاوف رئيسية برزت بالفعل، أولها أن جهود نزع سلاح حزب الله التي يقوم بها الجيش اللبناني لا ترقى إلى ما يفرضه الاتفاق، وثانيها أن نموذج إعادة الإعمار الناشئ في الجنوب قد يساعد حزب الله على استعادة شعبيته. فمع تركّز الجزء الأكبر من موارده المالية على إعادة بناء بنيته العسكرية المتضررة، لم يعد بمقدور حزب الله تقديم المستوى نفسه من الخدمات المحلية التي قدمها في الماضي، فبات يراهن على نفاذه العميق إلى مؤسسات الدولة اللبنانية ودائرة بري السياسية لإحياء صورته. ويُعد مجلس الجنوب أداة رئيسية في هذا الصدد، إذ تسند إليه الحكومة بالفعل بعض الأنشطة المرتبطة بإعادة الإعمار، وهو ما قد يطرح مشكلات سياسية كبرى لا يمكن لجهات التمويل الدولية أن تحلّها بمجرد تشديد الرقابة المالية.
الوضع الاستثنائي للمجلس
تأسس مجلس الجنوب عام 1970 لتلبية احتياجات التنمية وإعادة الإعمار في الجنوب، وحصل على استقلالية مالية وإدارية غير معتادة في وقت كانت فيه مساحات واسعة من المنطقة خارجة عن سيطرة الدولة الفعلية بسبب العمليات الواسعة للفصائل الفلسطينية المسلحة. فقد أُعفي المجلس مثلاً من قوانين المحاسبة العامة ومن مراجعة ديوان المحاسبة المسبقة لعملياته. وبقي هذا الوضع الاستثنائي قائماً حتى بعد رحيل معظم الفصائل الفلسطينية المسلحة إثر الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
ثم أصبح مجلس الجنوب مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحركة أمل وبري. فبموجب عقود إيجار يعود تاريخها إلى عام 1985 بحسب ما ورد، يستأجر المجلس مقره الرئيسي الكبير في ضاحية الشياح ببيروت من "جمعية أمل لرعاية المحرومين"، وقد تجاوزت مدفوعات الإيجار التراكمية 20 مليون دولار على مدى خمسة وثلاثين عاماً. وما هذا سوى مثال واحد من وسائل لا حصر لها تسيطر حركة أمل وحزب الله من خلالها على مجلس الجنوب ويستفيدان منه في آن واحد، إذ يختاران أين تُنفق أموال المجلس ومن هم المستفيدون منها وما مقدار المبالغ المخصصة لهم. ومنح جماعة إرهابية وحلفائها السياسيين سلطة الإشراف على مثل هذه القرارات لا يمكن أن يشكل نموذجاً لتهميش حزب الله، فضلاً عن أنه لا يصلح أساساً لإطلاق عملية إعادة إعمار مسؤولة بعد الحرب أو لمنع اندلاع حروب مستقبلية.
إلى أين تذهب الأموال، ومن يحصل على الفضل السياسي؟
اعتمدت جهود إعادة الإعمار الأولية في لبنان منذ اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل عام 2024 على مصدرين للتمويل. المصدر الأول هو مشروع البنك الدولي للمساعدة الطارئة في لبنان "LEAP"، وهو إطار بقيمة مليار دولار أُنشئ بقرض أولي قدره 250 مليون دولار من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ويتولى مجلس الإنماء والإعمار التابع للحكومة اللبنانية، لا مجلس الجنوب، المسؤولية الرسمية عن جميع مكوناته تحت إشراف رئيس الوزراء والوزارات المعنية. وحالياً يركز هذا التمويل على مشاريع مثل إزالة الأنقاض وترميم البنية التحتية والخدمات العامة، ولا يشمل تعويض المتضررين من الحرب أو إعادة بناء المنازل الخاصة. ومع ذلك ذهب جزء كبير من تمويله الأولي إلى مجلس الجنوب لا إلى مجلس الإنماء والإعمار.
أما مصدر التمويل الثاني فهو الدولة اللبنانية نفسها. فمنذ آب/أغسطس 2025 بلغت مخصصات بيروت لمجلس الجنوب نحو 132 مليون دولار، من بينها تخصيص برلماني بقيمة نحو 90 مليون دولار في كانون الأول/ديسمبر. كما أسند رئيس الوزراء نواف سلام إلى مجلس الجنوب مهام مباشرة تشمل تقييم الأضرار وشراء المنازل الجاهزة وترميم المنازل المتضررة جزئياً في المناطق التجريبية. غير أن المستفيدين عادة ما يُترك لديهم انطباع بأن منازلهم الجاهزة الجديدة هبة من بري وحركة أمل، وبالتبعية من حزب الله، لا مساعدة من الحكومة المركزية.
ويثير هذا الأمر سؤالين ينبغي أن يشغلا بال كل جهة مانحة محتملة: من سيتولى فعلياً إدارة إعادة الإعمار الأوسع نطاقاً في البلاد بمجرد وصول الأموال إلى لبنان؟ وحتى لو وصلت هذه الأموال إلى المستفيدين المستهدفين، فمن سيحصل على الفضل السياسي لتقديمها؟ وسيكون حجم هذه المشاريع هائلاً نسبياً، فقد قدّر تقييم البنك الدولي السريع للأضرار والاحتياجات في آذار/مارس الأضرار المادية المباشرة الناجمة عن القتال في عامي 2023 و2024 وحدهما بنحو 7.2 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار نحو 11 مليار دولار، من دون احتساب الدمار الإضافي الناجم عن تجدد النزاع مع إسرائيل هذا العام.
وإذا نجح حزب الله في توجيه أجزاء كبيرة من هذه الأموال نحو إعادة بناء صورته عبر مجلس الجنوب والمؤسسات البلدية، فقد يستعيد قدراً كبيراً من موطئ قدمه على المدى الأطول، وقد يعني هذا كسب مزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة وترسيخ نفوذه داخل الدولة وإعادة بناء قوته العسكرية.
ويوضح مثال من هذا الصيف المشكلات السياسية الأعمق التي يطرحها النهج الحالي. ففي تموز/يوليو شارك وزير الأشغال العامة فايز رسامني ورئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر في اجتماع لإعادة الإعمار مع ممثلين بلديين من النبطية ومناطق جنوبية أخرى ومنطقة البقاع الغربي، إلا أن المكان الذي اختير لعقد الاجتماع لم يكن مبنى حكومياً بل مقر حركة أمل في الجناح. علاوة على ذلك، دعا إلى عقد الاجتماع المكتب البلدي المركزي التابع لأمل وجهاز الشؤون البلدية التابع لحزب الله. وتُظهر مثل هذه الترتيبات أن مجلس الجنوب لا يحتاج حتى إلى تحويل الأموال مباشرة إلى حزب الله كي يستفيد الحزب سياسياً، فطالما ظلت أموال الدولة اللبنانية تموّل الإسكان والتعويضات والبنية التحتية عبر مؤسسات تخضع لسيطرة أمل السياسية، وطالما نسّقت شبكات حزب الله البلدية والسياسية عملية إعادة الإعمار المحلية، سيتمكن الطرفان من ترسيخ موقعهما كوسيطين بين المواطنين والدولة.
هل يتكرر خطأ عام 2006؟
تتضح المخاطر بشكل أكبر عند استحضار تداعيات حرب عام 2006. ففي ذلك الوقت مولت إيران تعويض المجتمعات المحلية المتضررة من ذلك النزاع، وخاصة المناطق الشيعية في الجنوب، بينما مولت الدول العربية الجزء الأكبر من إعادة الإعمار الشاملة في لبنان. والأهم من ذلك أن حزب الله وحركة أمل كانا الوسيطين المحليين في كلتا الحالتين، إذ أثّرا في المقاولين والبلديات والسردية العامة، حتى إن كثيراً من السكان نسبوا الفضل في إعادة إعمار بلدهم إلى حزب الله لا إلى العواصم الخليجية. ويبدو أن واشنطن أدركت هذه المشكلة بحلول شباط/فبراير 2007، حين أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية جهاز البناء التابع لحزب الله، "جهاد البناء"، على قوائم العقوبات لأن الجماعة الإرهابية كانت تستخدمه لتلبية "احتياجاته الإنشائية الخاصة، فضلاً عن استقطاب الدعم الشعبي من خلال تقديم خدمات البناء المدنية".
واليوم تخضع إيران لضغوط مالية كبيرة ولا تستطيع إنقاذ حزب الله مرة أخرى. لكن إذا قرر المجتمع الدولي والدولة اللبنانية تمويل إعادة الإعمار بالكامل مع السماح في الوقت نفسه للهيئات التابعة لأمل وحزب الله بأن تبقى الواجهة العامة لهذه الجهود، فستكون النتيجة واحدة، وهي حزب الله أكثر قوة. ولهذا السبب نفسه أصرت هاتان الجماعتان منذ عام 2014 على أن تبقى وزارة المالية تحت السيطرة السياسية الشيعية، رغم أن الدستور اللبناني لا يخصص هذه الحقيبة لطائفة بعينها، فالسيطرة عليها تتيح لهما التأثير في تحويل المخصصات البرلمانية للموازنة الخاصة بإعادة الإعمار وغيرها من المجالات.
توصيات سياسية
إذا نُفذت إعادة الإعمار بشكل صحيح فبإمكانها أن تعيد بناء الثقة بين الحكومة ومواطنيها، أما إذا نُفذت بشكل خاطئ فستعزز الفاعلين المفسدين وتمهد الطريق لجولة جديدة من النزاع. ومن مصلحة أمريكا أن تتأكد من أن بيروت تسلك المسار الأول.
لا تحتاج واشنطن إلى التعهد بتمويل مباشر لإعادة الإعمار المدني كي تؤثر في هذه العملية، إذ بإمكانها ممارسة قدر كبير من النفوذ بشكل غير مباشر. فالولايات المتحدة هي أكبر المساهمين في البنك الدولي، وتتمتع بتمثيل تصويتي واسع وصلاحيات نقض (فيتو) ومدير تنفيذي خاص بها في مجلس إدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وهو ما يمنحها كلمة مؤثرة في قرارات مثل الدفعة الأولى من قرض البنك بقيمة 250 مليون دولار للبنان، وهو قرض لا منحة أمريكية. ولا يزال أمام مشروع "LEAP" مبلغ 750 مليون دولار متبقٍ لتخصيصه، لذا ينبغي لواشنطن أن تدعو إلى وضع شروط واضحة بشأن الجهة التي تتولى إدارة هذه الأموال في جميع مراحل العملية، وبذلك يمكنها توجيه دول الخليج والشركاء الأوروبيين نحو اعتماد الضمانات نفسها. وينبغي أن تشمل هذه المعايير ما يلي:
- اعتماد نظام تسليم بقيادة الدولة: ينبغي لواشنطن أن تصرّ على أن يحدد أي تمويل إضافي مجلس الإنماء والإعمار جهة منفذة، على أن تشارك فيه الوزارات اللبنانية المعنية، كوزارات الأشغال العامة والتربية والطاقة، بصفتها شركاء. ويجب أن تمر كل المساعدات الأجنبية بوضوح عبر الدولة اللبنانية، وتحديداً بموجب قواعد لا لبس فيها تمنع أمل وحزب الله من العمل كوسيطين. ويمكن لمجلس الجنوب أن يقدم معلومات محلية أساسية لتسهيل عمل السلطات الأخرى، لكن ينبغي ألا يُمنح أموال إعادة الإعمار أو يُسمح له بالموافقة على المستفيدين أو اختيار الموردين أو التصديق على إنجاز الأعمال.
- إزالة البوابات السياسية: ينبغي أن تتولى فرق مستقلة إعداد سجل أولي للمواقع المتضررة من الحرب، بالاستعانة ببيانات الأقمار الصناعية من المجلس الوطني للبحوث العلمية "CNRS– L" ومعاينات ميدانية وحصر من منزل إلى منزل. كما ينبغي أن يتمكن السكان من التسجيل عبر رقم هاتف معلن أو في مراكز محلية يسهل الوصول إليها، من دون الحاجة إلى إحالة من بلدية أو حزب، على أن تُنشر معايير الأهلية علناً وتُعطى الأولوية فيها للاحتياجات الإنسانية العاجلة لا للانتماء السياسي.
- جعل عملية المشتريات قابلة للتتبع من طرح المناقصة حتى الدفع: ينبغي لمجلس الإنماء والإعمار أن يعتمد نظام المناقصات الإلكترونية العامة لجميع مشاريع إعادة الإعمار، بمعايير وأسعار ومتطلبات واضحة، وأن تُصرف الدفعات وفق مراحل إنجاز محددة وخطط معتمدة، وأن يكون لكل مشروع سجل عام يحدد المالكين المستفيدين والمقاولين من الباطن ومواقع المشاريع والعقود ومراحل التقدم والدفعات.
- إنشاء نظام تحقق واحد لكل مصادر التمويل: ينبغي للحكومة اللبنانية أن تتشارك مع الجهات المانحة في إنشاء هيئة للشفافية والتحقق في عملية إعادة الإعمار تغطي المشاريع الممولة أجنبياً، وتتولى مراقبة العملية بأكملها وتمثيل الحكومة وكبار المانحين والمجتمع المدني اللبناني في آن واحد. ويتضمن مشروع "LEAP" التابع للبنك الدولي بالفعل نموذجاً محتملاً لهذا النظام، حيث تتولى شركات هندسية ومحاسبية عملية التحقق وتُرفع التقارير إلى الحكومة والجهات الممولة والرأي العام.
- ترتيب مراحل المساعدات: لا ينبغي أن تتوقف المساعدة المدنية الأساسية على نزع سلاح حزب الله الكامل، وهو تحدٍ طويل الأمد وصعب التحقيق في كثير من المناطق. وينبغي أن يبدأ فوراً تقديم المأوى الطارئ وترميم المنازل وإزالة الأنقاض وإعادة تأسيس الخدمات الأساسية، شرط استبعاد الأحزاب السياسية المحلية والفاعلين المسلحين من القرارات المتعلقة بالأهلية والعقود والدفعات. أما المشاريع الكبرى غير الطارئة فقد تفرض عليها الجهات المانحة شروطاً تشغيلية مسبقة، مثل منع وجود أسلحة غير شرعية في مواقع المشاريع واشتراط نزع سلاح حزب الله في مناطق محددة وربط الدفعات المتتالية للمساعدات بنجاح تنفيذ المناطق التجريبية، عندها يمكن أن تتحقق إعادة الإعمار الكاملة في المناطق الخالية فعلياً من سلاح حزب الله وبنيته التحتية.
وهذه ليست مشكلة فساد في جوهرها، فالقضية الأساسية ليست ما إذا كانت المنازل تُبنى فعلياً أو يُدفع للمقاولين بإنصاف، إذ يرجح أن يكون لحزب الله وأمل مصلحة في إنجاز هذه المهام بكفاءة. بل ينبغي أن ينصب قلق السلطات الأكبر على من يستفيد سياسياً من هذا النشاط، فإذا استمر مجلس الجنوب في تلقي أموال الحكومة وإدارتها فسيكون حزب الله هو المستفيد. وفي هذا السيناريو سيكون المجتمع الدولي بصدد إعادة إعمار جنوب لبنان بينما يساعد حزب الله عن غير قصد على إعادة بناء نفسه، ويمهد الطريق لجولات مستقبلية من الحرب وإعادة الإعمار في هذه العملية.