- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4146
قمة مصر – إسرائيل: نقطة انطلاق للتقدم في قضية غزة؟
إذا عُقدت القمة بين نتنياهو والسيسي هذا الشهر، فينبغي على واشنطن أن تحث الزعيمين على التعامل معها باعتبارها نقطة انطلاق لعملية ثلاثية منظمة بشأن غزة، لا مجرد لقاء رمزي عابر.
يعمل المسؤولون الأميركيون حالياً، عبر مساعٍ هادئة، على التوسّط لعقد أول لقاء علني منذ سنوات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وفي حال انعقاد هذه القمة، فلن تكون مجرد إعادة ضبط رمزية للعلاقات، بل ستشكّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القاهرة والقدس وواشنطن على الانتقال من إدارة الأزمات في زمن الحرب إلى تبنّي نهج أكثر تنظيماً واستدامة تجاه استقرار غزة والدبلوماسية الإقليمية الأوسع نطاقاً.
تأتي هذه المحاولة في سياق مساعي إدارة ترامب الرامية إلى إعادة تشكيل الشراكات الإقليمية التي تضررت جراء حرب غزة، واستعادة زخم الانخراط العربي – الإسرائيلي العلني، وتجسيد الأفكار التي لا تزال غامضة بشأن الحوكمة والترتيبات الأمنية في غزة في مرحلة ما بعد الحرب. ومن شأن لقاء نتنياهو والسيسي أن يكون مؤشراً مبكراً على مدى استعداد الأطراف الفاعلة الرئيسية للانخراط من جديد على مستوى القيادة لمعالجة هذه القضايا المحورية.
فرصة لتجديد الانخراط بين مصر وإسرائيل
رغم الفجوة السياسية الطويلة بينهما، حافظت مصر وإسرائيل على شراكة أمنية لا غنى عنها، رغم طابعها الهادئ. فالقاهرة تسيطر على معبر رفح الحدودي مع غزة، وتوسطت في كل عملية وقف إطلاق نار رئيسة في المنطقة منذ عام 2007، وتعاونت مع إسرائيل ضد الشبكات الجهادية في شبه جزيرة سيناء. وبقي هذا التعاون قائماً رغم الخلافات العلنية الحادة منذ عام 2023 بشأن العمليات الإسرائيلية قرب رفح وتداعيات الحرب الحدودية.
وفي الوقت ذاته، بات الخلاف حول إدارة حركة العبور في معبر رفح نقطة اشتعال ثنائية بارزة، إذ دفعت القاهرة لتحقيق حركة عبور منتظمة في الاتجاهين، تتيح دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وخروج الأشخاص والبضائع وفق ضوابط متفق عليها. وإبان الحرب، سمحت السلطات المصرية بعمليات مغادرة محدودة، لكن الذين غادروا فُرضت عليهم رسوم باهظة، مما أثار انتقادات دولية وكشف عن المخاطر السياسية التي تواجهها مصر، والمتمثّلة في تصويرها كدولة تستفيد من معاناة غزة.
في المقابل، آثرت إسرائيل ترتيباً أكثر تقييداً وأحادي الجانب، يركز على ضخ المساعدات إلى غزة. وربطت توسيع حركة العبور في الاتجاهين بعمليات تفتيش صارمة وإجراءات أمنية داخل غزة، مشيرة إلى مخاوف متجذرة من أن التساهل الرقابي عبر المعابر البرية سمح بتهريب الأسلحة وسواها من البضائع لـ"حماس" قبل 7 تشرين الأول /أكتوبر. ويخشى المسؤولون المصريون أن يؤسس إطار عمل رسمي أحادي الاتجاه لحصار دائم على سكان غزة أو أن يمهد الطريق لضغوط تهدف لنقل جماعي للفلسطينيين إلى مصر من دون أفق عودة واقعي. وقد أدى تبدل المسؤولين الإسرائيليين المعنيين بهذا الملف إلى تفاقم الوضع، إذ أدلى بعض المحاورين الجدد بتصريحات حول تقييد حركة العبور عبر رفح، وهو ما يعده نظراؤهم المصريون تصرفاً غير لائق واستخفافاً بالقيود السياسية التي تواجهها القاهرة. ويرجّح أن تبرز هذه الخلافات العملية بجلاء في حال انعقاد القمة.
كما أفضت حرب غزة إلى توتر أوسع بين البلدين. فقد أبدى المسؤولون المصريون استياءهم من التصريحات الإسرائيلية العلنية بشأن أنشطة التهريب عبر الأنفاق في سيناء، وأعربوا عن قلقهم إزاء امتداد العمليات الإسرائيلية إلى شبه الجزيرة. كما واجهوا غضباً شعبياً واسعاً بسبب الحملة الإسرائيلية على غزة، ازداد حدة جراء الحوادث التي وقعت في رفح، حيث تبادلَت القوات المصرية والإسرائيلية إطلاق النار، مما أسفر عن مقتل عدد من الجنود المصريين. ويعكس غياب الاجتماعات العلنية رفيعة المستوى منذ عام 2023 الحذر السياسي الداخلي في القاهرة وتراجع الثقة بين القادة، رغم أن نتنياهو اعتذر للسيسي هاتفيا بعد تغيبه عن قمة تشرين الأول/أكتوبر في شرم الشيخ.
وفي ظل هذه الخلفية، سيكتسب الاجتماع الجديد قيمة حقيقية من خلال الإشارة إلى أن القاهرة ترى فائدة استراتيجية متجددة في الانخراط مع إسرائيل على مستوى القيادة، وأن إسرائيل تُقر بالدور المركزي لمصر في أي خطة عملية في غزة. أما بالنسبة لواشنطن، فسيشكل ذلك خطوة نحو استعادة القدرة على التنبؤ في علاقة إقليمية أساسية تدهورت بفعل ضغوط الحرب.
الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة
يخدم تنظيم هذا الاجتماع عدة أهداف قصيرة المدى بالنسبة لواشنطن. أولا، يضخ زخماً في الدبلوماسية الإقليمية التي تباطأت جراء السياسة الداخلية الأمريكية والإرهاق الناجم عن الصراعات الإقليمية. وسيظهر نجاح القمة أن الانخراط العربي الإسرائيلي لا يزال ممكنا رغم التوترات التي أثارتها حرب غزة، مما يمنح واشنطن نفوذاً لتشجيع مصر والأردن وشركاء الخليج على تحديد أدوارهم في استقرار ما بعد الحرب، وفي النهاية لتجديد جهود التطبيع.
ثانيا، تتمتع مصر بموقع فريد يؤهلها للتأثير في التطورات الميدانية في غزة. إذ لا يمكن لأي هيكل أمني أو آلية إنسانية أو إطار عمل شرطي أن يعمل من دون مشاركة القاهرة. ويسعى المسؤولون الأمريكيون إلى تعزيز وتوسيع الدعم المصري لخطة مرحلية بشأن غزة ترتكز على الدور الحالي للقاهرة في تدريب أفراد الأمن الفلسطينيين، وتحسين التنسيق على الحدود، والإشراف على إعادة الإعمار بدعم إقليمي ودولي. ويمكن للمشاركة المباشرة على مستوى القادة أن تسهم في إضفاء الشرعية على هذه الجهود وتوضيح ما الذي تستعد مصر للقيام به وما لا تستعد له.
ثالثاً، توفر القمة وسيلة لربط الحوافز الاقتصادية بالاستقرار الدبلوماسي. ويمثل توسيع اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي بين إسرائيل ومصر عنصراً محورياً في المناقشات. وفى هذا السياق، ترى واشنطن أن التعاون في مجال الطاقة يشكل أداة لتعزيز العلاقات بين الدول ولتخفيف النقص الحاد في الطاقة لدى مصر، الذي أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وإحباط شعبي واسع. وفي الوقت ذاته، فإن قدرة إسرائيل على تعديل تدفق الغاز منحتها نفوذاً على القاهرة في اللحظات الحساسة سياسياً، مما عزّز الانطباع بأن السيسي يعتمد بشكل مفرط على الإمدادات الإسرائيلية. ويكمن السؤال الرئيس في ما إذا كان يمكن هيكلة مثل هذه الاتفاقيات لدعم التنسيق الجوهري بشأن غزة وأمن الحدود، بدلاً من أن تحل محله.
حسابات مصر
يتشكل موقف القاهرة بناءً على مزيج من الاعتبارات الاقتصادية والمشاعر العامة وانعدام الثقة في قادة إسرائيل. اقتصادياً، تواجه مصر واحدة من أصعب البيئات في المنطقة بما في ذلك ديون عالية، وضغوط تضخمية، وتحديات مستمرة على مستوى العملة. ومن شأن الواردات الإضافية من الغاز الإسرائيلي، إلى جانب الدعم الغربي والخليجي، أن تخفف الضغط على قطاع الطاقة وتساهم في توفير العملة الأجنبية. وإذا أسفرت القمة عن مكاسب اقتصادية ملموسة، فسيساعد ذلك السيسي على تبرير المخاطر السياسية المرتبطة بالظهور علناً مع نتنياهو.
لكن الوضع في غزة أثار غضب الرأي العام المصري كثيراً. وسيصعب الدفاع عن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي داخلياً من دون إحراز تقدم مواز في الوصول الإنساني، والتنسيق في رفح، إضافة للترتيبات السياسية الفلسطينية. لذا، من المرجح أن تتمسّك القاهرة بتوفير ضمانات واضحة بأن إسرائيل ستنسق العمليات قرب الحدود عن كثب، وتتجنّب الإجراءات التي قد تمتد إلى سيناء، وتدعم آليات الإدارة الفلسطينية في غزة بطريقة لا تثقل كاهل مصر بالمسؤولية المباشرة.
مصالح إسرائيل
أما بالنسبة لإسرائيل، فتقدم القمة ثلاث مزايا رئيسة. أولاً، ستساعد على إصلاح قناة إقليمية حيوية تعرضت للتوتر جراء الحرب. فاستعادة التواصل بين القادة ضرورية لتنسيق أمن الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية واتخاذ تدابير لمنع "حماس" أو سواها من الجهات المسلحة من إعادة بناء البنية التحتية على امتداد الحدود بين مصر وغزة.
ثانياً، إذا وقفت القدس إلى جانب القاهرة، فإن ذلك سيواجه التصورات المتزايدة بشأن العزلة الدبلوماسية لإسرائيل. فالتواصل العلني مع السيسي قد يطمئن الأطراف الإقليمية الأخرى بـأن التعاون مع إسرائيل لا يزال ممكناً سياسياً إن جرى تأطيره ضمن الاستقرار والأمن والمنافع الاقتصادية الملموسة.
ثالثاً، تحتاج إسرائيل إلى التعاون المصري في المرحلة التالية من استراتيجيتها تجاه غزة، إذ سيكون من الصعب تنفيذ الخطط التي تشمل إنشاء قوات شرطة فلسطينية، وترتيبات حكم انتقالية، ورقابة حدودية أكثر صرامة إذا كانت مصر مترددة أو معارضة. وتمنح القمة نتنياهو فرصة لمواءمة التوقعات مباشرة مع السيسي بدلاً من الاعتماد حصراً على القنوات غير المباشرة.
الآثار السياسية ومخاطر الفشل
إذا تعثرت الجهود في عقد القمة أو انهارت الاجتماعات نتيجة الخلافات، فقد يتعمّق عدم الثقة، وقد تقلّص مصر تعاونها بشأن قضايا غزة، وتتخذ موقفاً أكثر انتقاداً علناً، أو تبتعد أكثر عن مساعي الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار. وقد يرى قادة الأردن ودول الخليج في الفشل دليلاً على أن إسرائيل لا تستطيع إصلاح العلاقات الإقليمية الرئيسة، ما قد يعقد مسارات التطبيع الأوسع نطاقاً. كما أن فشل القمة سيثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على التوسط حتى في خطوات دبلوماسية متواضعة تتعلق بملفات غزة ومصر وإسرائيل، بما يقوض الزخم الذي تسعى إلى تعزيزه على هذا المسار.
وبناءً على ذلك، يتعين الحكم على أهمية القمة لا من خلال المظاهر، بل من خلال ما إذا كانت ستفضي إلى التزامات محددة وآليات متابعة واضحة. وتشمل المؤشرات المفيدة لقياس النجاح ما يلي:
- تحرك ملموس نحو ترتيب مرحلي لتصدير الغاز لتلبية احتياجات مصر الطاقوية، مع تعزيز التنسيق بشأن غزة لا استبداله.
- موافقة مصر، من حيث المبدأ، على دعم تدريب ونشر الشرطة الفلسطينية وقوات الأمن الداخلي الأخرى ضمن إطار مدعوم من قبل الولايات المتحدة.
- إنشاء آليات تنسيق ثلاثية بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل بشأن رفح، والتدفقات الإنسانية، والإشراف على إعادة الإعمار.
- الالتزام بمواصلة المشاركة رفيعة المستوى، ويفضّل أن يكون ذلك عبر اجتماع متابعة مُجدول أو قناة ثلاثية دائمة، على أن تشمل هذه المشاركة تحديد التوقعات من أي حكومة فلسطينية تكنوقراطية في غزة.
في الواقع، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين الضغط بشكل خاص على نتنياهو والسيسي للتعامل مع القمة بوصفها بداية لعملية ثلاثية منظمة تتناول المسارات الأمنية والسياسية في غزة، وليس مجرد لقاء رمزي عابر. ويتضمن ذلك توظيف الاجتماع لتضييق الفجوات بشأن الأسئلة المرتبطة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مثل سبل تقييد "حماس"، وآليات تشكيل قوات الأمن الداخلي، والدور الفعلي الذي يمكن أن تضطلع به لجنة الحكم التكنوقراطية.
وفي الوقت ذاته، ينبغي لواشنطن تجنب المبالغة في الترويج للاجتماع علنا. وينبغي أن ينظر للقمة بوصفها خطوة عملية ضمن عملية أطول، لا إنجازاً كبيراً. وسيساعد ذلك السيسي على إدارة الحساسيات المحلية، فيما يمنح نتنياهو حافزاً واضحاً لتوسيع التنسيق الإقليمي.
وإذا جرى التعامل مع القمة بحذر كاف، فقد تسهم في إعادة ترسيخ الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة، وفي مواءمة مصر وإسرائيل حول الأهداف المشتركة في غزة، كما قد تولّد زخماً دبلوماسياً متواضعاً لكنه حقيقي في وقت تشتد فيه الحاجة إليه. أما إذا أُديرت على نحوٍ خاطئ، فقد تُعزّز الانطباعات السلبية وتُعمّق عدم الثقة الذي يُفترض أن تُخفّفه.